8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

باء الشعر من بيروت إلى بغداد أو إعمار المدن الخربة باللغة

حدث في بغداد، يوم 28 كانون الثاني 2010، أن نظّم بيت الشعر العراقي نشاطاً ثقافياً بعنوان باء الشعر من بيروت إلى بغداد، كان مخصصاً لقراءة قصائد لشعراء لبنانيين هم: بول شاوول، عباس بيضون، بسام حجار، يحيى جابر، فادي أبو خليل، شارل شهوان، فيديل سبيتي وكاتب هذه السطور. ولأنه من المتعذّر حضور الشعراء أنفسهم مع نصوصهم، فقد تطوع لقراءتها بدلاً منهم الشعراء العراقيون سهيل نجم، أحمد عبد الحسين، زعيم النصار، حسام سراي، ومروان عادل حمزة.
هناك في بغداد، على مرسى شاطئ دجلة في شارع المتنبي بادر الناشطون في بيت الشعر العراقي إلى ما يسمونه أصبوحة شعرية، سعياً إلى بث حياة ثقافية ويوميات فنية وترفيهية في العاصمة العراقية. وهذا المسعى الصباحي قراءة واستماعاً واجتماعاً حول كتابات شعرية آتية من بلد آخر، يبدو لنا نحن أهل بيروت غريباً وأليفاً في آن معاً. ووجه الغرابة هو انتقاء وقت الصباح موعداً لهكذا نشاط ذهني اعتدنا أن يكون ميعاده بعد الظهر أو أول المساء. فقراءة الشعر تعريفاً وتسميته عندنا هي أمسية. وأغلب الظن أن الأمر كان كذلك هناك في بغداد، إلى أن انقلبت الأحوال في زمن الحروب.
أما وجه الإلفة، فهو في استماتة أصحاب الإهتمامات الثقافية ببغداد وإصرارهم على تدبير اللقاءات وتنظيم النشاطات التي تحتفي بأنواع الفن والأدب في مدينة محاصرة بالقلق والخطر والموت. وهذا ما يذكرنا بأنفسنا وبما كنا عليه في زمن الحرب حين كنا نذهب إلى غرف المجلس الثقافي للبنان الجنوبي أو إلى منزل سعيد طه أو إلى دار الندوة أو إلى المركز الثقافي الروسي أو نداوم فحسب في المقهى حيث لا عمل لنا سوى الإلتقاء معاً لساعات مديدة، متوهمين أن نشاطنا هذا هو فعل ديمومة لحياة ثقافية، لم كان لها مكان في المدينة ولا فضاء ولا أهل. في أوقات الحرب تلك ما نكن نفوّت مناسبة أو أمسية أو عرضا مسرحيا أو افتتاح معرض، نحن الذين لا يشغلنا شيء سوى تجنب الموت وتسجيل البراهين اليومية على أنه ما زال في بيروت هامش للثقافة ولمريديها.
هكذا، ما أن ينتهي قصف، أو يتم تنظيف شارع انفجرت فيه سيارة مفخخة، حتى نخرج من منازلنا إلى القسم الثقافي في جريدة السفير أو إلى مقاهي الويمبي والكافيه دو باري والمودكا، هناك حيث سنعلم ما صدر من كتب جديدة، ومن يحضّر ديواناً للطبع، أو رواية... وسنقرأ من نسخة الجريدة الواحدة نفسها كل المقالات. إذ حتى المقالة اليومية (مطالعة في كتاب، نقد فيلم سينمائي، رأي ثقافي، تغطية لمعرض تشكيلي..إلخ) كانت تحظى بأهمية كبيرة، لا لشيء ربما إلا لتشعرنا بأن بيروت تداوم على تقاليد الحياة كما عرفتها في زمن ما قبل الحرب.
