فجراً، في مطار رفيق الحريري الدولي، قاعات شاسعة فارغة ورجال الأمن العام المتثائبون. صحف اليوم الجديد لم تصل بعد. تداعيات أزمة إسرائيل تركيا وأسطول الحرية مستمرة. وعليّ أن أسافر عبر الخطوط الجوية التركية الى اسطنبول، مدينة أورهان باموك، في طريقي الى لوبيليانا عاصمة سلوفينيا. في مكتبة المطار التقط رواية قصة عن الحب والظلام للروائي الإسرائيلي عاموس عوز ذات الـ765 صفحة، واشتريتها. قراءتها ستساعدني على نسيان التدخين الممنوع في الطائرة. السجال التافه حول التطبيع وطبع الرواية باللغة العربية، عن دار الجمل في بيروت، قابله نقد متسرع للرواية وللروائي لم يرقَ الى مستوى القراءة. إذ ماذا يعني أن نتّهم عوز بأنه إسرائيلي!
في الطائرة التركية ألمح المناضل معن بشور، الذي بات منسقاً لرحلات السفن المتجهة الى غزة. اسطنبول وجهة جديدة لمحترفي النضال... والممانعة.
هكذا، الطائرة التركية تحملني مع معن بشور وعاموس عوز.
التتر، الروس، السعوديون، الصينيون، اللبنانيون، البلغار، الإنكليز، الأفارقة، الفيليبينيون، السويديون.. جنسيات لا تحصى. مخفوقون سوية، مختلطون معاً في القاعات المزدحمة والممرات الطويلة التي لا تنتهي وتحت الشاشات الكثيرة التي تبث أسماء مدن العالم بأحرف مختصرة وأرقام مواقيت متسارعة في فضاء مكبرات صوت، تبث بلغات عدة نداءات الذهاب الى طائرات وإعلانات وصول طائرات. بشر بكومبيوترات محمولة وهواتف نقالة وسماعات أي.بوت وحقائب يد وحقائب عمل وحقائب ثياب وكتب تحت الإبط، وسندويشات تؤكل على عجل، وكاميرات مراقبة ورجال أمن صريحون ورجال أمن متخفون. يمكن أيضاً التفرج على ثياب المسافرين أو ربما يمكن التصور أننا في متحف الأزياء البشرية: فلاحو الأناضول والكرد، سيدات مدن موسكو وباريس، رجال الخليج العربي، نساء آسيا الوسطى، الفتيات الهنديات، مراهقو أميركا.. معاً في حركة منضبطة على إيقاع السرعة أو إيقاع الانتظار للذهاب والإياب حول الكرة الأرضية على مدار 24 ساعة، كل يوم وبلا توقف.
هنا، في مطار اسطنبول، يختفي عن أنظاري رفيق سفري، المناضل المحترف، فيما أنا أقرأ عوز الذي يكتب عن مكتبة عمه: أكثر من خمسة وعشرين ألف مجلد، همس أبي ذات مرة في أذني، مكنوزة هنا في مكتبة العم الخاصة، منها كتب قديمة وثمينة، ومنها مخطوطات لكبار أدبائنا وشعرائنا، منها الطبعات الأولى مع إهداء شخصي من مؤلفيها ومنها مجلدات تم إخراجها بالمكر والخديعة من حدود أوديسا السوفياتية وتم تهريبها وإحضارها الى هنا بطرق ملتوية، ومنها كتب نادرة وثمينة جداً من كنوز هواة جمع الكتب النادرة وشحيحة الوجود. منها كتب علمانية وأخرى دينية، تحتوي تقريباً على كل كنوز التراث اليهودي وخيرة تراث الشعوب، منها ما اشتراه العم في أوديسا ومنها ما اشتراه في هايدلبرغ، كتب وجدها في لوزان وكتب عثر عليها في برلين ووارسو، كتب طلبها من أميركا وكتب لا مثيل لها إلا في مكتبة الفاتيكان، عبرية وآرامية وسريانية ويونانية قديمة وحديثة، لغة سنكسريتية ولاتينية وعربية من القرون الوسطى، روسية وإنكليزية وألمانية وإسبانية وبولندية وفرنسية وإيطالية ولغات أخرى ولهجات حتى إنني لم أسمع بإسمها مثل الأوغاريتية والسلوفانية والكنعانية المالطية والسلافية الكنسية القديمة.
المكتبة هذه تشبه مطار اسطنبول، أفكر. بل الكتب تشبه البشر، أستنتج. مصيرها السفر أو القتل أو النسيان أو الحرق أو التبجيل أو المنع والتعرض للتنكيل والقمع.
