بحنان غامر
آكل حُباً كان يرعى حياتي،
أعلّقُ على الجدار حلماً
رأيتُ فيه إمرأة ببطن كبيرة،
... وعلى قشرة الأرض المصقولة
- حيث ينز دم الوغد المذهَّب -
كانت ترمي نرداً
أمام موظف يرذٍّذ الطعام من فمه
في رواق المحفوظات،
حيث أسماء الضعفاء والمتقاعدين وسجل الوفيات.
أحمل إسمي المتماثل مع الطريق
وأحتفظ في معدتي بكلمة مصير،
وعلى غفلة من صوت الإبن، أدوِّن:
دولاب مدينة ملاهي، أشلاء نائب،
أرواحنا المجتمعة في الساحة
وقد هوّمتها وعود الليبرالية.
أتجوّل بالبلد المفقود، منصتاً
لصرخات صغيرة مندلعة على الشاطئ
حيث تمدد صبي تتفتّح أجنحته
فيما السرطان ينهش دماغه.
أرى أيضاً مباني مهدمة بين شجيرات الأرز،
قطعانَ ماعز ملطخة بالكلس،
سيداتٍ، بأسرارهن الرصينة، في مخيلة عمال البناء...
وإنفجارات ليلة كل جمعة
حين ينفلت خط النجوم المشدود إلى أفواهنا.
أتذكّر أبي الذي فلعته قذيفة عام 1975،
بائع الخبز تحت الركام،
المكنسة بيد الأم اللئيمة،
والمعدومين على حائط الكنيسة.
يأتي برد
وتدقّ الباب عرّافة موشومة الذقن
تمسك كفي وتهمس: الحياة تقريباً، الحياة تقريباً
والمرأة ذاتها ببطنها الكبيرة، مع ماء كثير وحبور،
تحمل قلبي بيديها الإثنتين...ليخفق من جديد
في ذاك الصباح الذي يتوسع
إذ ينهض الناس شقة بعد شقة
كالحجر المتدحرج بلا فاعل،
كالعاصفة التي تضمر التعديلات الجذرية،
فتنتشر تنهداتهم الممتزجة بالأسى
لأن أحلامهم لم تنقصف بعد،
لأن المقتول كما في الماضي كما من جديد:
وجه محترق عند منتصف النهار.
يأتي الطقس هابطاً معي
بغشاوات من اتجاهات شتى
بكذب لم نحصل عليه،
والشاعر نفسه، من أجل السراء والضراء، لا يقتلع الخطيئة
لا يتحرك من أجل تلك الجملة
المكرَّسة للتضحية عند منتصف الليل.
اللغة تترك حقائبها في السينما
لا وصية ولا ميراث،
الجمهور كله في الباصات يصرخ مع المهرّج،
وكاميرات اللايقين منصوبة للأشباح وللصداع الكبير.
كل شيء نزفته يستنقعُ تحت يدي:
عظامي الوردية، كلماتي المخجلة، هفواتي التي تشبه المسلخ...
كل شيء مسسته لا يغادرني:
مكنسة الأم التي وراء الباب
الصحف التي قرأتها كل يوم
أفاعي الأفكار الهرمة
الذين ماتوا بسببي ويطيرون الآن
ولا أتخلص من ظلالهم العنيدة...
في الحلم، كنت أرى
الطلاب بعرَقهم وحقائب الظَهر والسذاجة...
كنتُ أرى الأقوياء والضعفاء
بتاريخ مكاسبهم، بالنار الهاربة من عيونهم،
وبالأنصال المشحوذة طوال الصيف...
لا الجنازة على الدرب
لا ركام الدولة في الأقبية
لا الظلمة في مكاتب التحقيق...
ولا صوت الصديق الغارق في الكحول،
الذي يتجول الى بوابة الضاحية ويرتدّ.
وكان ذاك في الأمس
في الربيع الذي لن يُروَّض.
أسير في الحلم الى آخر البلاد،
وبعد 43 عاماً أعود ولداً في الثامنة،
لدي كلّة في الجيب ودودة في المعدة
ومع إرتجاف الركبة أبرش ساعة متخثرة
لطفولة انقضت عند حاجز مقنَّعين
في سيارة تحمل نعشاً
يقودها غريب بجانبه أرملة قحبة
تبكي وتتهيج.
ومنذ البداية، أنا مع كل العطش
أنا سليل الجدة الوليدة في القافلة الأرمنية
الهاربة عبر الثلج والسيوف
والتي تركت جرار الذهب في الأقبية،
وسليل الآباء الذين يتدفقون الى العاصمة
منذ خمسين عاماً
مزودين بمخافة الله والأسلحة.
وكان كل هذا معي وليس بيدي مفتاح
عيناي مغمضتان وأحلم حتى مطلع الفجر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.