ماذا عن منتخبكم الوطني؟، سألني الزائر السلوفاني ماركو، فيما كنا نشاهد مباراة هولندا الكاميرون، وسط حشد الزبائن المنقسمين بين مشجع هولندي ومشجع كاميروني. كان ماركو منذهلاً منذ الليلة السابقة لما كان يجري في بيروت وشوارعها إثر فوز ألمانيا على غانا. مسيرات سيّارة ومفرقعات واحتفالات على الأرصفة والشرفات واهتياج دام لساعات في الحانات والمقاهي.
لم أستطع أن أذكر له إسم لاعب لبناني واحد، ذاك أنني لا أعرف شيئاً عن فريق لبنان لكرة القدم. آخر مرة شاهدت مباريات كرة القدم لبنانية (وهي من المرات النادرة) كانت عام 2000. حينها كان عديد الجنود من الجيش اللبناني يفوق عديد المتفرجين. ومع ذلك، إندلع شغب عنيف لا يخلو من خلفيات مذهبية سياسية. والمباراة تلك كانت رديئة الى درجة أنني رحت أقرأ الجريدة وأنا جالس على المدرجات.
وقتها قطعت أي صلة لي بالملاعب الكروية اللبنانية. ثم إن الخيبات المخجلة لهذا المنتخب، جعلتني أنأى بنفسي عنه، نافياً الهوية الوطنية المشتركة بيني وبين الفريق اللبناني، تماماً كمثل تبرئي من عيوبنا الوطنية الكثيرة. وتعويضاً عن ذلك، قلت لماركو، إخترت مثالي الكروي من وراء الحدود. في الأندية أشجع بايرن ميونيخ وبرشلونة، وفي المنتخبات أشجع ألمانيا. هذا ما يفعله اللبنانيون جميعهم، ينتقون فريقهم من الفرق المونديالية بوصفه المنتخب الذي يحلمون أن يمثّلهم، ويتمنّون الانتساب الى جموع مشجعيه.
واللبنانيون المولعون موسمياً بهذه اللعبة، يبدأون، قبل شهر تقريباً من بداية المونديال، بشراء الأعلام التي تمثل الدول المشاركة، خصوصاً منها البرازيل وألمانيا، وبدرجة أقل فرنسا وإيطاليا والأرجنتين، وهم يلحقون أيضاً الترجيحات التي تسمّي الفرق المحتمل فوزها باللقب العالمي لكي يرفعوا لواءها. فهذا العام ازدادت نسبة الأرجنتينيين مع سطوع نجم ليونيل ميسي وعودة دييغو مارادونا الى الملاعب كمدرب. كما انتشرت على نحو مستجد أعلام إسبانيا التي فازت ببطولة أوروبا، وهي أيضاً البلد الذي فيه ناديا برشلونة وريال مدريد، المنتشرة شعبيتهما عربياً منذ توسّع البث التلفزيوني وفضائياته. وهذا العام تضاءل الجمهور الفرنسي في لبنان، بعد عروضه الهزيلة قبل المونديال وأثناءه، واستبعاده من الترجيحات الصحافية. فيما بدأت تختفي أعلام إيطاليا بعد صدمة خروجها من المنافسة. الهولنديون لهم حصتهم الضئيلة والثابتة من العنيدين الذين يعشقون أسلوب الطواحين البرتقالية، والمنحوسين دوماً في النهائيات، اللبنانيون الإنكليز هم على الأغلب من المدمنين على الدوري الإنكليزي الممتاز (المانشستر، ليفربول، الأرسنال وتشلسي..).
الحزبان الكبيران في لبنان، مع كل مونديال، هما البرازيل وألمانيا. يظهر ذلك مع كل فوز برازيلي أو ألماني، إذ ينفجر الليل بالأصوات وأبواق السيارات والمفرقعات، بل وحتى إطلاق الرصاص في الهواء، تماماً كما كان يحصل في السنوات القليلة المنصرمة عند كل خطبة تلفزيونية لزعيم من هنا وزعيم من هناك. ثم إن وزارة الداخلية أصدرت بيانات تحذيرية للحدّ من هذا الإنفلات في التعبير عن الابتهاج الكروي المطابق في السلوك والأدوات لـالابتهاج السياسي، الذي لا يخفي دوافعه الاستفزازية وروحية التحدي لـالخصم. اللبنانيون الألمان عندما يحتفلون بفوزهم إنما يقصدون تحدي البرازيليين، والأخيرون أيضاً يفعلون الأمر ذاته.
