رجل الأعمال اللبناني الشيعي والجنوبي، الذي كان يرمقني بتلك النظرة الإرتيابية، من غير عدائية، بعد أن عرف أني أكتب في جريدة المستقبل متذكراً بعض إطلالاتي التلفزيونية السياسية، راح يسألني متى ذهبت آخر مرة إلى بلدتي الحدودية، التي باتت تحمل اسم عاصمة المقاومة، قاصداً بالسؤال أن يعرف إلى أي مدى قد ذهبتُ في افتراقي السياسي عن الأهل الذين لا بد يوالون حزب الله وقائده.
وإذ أجبته سأزورهم في العيد.. إنشاء الله، كنت أوحي له عبر استخدامي هذه المفردات أن انشقاقي لم يصل بعد إلى حد القطيعة. أما ابتسامته الخفيفة، والهازئة بعض الشيء، فقد جاءت لأنه حدس بأن إجابتي ليست صادقة، وأن اللغة التي استعملتها لا تبدو هي لغتي. وأن فيها شيئاً من التمثيل، أقرب إلى لغة التقية وأسلوبها. وقد يكون ذلك في نهاية المطاف حسب ظنه دليلاً على شيعيتي. بل إن الانشقاق وليس التقية وحدها، هو أيضاً إرث شيعي، حتى في الأزمنة الحديثة، حين كان شباب الجنوب يواظبون على الانشقاق عن الأهل وأعرافهم وتقاليدهم ومعتقداتهم، ويلتحقون بأحزاب اليسار والقومية العربية وبمنظمات الفدائيين الفلسطينيين... أو على الأقل، ينشقون اجتماعياً وثقافياً عن قراهم ومنابتهم ذاهبين إلى بيروت والمهاجر، ساعين إلى القطيعة مع سيرة أهاليهم الفلاحية، المتقشفة والفقيرة.
رجل الأعمال الذي يملك شركة سياحية ويعمل في الخدمات العقارية كان ملحّاً في طلبه أن أجلس، وأن يفتح محادثة بحضور إبنه الشاب الملتحي وأحد أصدقائه، الذي كان يطقطق مسبحته بعصبية. كان يريد المحادثة بداعي الفضول لا المساجلة بعد خطاب السيد.. كيف ترى ستكون الأوضاع؟ هادئة؟.
رغم شعوري إني في ورطة، في هذا المكتب حيث تختلط الملصقات السياحية مع الزخرفات الإسلامية المذهبة، والواقع في قلب الضاحية الجنوبية، ناظراً عبر الباب إلى السكرتيرة المحجبة، المستنفرة بدورها لاستراق السمع إلى المحادثة، قررت أن أجلس، لا لأني أرغب بالإجابات التي ستكون محرجة بلا شك، ولا لأني أتوهم تلقينهم موقفاً سياسياً مغايراً لقناعتهم، بل بداعي الفضول، والمشاركة في لعبة الحوار المغوية.
يا حاج، بتقديري.. لن يحدث شيء في هذه الأشهر، نصر الله نفسه أكد على التهدئة. أجبته، فارتجفت عيناه لأني عفوياً لم أقل لقب السيد الذي يسبق اسم حسن نصر الله. طيب شو قصة هالمحكمة.. منخلص منها؟ فرحت أروي لهم كيف أن الناس عندنا خلال 15 سنة من الحروب كانوا يقولون باستمرار حق الدولة لا ينتسى قاصدين بذلك إنه مهما طال غياب الدولة ومهما استشرت الفوضى ومهما امتدت الحرب، في نهاية المطاف ستعود الدولة وستطالب بكل مستحقاتها من ضرائب ورسوم وتطبيق أحكام قضائية.. الخ، وأيضاً سردت لهم أن قرارات مجلس الأمن في الأمم المتحدة من قرار تقسيم فلسطين إلى آخر قرار صدر بحق إيران لا يمكن إلغاؤها مهما تأجل تنفيذها أو تجميدها، مذكراً إياهم بالقرار 425 الذي نفذته إسرائيل بعد 22 سنة من صدوره. ثم رويت سيرة كل المحاكم الدولية من محاكمة نورمبرغ في ألمانيا، بعد الحرب العالمية الثانية، إلى محاكمة الخمير الحمر في كمبوديا، ومحاكمة القادة الصرب ومحاكمة القادة الروانديين، وآخرها محاكمة تشارلز تايلور، وربما في يوم ما محاكمة الرئيس السوداني: المحكمة يا حاج مستحيل إلغاؤها.