كان ذاك وهماً، لكنه الوهم الذي انقلب ليصير ذاكرة كاملة. ومن تلك الذاكرة على الأرجح استأنفت الثقافة البيروتية وراكمت خبراتها وصنعت أطوارها الجديدة بعد الحرب.
أول مرة سمعنا بـ الأصبوحة العراقية، كان ذلك في مناسبة افتتاح معرض تشكيلي ببغداد. والصديق العراقي الذي التقيناه في أربيل أخذ يشرح لنا كيف أنهم اضطروا إلى هذا التدبير منذ أن بات من المستحيل الخروج في أوقات بعد الظهر، فيما الليل هو العتمة المرعبة والساكنة في بغداد، بعد استشراء الإرهاب والعنف والقتل والخطف الطائفي في أحيائها. كان ذاك التدبير الثقافي العراقي أليفاً لنا، فنحن من القلائل الذين يستطيعون تخيّل حياة كاملة تحدث في بغداد غير تلك التي يجري بثّها في التلفزيون، فهو شبيه بما جرّبناه وعشناه ما بين السبعينات والثمانينات.
التدبير العراقي ليس فقط في التحايل على مواقيت الخطر، وتبدل انتظام العادات ومواعيدها، لكنه أيضاً في التحايل على العزلة والإغتراب. إذ أن أجيالاً ثلاثة من العراقيين ذهبت إلى خنادق الحرب الإيرانية ـ العراقية لثماني سنوات ثم إلى محرقة الحرب في الكويت، لتعود إلى حصار الفقر واليأس والديكتاتورية والعزلة عن العالم لأكثر من 12 عاماً، ثم تأتيها صدمة الغزو وما تلاها من سنوات الإرهاب والإقتتال الطائفي والتفجيرات اليومية المستمرة حتى يومنا هذا. كل ذلك نأى بهذه الأجيال عن العالم وعن محيطها العربي وجعل الذهاب من العراق وإليه غير متاح أو غير مستساغ. تلك العزلة القسرية والمديدة كانت لها أفاعيلها المؤثرة على صلة الثقافة العراقية بالثقافات القريبة والبعيدة.
بهذا المعنى تبدو مبادرة بيت الشعر العراقي لـ استضافة الشعراء اللبنانيين (نصوصهم فقط) كما لو أنها رغبة ملّحة عند محترفي الثقافة في بغداد في إنشاء الصلات وإقامة التواصل. رغبة في إحياء مهرجان شعر إفتراضي وتدبير لقاء إفتراضي مع شعراء لبنانيين، هناك على ضفة نهر دجلة.
ونحن الشعراء اللبنانيين أيضاً كنا في أوقات الحرب نقيم تلك الصلات الإفتراضية، مع ذاك الإهتمام المبالغ به في قراءة وترجمة ونشر ما يصل إلينا من شعر العالم، ففي تلك السنوات شهدنا أفضل فترات ترجمة الشعر العالمي والروايات. وتلك كانت الحقبة الذهبية للقراءة على الأرجح. كنا نحتفي بأي زائر يغامر بالمجيء إلى بيروت، لنجعله علامة على ديمومة صلتنا بالعالم.
وربما من هذا التشابه ما بين بيروت وبغداد الذي يتعدى باء الشعر ويتعدى تلك المغامرة المحسوبة على المدينتين في حركة الحداثة في الشعر العربي، جاء اختيار الأصوات الآتية من بيروت لتكون ضيفة صباحية في بغداد. والمدينتان اللتان اختبرتا المحن وانهيار الإقتصاد والمجتمع والسياسة وغياب الدولة والجيوش الغريبة، واستوطن الموت في شوارعهما كثيراً، قد لا يكون الشعر فيهما تعويضاً عن حياة وقد لا يكون أيضاً وهماً محضاً... لكنه بالتأكيد واقعة خيالية، حقيقية جداً. فنحن أيضاً علمنا أن أول ما نعيد إعماره وترميمه في المدينة الخربة هو اللغة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00