الإنقسام الكروي في لبنان، بين ألمانيا والبرازيل، سابق على الانقسام السياسي بين 8 و14 آذار، وإن كان يشابهه تحزباً وتعصباً وخصومة، وهو ما يدل عليه تقليد لبناني مداوم في عادة الإنقسام، بل والسعي لتكريس النظرة الى أمور الحياة بوصفها صراعاً دائماً بين حزبين، وتأليف الهوية بوصفها إنحيازاً الى شطر من بين شطرين.
الدعاية التي تبثها قناة الجزيرة الرياضية، والتي تظهر فيها العروس وقد وشمت خدها بالعلم البرازيلي لتحدث صدمة في العرس حيث العريس وأقاربه وأصدقاؤه من الألمان، سرعان ما يتم التسامح معها بعد أن تظهر والدة العريس أنها أيضاً من مشجعي البرازيل. تلك الدعاية يمكن أن تكون درساً في التربية الوطنية عن التسامح في الزيجات المختلطة بين المذاهب والطوائف، أو هي على الأقل درس في الروح الرياضية لمشجعينا للحد من تشجنهم وخصومتهم التي تصل أحياناً الى حد الصدام الكلامي والبدني.
الدعاية هذه تُظهر لنا أيضاً معضلة استفحال الحضور الكروي في يومياتنا، والتي باتت فيه الصورة التلفزيونية الفضائية (التي تنقل لنا مباريات كرة القدم من كل أنحاء العالم، وتبث الدراما التركية، والمسلسلات الأميركية..) في موقع الصدارة أثراً وتأثيراً.
وعلى منوال فكرة الدعاية تلك، قد يبدو التحزب الكروي بمظاهره العصبوية تمثيلاً للذهنية اللبنانية في السياسة وفي معنى الانتماء، وإن كان لا يطابق خريطة الانقسام السياسي. فنصف الضاحية الجنوبية مثلاً (وهي كلها 8 آذار سياسة) هو ألماني الهوية كروياً، ويلاقي نصف عين الرمانة (14 آذار سياسة)، وكذلك برازيليو المنطقتين. حينها ينتقل الولاء مع كل المشاعر المصاحبة ومظاهره الجماعية، بخفة تامة، من التحزب السياسي (والطائفي) الى التحزب الرياضي، بالحدة ذاتها، لـيتعانق شبان حزب الله مع شبان القوات اللبنانية برازيلياً أو ألمانياً، أو هم يتبادلون التحيات (المستحيلة تقريباً في الأيام العادية) عندما ينظر الواحد منهم من سيارته الى الآخر ملاحظاً أنهما يرفعان العلم الكروي ذاته.
هكذا يُظهر اللبنانيون شدة ميلهم الى التعصّب في الهوية السياسية أو الطائفية، كما يُظهرون في الوقت ذاته عكس ذلك تماماً مع تفلّتهم من العصبية الوطنية وخفّتهم في تبديل هويتهم وانتمائهم طالما أنهم يصيرون ألماناً وبرازيليين وأرجنتينيين، بل وحتى في مضمار التحزب الكروي لديهم قدرة على خيانة الفريق الذي يشجعونه من فور خسارته وخروجه من المونديال، منتقين فريقاً آخر يرون فيه أرجحية تحقيق البطولة.
الصديق ماركو، السلوفاني، لا يشجع سوى منتخبه الوطني، وهو كان يصفق للكاميرونيين والهولنديين على حد سواء، كلما أتى فريق بمحاولة جيدة أو بلعبة ماهرة، ما جعل الجالسين ينظرون إليه بتعجب واستهجان طالما أنه لم يكن مثلهم منحازاً لفريق ضد آخر، فيما كان هو ما زال مذهولاً من ذهاب اللبنانيين في انحيازهم وتوترهم لفريق أجنبي دون آخر، كما لو أنهم في غمار معركة وطنية كبرى. ماركو هزّ رأسه قائلاً: أنتم ستظلون مدمني حرب، لا شك في ذلك.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.