أدركت على الفور أن مطالعتي العفوية هذه انتهت إلى إجابة استفزازية فبحثت عن جائزة ترضية مسرعاً بالقول من عندياتي لكن القرار الظني قد يتأجل بعض الشيء. في هذه اللحظة وقف صاحبهما وغادر من دون أن ينظر إليّ. قال الحاج رأسه ما بيحمل هيك حكي متابعاً أسئلته يعني قد يتغير القرار الظني بعد الذي كشفه السيد في المؤتمر الصحافي. هنا قررت أن ألعب، أن أصير أنا من يطرح الأسئلة: إذا كانت إسرائيل هي التي اغتالت الرئيس الحريري وكل الاغتيالات اللاحقة... فلماذا تريدون التخلص من المحكمة؟. تابعت أعفيك من الإجابة: برأيك، كل الجهد الذي يبذله حسن نصر الله ألا يعني أنه أكثر شخص في لبنان يأخذ قضية المحكمة على مأخذ الجد؟ ألا يعني أنه يقدّر جداً دور لجنة التحقيق الدولية؟ ألا يعني مؤتمره الصحافي الأخير انه يخاطب المدعي العام ويحاوره ويعترف به ولو بطريقة غير مباشرة؟ ألم يقل إنه يضع ما لديه من قرائن لدى الدولة لتتصرف بها، أي بداهة تسليمها للجنة التحقيق الدولية؟
انتبهت للمرة الأولى أن من هم من جمهور حزب الله، والذين عادة ما يؤمنون بإصرار وعناد بأن كل ما يقوله قائدهم هو على شاكلة الوعد الصادق، هذه المرة لم يكونوا كذلك مع وقائع المؤتمر الصحافي المصنوع من كليبات وريبورتاجات وإخراج مسرحي درامي، فهم على ما يبدو أخذوه على وجه الاحتمال لا الحقيقة، على وجه الـ ربما لا بالتأكيد، على وجه الإمكان والظن لا اليقين، طالما أنهم لم يبادروني إطلاقاً بالقول مثلاً: شفت.. ظهرت الحقيقة أخيراً، إسرائيل هي التي قتلت الرئيس الحريري.
ولا حتى أي جملة تشبه هذا المعنى. فبقوا مثلما كانوا قبل المؤتمر الصحافي، متأرجحين بين نظريات ومقولات محورها المؤامرة الغامضة والعصية على الانكشاف. انتبهت أيضاً أن هذا المؤتمر الصحافي أزعجهم لأنهم رأوا فيه قائدهم متضايقاً وضعيفاً: مقهور كان السيد.. مش مرتاح قال الحاج مصدقاً على ملاحظتي بأنه انزعج من الأسئلة الجريئة، وانه لاحظ متأخراً بأن انطباعه عما لديه من مادة للمؤتمر الصحافي قبل إجرائه كان خادعاً، إذ ما أن انتهى بعد أكثر من ساعتين ونصف الساعة حتى فطن أن عرضه التلفزيوني (بمصاحبة الموسيقى التصويرية) ليس مقنعاً كفاية، فأعلن: ليس لدي أي دليل قاطع.
هذه الجملة كانت حاسمة في إضعاف المعنى والوظيفة اللذين أرادهما الأمين العام لحزب الله: تزويد جمهوره على الأقل برواية مريحة ومطمئنة يستندون إليها في مواجهة الآخرين.
وانتبهت إلى ما هو أخطر من كل ذلك، حين سألتهما لماذا برأيكما تحدث نصر الله عن التحقيق العنجري وعن طحن العظام؟ هنا ظهرت المفاجأة، تلك المرارة السياسية المكبوتة التي لا علاقة لها بإسرائيل. فقررت أن أذهب أبعد في أسئلتي: بعد أن أظهر الحزب كل هذه القوة الإستخباراتية والتكنولوجية، مصيبة إذا كان لا يعرف شيئاً عن 14 عملية اغتيال وعشرات التفجيرات الليلية المتنقلة، ومصيبة أكبر إذا كان يعرف شيئاً ولا يعلنه، خصوصاً أن كل عمليات الاغتيال التي تعرض لها كوادر حزب الله، انكشفت حقيقتها في المؤتمر الصحافي الأخير، بأدق تفاصيلها، من التحضير إلى التنفيذ إلى تعقب المنفذين وتسميتهم؟
قصدك، الفتنة ستحدث؟ أليست إسرائيل هي التي قالت إن الفتنة ستأتي على لبنان؟ عقّب الحاج، ليضيف ابنه اشكنازي أخبرنا بذلك وصرح علناً بأن القرار الظني سيجلب الخراب على لبنان. فطلبت أن يكملا ومن أيضاً قال كلاماً مشابهاً للكلام الإسرائيلي، أليس فلان وفلان وعلان، وفي ذاك الخطاب والذي تلاه والذي جاء من بعده: من هو قبل الإسرائيلي منذ أربع سنوات يهدد بالفتنة؟.
عند هذه النقطة شعرت أن المحادثة باتت ساذجة ولن تذهب إلى أي معنى ولا إلى خاتمة مفيدة. وقفت مصافحاً فنظر رجل الأعمال إليّ بنظرة فاحصة معترفاً فجأة الذي قاله سمير جعجع عن شهود الزور هو أكثر شيء حقيقي، ومن دون أي رابط أكمل: أنت كنت شيوعياً؟ فأجبت لا يا حاج.
كان سؤاله الأخير محاولة جيدة منه ليعرف كيف أني هكذا بعيد عنهم، وعن أهل بلدتي وعن ولاءاتهم، من غير أن أكون غريباً، بل مألوفاً ألفة الانشقاق، الذي هو من حالي ومن إرثهم، وقد يكون من أحوالهم في أيام مقبلة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.