8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رجاء.. لا تذكروا منا إلا انتصاراتنا

في الوقت الذي كان فيه الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، يخطب في حشد من السيدات في مناسبة إفطار، ويتحدث فيه عن نفسه بأنه شخص عاطفي وانه كان يسأل كلما سقط شهيد للمقاومة الإسلامية إن كان أعزب أو متزوجاً، وهل أن والديه حياّن وهل لديه أولاد أم لا.. كان شبان من حزب الله، من أتباع نصرالله حتى الموت، في خضم اشتباكات عنيفة في زواريب ناحية برج أبي حيدر ببيروت، منتشرين من ميناء الحصن إلى البسطا التحتا والفوقا إلى أنحاء برج أبي حيدر وصولاً إلى المزرعة والنويري ورأس النبع.
وكانت معركة ميليشيا المقاومة الإسلامية ضد ميليشيا جمعية المشاريع الإسلامية الخيرية (الأحباش) قد بدأت بحادثة فردية سببها خلاف على ركن سيارة، واستمرت زهاء أربع ساعات، اشترك فيها مئات الشبان من التنظيمين. وسقط بنتيجتها ثلاث ضحايا، وأكثر من عشرة جرحى، كانت خلالها القوى الأمنية الرسمية وعلى رأسها الجيش اللبناني عاجزة ومتفرجة، ومنتظرة موافقة طرفي المواجهة على وقف إطلاق النار، والسماح لها بالانتشار في الشوارع، وتهدئة الوضع.
في هذه الأثناء كان نصرالله في خطبته الافطارية الرمضانية يتحدث فيها عن أفكاره حول أزمتي الكهرباء والماء وعن تسليح الجيش، وما درج عليه في الآونة الأخيرة من كلام حول الفتنة والتحقيق الدولي في قضية الاغتيالات وملف شهود الزور، متجاهلاً الإفطار الدموي لمساء الأربعاء الدامي.
والحال أن ما جرى في تلك الليلة أعاد سكان تلك المنطقة إلى ذاكرة الحروب المتناسلة ما بين عام 1975 1990، وأيقظ ذكريات ما حدث في أيار 2008 تحت شعار السلاح لحماية السلاح والتي ابتدأت أيضاً بخطبة صارخة لقائد المقاومة وسيدها. وشهد السكان كيف أن حادثة فردية تافهة يمكنها أن تؤدي بهم وبالبلاد إلى التهلكة والخراب والموت، وتخرب حياتهم وحياة أولادهم وقد تقضي على جنى العمر وتفقدهم أحبتهم وأصدقاءهم وأقاربهم وجيرانهم وأبناءهم، العزّاب منهم والمتزوجين، الذين لديهم والدان أحياء أو أموات والذين لديهم أولاد أو الذين يأملون وينتظرون..
هذا وقد أوقعنا السيد في حيرة من أمرنا، إذ أن حزبه الذي أصّر على اعتبار ما حدث مجرد حادثة فردية، أي بلا خلفيات سياسية ولا دوافع مسبقة لها ولا تخطيط، لم يكلف نفسه عناء تفسير كيف أن الحادثة الفردية تطورت خلال دقائق إلى حملة عسكرية تامة، وإلى معركة تورط فيها كل مقاتلي حزب الله في ذاك الجزء من بيروت، وتخللتها كل الأعمال التي تميز بها الحزب في حملات التصفية: الاستيلاء المنسق على مراكز التنظيم المناوئ أو تدميرها أو حرقها، خطف واعتقال كوادره، ملاحقة أنصاره وتهجيرهم، ترويع السكان (البيئة الحاضنة) الاستخدام المكثف للنيران وتوسيع نطاق المعركة وسحق كل مقاومته. وحزب الله له خبرة واسعة في هذا المجال في الثمانينات من القرن المنصرم. خصوصاً في تعامله مع الحلفاء السياسيين: الحزب القومي، الحزب الشيوعي، حركة أمل.. والآن جمعية المشاريع.
وعلى الأرجح، قد يكون حزب الله محقاً في إصراره على أن تلك المعركة سببها حادثة فردية، أي بلا أبعاد سياسية، ذاك أن معظم حروب الميليشيات، كما علمنا وذقنا طوال عقدين، لم يكن مبتدؤها إلا حادثة فردية سببها أفضلية المرور أو أفضلية ركن سيارة، وهي دوماً بين فصائل مسلحة حليفة، في خندق واحد بمواجهة العدو وكانت تنتهي بقناعة سياسية مفادها سؤال: من المستفيد، وجواب: العدو الصهيوني. فتحل الطمأنينة على روح الممانعة ويعم الهدوء على الأرض الخراب.
والمدهش أيضاً في نشرة أخبار المنار، في الليلة التالية على تلك المعركة، ذاك الاستياء الشديد الذي أبداه حزب الله، مما سماه الاستغلال السياسي أي جملة الاعتراضات والاحتجاجات التي أعلنها المواطنون والصحافيون والنواب والوزراء والأحزاب السياسية، معتبراً تلك الاعتراضات محاولة للنيل من المقاومة وسلاحها. أي ان المنار كانت تطالب اللبنانيين بنسيان ومحو تلك الليلة الدموية في ذاكرتهم أولاً، ثم تقديم فروض التقديس مجدداً لذلك السلاح. وكررت المنار على اللبنانيين مطالبتها بأن يقنعوا بما أعلنه حزب الله وفرضه عليهم، أي تلك المعادلة السحرية: المقاومة والشعب والجيش.
ومنذ أيار 2008 إلى آب 2010 أفضت هذه المعادلة إلى أن تكون المقاومة (ومن معها) كحال الميليشيات، من غير قانون يلجمها ولا محاسبة تضبطها، فتقرر هي وحدها متى وأين تستخدم سلاحها، ومتى وأين تشن حرباً، صغيرة كانت أو كبيرة. كما يكون الشعب فيها هو جماهير مؤيدة مصفقة، لا تلوي على شيء، مستعدة دوماً للتضحية طوعاً أو قسراً، بأرواحها وأرزاقها وأموالها.
لقد اختبر سكان برج أبي حيدر ما يفعله السلاح المقدس بأيدي أشرف الناس في حادثة فردية وبالتأكيد فإن اللبنانيين جميعهم سيختبرون في الأيام الآتية ما أُتحف به أهل برج أبي حيدر.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00