كانت سلوفينيا جزءاً من الاتحاد اليوغوسلافي. وكانت أول أجزاء يوغوسلافيا التي تنال استقلالها. معركة صغيرة مع الجيش الصربي وانتهى الأمر. نزل السلوفينيون بسياراتهم الى الطرقات العامة وسدوها ولم يعد باستطاعة الجيش التحرك. هكذا، في مطلع التسعينات، خرجت سلوفينيا الى الوجود وانتقلت في الجغرافيا السياسية من كونها تقع في جنوب شرق أوروبا مع دول البلقان، الى كونها تقع في وسط أوروبا مع النمسا وهنغاريا. أما الوجدان التاريخي، أو الذاكرة المستعادة، فقد حملت سلوفينيا من تاريخ بلقاني مشترك مع كرواتيا وصربيا ومقدونيا، الى تاريخ الإمبراطورية الهابسبورغية أي النمسوية المجرية. وإذا أضفنا الانتماء الكاثوليكي والثقافة الألمانية، نجد هذا البلد قد حاز شروط انتمائه الى أوروبا. الآن، بعد 19 عاماً على الاستقلال وتبديل العملة ثلاث مرات: اليوغوسلافية، السلوفينية، اليورو، باتت سلوفينيا في المدى المفتوح على إيطاليا والمجر والنمسا، بعيدة عن كرواتيا وصربيا. الهوية مجرد خيار. صنعة ماكرة وسفر متصل. الشاعر السلوفيني برانيه موزتيش صنع هوية اضافية، طالما انه شاعر فرانكوفوني، أما المترجم محسن الهادي، اليمني الأصل، السلوفيني الجنسية، فما زال يحتار بمصير بلده الأصلي وهويته. ما زال وهو هناك لا يعرف كيف يدبر مسألة اليمن الجنوبي ومسألة الحوثيين، لا يعرف كيف سيتدبر اسلاميته (المتصالحة مع غربته) مع اسلامية تقاتل وتفجر هنا وهناك.
بعد ان كانت بيروت عاصمة عالمية للكتاب 2009 - 2010، تمت تسمية لوبيليانا لهذا اللقب للعام 2010 - 2011. لهذه المناسبة سنلتقي الشعراء: الصيني باي داو، والبرتغاليان كاسيميرو دي بريتو وجايمي روكا واليابانية كازوكو سيرياتشي وشعراء سلوفينيون: برانيه موزتيش، بوريس نوفاك، تاتيانا جمنيك، تيبور باندور. لغات تسافر الى بعضها البعض في قراءات تغلب عليها الدعة بالقرب من ضفاف نهر العاصمة الرائق في الهواء الطلق، على العشب، أمام سياح ومواطنين. لغات عربية ولاتينية وسلافية وآسيوية يحملها الهواء بالخفة ذاتها. الشعر يصير خارج الكلمات، يعبر من الساحة الى الضفة، كما تعبر الدراجات الهوائية الكثيرة غير المكترثة في ساعات الصيف، ساعات النزهة واللهو.
ننتتهي من القراءة ونذهب الى شاشات كرة القدم. سلوفينيا تهزم الجزائر (1 - 0)، لا مفرقعات ولا رصاص في السماء. انجاز وطني يدفع الناس للخروج الى المقاهي والحانات لاحتساء نخب الفريق الوطني تحت شعار: سمول كونتري، بيغ بولز. بهجة عامة فحسب، بهجة أنيقة منضبطة.
في اليوم التالي، بصحبة محسن الهادي، نذهب الى الغابة، على بعد خمسمئة متر من وسط العاصمة، لا أكثر، تبدأ غابة، انها ليست حديقة عامة، بل غابة حقيقية تصادف فيها في الصباح الباكر غزلاناً وحيوانات برية أخرى. وهي هنا، من قلب العاصمة الى السهل والجبال التي لا تنتهي الا عند الحدود النمسوية. وبعد ساعة من المشي صعوداً نصل الى قمة تلة، حيث صومعة كاتب سلوفيني من القرن التاسع عشر. متحف من غرفتين، ومطعم ومقهى سياحيان. بيني وبين محسن أحاديث عن كتب فقه اسلامية قديمة في أحكام الزواج بين رجل مسلم وبقرة: ما صفة المولود من هذا الزواج؟ أمثلة كثيرة من أعمال ذكرها محسن عن عقول المتفقهين في عصور الانحطاط. ثم يسألني عن معضلة مزارع شبعا وقرية الغجر والجنرال ميشال عون. لا، لنذهب الى تجربة الطعام السلوفيني التقليدي. أجبته مفتكراً الشاعرة اليابانية التي كانت تحمل أوراقها المصنوعة من عجين الأرز.
في القراءة الثانية المخصصة لي في الساحة المعشوشبة، تفاجأني اللجنة المنظمة بفرقة سلوفينية تعزف الموسيقى الأندلسية حصراً. المفاجأة الثانية ان الجالية العربية الصغيرة تأتي بمائدة مجانية للعموم: فلافل وحمص وشاورما. الشاب الفلسطيني هشام حمد، الناشط في الجمعية العربية - السلوفينية للثقافة والحوار (روزانا)، يحمل كاميرا فيديو من أجل وثائقي يعده عن عرب سلوفينيا. النادي العربي السلوفيني بأعضائه يتحلقون في هذه المناسبة. لقد جاؤوا على الأرجح لسماع اللغة العربية، لا لقصائدي بطبيعة الحال. بين الحضور يقف شاب ايراني ليسألني: لماذا في قصائدك لا تتحدث عن بطولات المقاومة، لماذا لا تتحدث عن حرب تموز 2006، كان مستاء للغاية. همس في أذن محسن الهادي بهذه الكلمة العربية: منافق.
أحمدي نجاد لديه سفير هنا، اقول في نفسي.
في طريق العودة الى بيروت، مروراً باسطنبول، ألتقي على الطائرة ذاتها المناضل ذاته مع حقيبته القديمة الطراز. كان متعباً وشديد التعرق، لكنه ما زال بالحماسة نفسها. هذه المرة يبتسم لي حقاً. اخفض نظري مستمراً في قراءة قصة عن الحب والظلام.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.