8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

.. عندما تهبط سكرات الموت العادي من السماء

منذ فجر الإثنين الماضي يعاين اللبنانيون ويعيشون تداعيات الكارثة الجوية، المتمثلة بسقوط طائرة البوينغ التابعة للخطوط الجوية الأثيوبية في المياه الإقليمية اللبنانية. ومنذ فجر الإثنين، إنتبهنا كيف إنقلبت إهتمامات عموم المواطنين، ومعهم وسائل الإعلام، وأيضاً مؤسسات الدولة الرسمية ورموزها، من السياسة وشجونها، ومن توجسات الحرب وإحتمالاتها، إلى أمر طارئ ومأسوي، لا يمت إلى ما إعتاد عليه اللبنانيون من منازعات، ولا إعتادوا عليه كسبب لمأساة ولموت جماعي.
إستفاق اللبنانيون على حادثة جعلتهم هكذا، رغم مأسويتها، أقرب إلى ما يصادف الشعوب الأخرى وما تبديه تلك الشعوب من تأثر بالغ، فتصيبهم صدمة وطنية عامة إزاء حادثة قطار أو طائرة أو سفينة. ويعتبرون هكذا مصيبة بمنزلة الضربة المفاجئة، التي تعم المجتمع كله كوحدة عضوية، فتتغير الأمزجة وعاديات يومياتهم وعاديات همومهم.
هذا الصنف من الحوادث كان يظنه اللبنانيون إنما يصيب الآخرين. أما عندهم فما يسبب المآسي فهو صنف آخر كالصدامات السياسية، والإعتداءات المسلحة بين حزبين أو طائفتين، أو هي الحرب التي تشنها إسرائيل بين الحين والآخر، أو الحرب الأهلية المتقطعة أو الأعمال الإرهابية.
فجأة، إنتبه اللبنانيون إنهم ـ في هذا العصر ـ يصيبهم ما يصيب الآخرين، أي أن الفاجعة قد يكون سببها القدر لا السياسة ولا العصبيات الأهلية أو الطائفية.
بمعنى آخر،بدا الموت غير قابل لأن يكون مادة سجال أو تأويل سياسي. الموت تغير معناه هنا في نظر اللبنانيين : فليس هنا من إرادة أو رغبة بالموت، ولا بطولة تلازمه، ولا أمنية استشهاد، ولا هناك من مجرم ولا هناك رغبة في التضحية ولا هناك ضحية ظلم أو إعتداء أو ضغينة وثأر... إنه موت غير متوقع، موت قدري، وغير قابل للتفسير إلا بوصفه كارثة طبيعية، حادثة غير مقصودة، أو قضاء وقدر.
هذا بالضبط ما يجعل اللبنانيين مع الحادثة شبيهين بالشعوب الأخرى التي تحيا حياة عادية: أي إن الموت هنا لا يمت إلى السياسة ولا إلى أفعال السياسة وإراداتها. إنه مجرد مأساة وألم وفاجعة. ولهذا السبب كان الحزن في جنازات القرى حزناً مطلقاً، بلا أي تزييف أو إستثمار سياسي.
مع تبدل معنى الموت ومصدره تبدلت أيضاً سلوكيات أخرى فأولاً، نلحظ كيف أن الحادثة أخذت الإعلام من وظيفة الإنحياز الحزبي والتبشير الأيديولوجي والسجالات السياسية ....إلى وظيفة الصحافة الحقيقية : الإستقصاء، التحقيق، التحري والبحث عن المعلومات ونقل الوقائع الميدانية. هذا أيضاً، ولو مؤقتاً، يجعلنا نشبه الشعوب التي تحيا حياة عادية.
لكن الأهم في ما لاحظناه، هو أن الحادثة شكلت إمتحاناً للأداء العلني للسلطات العامة : الدفاع المدني، الصليب الأحمر، البحرية اللبنانية، إدارة المطار، الهيئة العليا للإغاثة، الجيش، الأمن الداخلي... هؤلاء، في مسرح الكارثة ومنذ الساعات الأولى لوقوعها، كان حضورهم ينم عن جهوزية مقبولة قياساً بالإمكانيات المتوفرة في دولة مثل لبنان، أو هو أداء أعلى من المتوقع.
ونلحظ أيضاً في نطاق الأداء (لا نتحدث عن الفعالية)، كيف كان لأركان الدولة ووزاراتها ورموزها حضوراً ديناميكياً ومرضياً، بحيث أنها جميعاً بدت أيضاً كما نتخيل الدول الأخرى تعمل في هكذا لحظات عصيبة. وظهرت الدولة للبنانيين بأنها هي وحدها الملجأ وهي المسؤولة (ونشدد على هذه الكلمة) عن إدارة كل تفصيل والإشراف على كل فعل أو تنفيذ كل حاجة، من البحث عن الناجين أو الجثث إلى تسليم الرفات، إلى كل العمليات المطلوبة من إنتشال حطام الطائرة ثم تأليف لجنة تحقيق وصولاً إلى فحوص الـ دي. أن. إي.
من ذلك كله نستخلص العبر التالية:
العبرة الأولى، أن اللبنانيين أظهروا، ولو لسبب مأسوي، وفي مرة من المرات النادرة، إجماعهم على حاجتهم إلى مرجع واحد هو الدولة ومؤسساتها.
العبرة الثانية المهمة، أن اللبنانيين باتوا أكثر تفهماً لفكرة التعاضد بين دول العالم، بحيث تقبلوا هذا الإشتراك في الجهود بين دولتهم وقوة الأمم المتحدة وأميركا وفرنسا وقبرص وأثيوبيا من دون توجس تقريباً.
العبرة الثالثة وهي الأهم، أن لدينا عناصر الحادثة كما يلي: طائرة، ركاب، عاصفة، وبحر. وفي الصورة المتخيلة: لبنان والسماء والطريق إلى أفريقيا. وفي الأفق نجد الموت الذي وحد الشبان الطامحين ورجال الأعمال الناجحين والسيدات المرموقات والعاملات في المنازل والأطفال .... كلهم لبنانيون وأثيوبيون وجنسيات من بلدان كثيرة وهم معاً في المصيبة.
هذا ما يجب أن ينتبه إليه المواطنون، إذ لا تمييز في المصيبة حين تحل بالبشر لا في اللون ولا في الجنس ولا في الهوية.
نقول ذلك لأننا، إعلاماً ورأياً عاماً، لم نلتفت كثيراً كم صار لبنان متعدد الجاليات والجنسيات. لم ننتبه بعد كيف أن في لبنان سريلانكيون وأثيوبيون وبنغلادشيون وفليبينيون، بل كيف أن هذا الـ لبنان يحتضن الفلسطينيين والسوريين والمصريين والعراقييين..إلخ، وكم بات الكثير من اللبنانيين أفارقة وآسيويين وأوروبيين وأميركيين... وأنه أشبه بطائرة عابرة للأوطان.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00