حين كنا نزاول حياتنا اليومية ونستهلكها كلها في شارع الحمرا وحده، على نحو عنيد وروتيني، بلا ملل، كنا ننزل الشارع بمحطات محددة لا نزيدها ولا نحيد عنها. كنا اسرى اعتيادنا على اماكنه القليلة إلى حد اننا لم نتقبل الذهاب ولو على سبيل الاستكشاف، إلى ABC في الأشرفية إلا بعد سنوات على افتتاحه، وتحوله إلى نقطة جذب للتسوق أو للترفيه أو لمشاهدة الأفلام. وحين اقفل مقهى الويمبي واضطررنا للانتقال عشرين متراً نحو مقهى الستاربكس على الرصيف المقابل، شعرنا اننا نبدأ حياة جديدة بما يعني ذلك من جهد للتأقلم مع وجوه وموظفين جدد ووجوه زبائن لم نألفهم وأصوات آلات وبشر لم نعتد سماعها.
التهجير الذي عانيناه مع تغيير المقهى أصاب ايضاً رواد مقهى المودكا الذين أبدوا اعتراضاً صاخباً. حتى انهم نفذوا اعتصاماً وكتبوا بياناً ضد اقفاله، لكن منطق السوق كان أقوى، فشرذمهم ما بين المقهيين الجديدين، الستاربكس والكوستا.
والقلة القليلة انتقلت الى الكافيه دوباري الذي يتوسط المسافة بين المقهيين، فيما رواد الكافية دو باري الذين ضاقوا ذرعاً من تهالكه وإعتامه كانوا بمعظمهم قد رحلوا الى سيتي كافيه البعيد نسبياً في شارع السادات. وكنا نتساءل كيف تخلوا بسهولة عن الحمرا اي عن الشارع الرئيسي، وذهبوا الى اطرافه؟ وبمقياسنا كان ذلك اغتراباً لا يحتمل، اذ يعني ذلك التخلي عن عادة المرور ببسطة نعيم لبيع الجرائد والكتب، والتخلي عن المرور بمكتبة انطوان، والتخلي عن تلك الألفة من مشاهدة المارة الذين صرنا نعرفهم او نستطيع تحديدهم وتصنيفهم خاصة مارة ساعات الصباح الأولى اذ نقول لأنفسنا مثلاًُ هؤلاء موظفو شركة التأمين، وهؤلاء طلاب الجامعة الأميركية، وهذه سكرتيرة الكاتب العدل... الخ. عدا عن تخليهم عن الطقوس التي يكون رواد المقهى المياومون قد أرسوها: تلك طاولة فلان، وهذه طاولة الشلة الفلانية.. أو تخليهم عن الميزة الخفية لطعم قهوة كل مقهى ان لجهة نوعية البن أو نوع الفنجان وشكله، كذلك نوعية كراسيه وطاولاته ومنافض السجائر.
تبدُّل المقاهي وغياب أخرى جعلنا نشعر ان انقلاباً يحدث في الشارع ويدفعنا لأن نكون مضطربين اذ صاحب هذا التغير وزامنه تغير أعمارنا وتبدل أحوالنا، ما أوهمنا بأن هؤلاء الشبان الجدد الذين يهيمنون بأعدادهم الكثيرة على مقهى الستاربكس سيطردوننا من شارعنا طالما انهم اكثر الفة ومعرفة بالطقوس الأميركية المستجدة علينا والتي تطغى على هذا المقهى.
في ليل الحمراء، لم تكن خياراتنا كثيرة، فهي إما في شي أندريه أو عند هاروت. وقد نذهب الى بلونوت البعيد على مسافة شارعين من الحمرا. وعندما أقفل شي أندريه غادرنا مع صاحبه الى محله الجديد ريجيستو القابع في المبنى ذاته لمقهى الستاربكس. ثم اننا غامرنا مرات قليلة بالسهر في جدل بيزنطي استئنافاً لتقليد أرسيناه في شي أندريه اذ خصصنا مساء الجمعة لقراءة الشعر.
لم ننتبه لما كان يحدث في القسم الأخير من الحمراء ما بعد سينما ستراند، حين راحت مطاعم جديدة اميركية الطابع تفتح هناك مع ازدهار الفندق الضخم الجديد الكراون بلازا ولا انتبهنا للمقهى الجديد ليناس ولا للمطعم الياباني الذي يواجهه. ثم اننا لم ننتبه الى ان الشبان الجدد صار لديهم مقهى ومطعم وحانة في توليفة جديدة ظهر بها محل براغ وتبعه مقهى غرافيتي على النمط ذاته.
سرعان ما انتبهنا الى اننا نحن حاملي الجرائد قد صرنا قدماء ازاء حاملي الكمبيوترات النقالة. وانتبهنا كيف ان مكتبة انطوان لم تغير فقط ديكورها، بل نوعية كتبها ومجلاتها ايضاً اذ حشرت في الطابق العلوي تلك الكتب العربية التي نطلبها.
وفيما نحن نثابر على أماكننا القليلة كانت المطاعم الإيطالية والصينية واليابانية تنتشر ما بين السارولا وتقاطع ابي طالب السادات. والى شارع المقدسي ومتفرعات الجاندارك وصيداني، كذلك المقاهي والحانات الحديثة الأكثر فخامة وترتيباً كانت تنبثق كل يوم في زوايا الحمرا.
التبدل اصاب ايضاً السوق نفسه. اذ نادراً ما لاحظنا كيف أن محلات الألبسة التي يعود ديكورات معظمها الى السبعينات والثمانينات، بدأت تختفي لتحل محلها تلك الأكثر جدة والأرقى مستوى وغلاء، وحل محل البوتيكات الصغيرة نموذج محل ألبسة الذي يشبه المول على طراز سلسلة زارا وجاك جونز ثم ان بنايات الحمرا المتهالكة، تحولت فجأة الى ورشات تجديد وتجميل.. وتلوين. مع تشييد عمارات جديدة تتسم بالعلو والتصميم المعماري الذي اشتهر في مدن الخليج العربي. وما كان يحدث في الحمرا كان يسري ايضاً في شارع بلس ومنطقة رأس بيروت كلها.
لكن ما حسبناه تغيراً جسيماً أضعف ألفتنا مع الحمرا. لم يكن إلا تحولاً بطيئاً مقارنة مع الصدمة اللاحقة. اذ ما أن انتهت احداث أيار 2008، حتى بدأت المشاريع السياحية والترفيهية تجتاح شارع الحمرا والمقدسي وصولاً الى كليمنصو والسادات واحياء رأس بيروت. فاذا كنا نعد ثلاثة او اربعة مقاهٍ، لم يعد اليوم بمقدورنا عدّها، كذا الحانات التي يزيد عددها واحداً كل اسبوع. ومنذ شهر تم منح 35 رخصة جديدة لمحلات الليل في شارع الحمرا وحده.
في غضون سنتين بلغ عدد المطاعم الجديدة 15، وتم افتتاح ست بنايات كشقق مفروشة سياحية وأربعة فنادق، ونحو 20 حانة جديدة . يحدث ذلك مع تغير في مواصفات محال الحمرا، فهي بعدما كانت رخيصة ومتواضعة نسبياً مقارنة بأناقة وفخامة حانات المونو والجميزة، باتت الأكثر جدة وكلفة.
يردد الجميع كلمة بومينغ (إزدهار فجائي انفجار) وهم يصفون شارع الحمرا راهناً، متنبئين بأن تألق مونو والجميزة، قد بلغ ذروته حيث ضاق الشارعان بالرواد المتكاثرين والمتزايدين وبالسياح الذين باتوا على دراية بأن بيروت هي وجهة حياة الليل الصاخبة.
زينب الآتية من اسطنبول قالت ان بيروت هي اسطنبول الصغرى لتدل على شبه بين ليل المدينتين، وشبه آخر يتيحه شارع الحمرا بشارع الاستقلال في اسطنبول، هو طغيان حيوية الشباب على حياة الشارعين ليلاً. وهي حيوية تتبدى في المزاج السياسي الصاخب الذي من صفاته ذاك المزيج بين اليساروية والبوهيمية، والمستعاد من أزمان الستينات والذي يبدو وكأنه عمل داون لود على كمبيوتر هذا الجيل. هذا المزيج لا يتعارض في الوقت نفسه مع امركة طاغية في السلوك والثقافة وحتى في حس التذوق طعاماً وشراباً وملبساً ولغة.
بومينغ الحمرا، لا يفترق عن التعبير السياسي والفني، إن في رسوم الغرافيتي التي تملأ جدران المنطقة او في انقسام رواد الشارع على أماكنهم وفق انتماءاتهم السياسية، فيسع العروبيون واليساريون الجدد ان يجدوا أنفسهم مع ثقافة الممانعة في تاء مربوطة الذي ينظم الندوات والعروض والمحاضرات. ويسع الليبراليون والاستقلاليون الجدد أن يجدوا أنفسهم في سكتور أو ليناس.
اما الدور الأهم لحمرا اليوم، فهي انها أرحب وأسهل للقادمين الجدد الى المدينة وللمقبلين الأغرار على الحياة المدينية بنهارها وليلها. اذ ان مهابة الوسط التجاري وتكبره، وغرابة الجميزة ومونو بالنسبة للآتين الجدد البلا خبرة، تجعل الحمرا مقصد أولئك الشبان الداخلين للتو الى حياة جامعية او الذين غادروا أريافهم واهلهم، مقبلين على صور وتهويمات بيروت ومعتركها.
وبانتظار ان يعود الوسط التجاري مركزاًَ للحياة العمومية ومحوراً لإيقاع المدينة، وصرة للعاصمة، يبدو ان شارع الحمرا الذي يفتقد ـ لحسن الحظ ـ لأي هيمنة اهلية او طائفية هو الذي يجدد شباب بيروت ولا يقيم إلا على التحول والتبدل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.