أحسب أن كل مقارنة بين أي كتابين تحمل قدراً من التعسف المسبق. وأحسب أيضاً ان المفاضلة بين أي كاتبين تضمر ظلماً مسبقاً. والحال أن مقارنة كتاب مذكرات رجل سياسي مع كتاب أدبي ليوميات شاعر قد تكون غير جائزة منهجياً بل وغير موضوعية.
مع ذلك لم أستطع مقاومة هذا الإغراء واجراء تلك المقارنة، إثر قراءتي لكتاب مذكرات السياسي الفلسطيني بسام أبو شريف بيروت مدينتي، ومن ثم قراءتي ليوميات الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي ولدتُ هناك، ولدت هنا. اذ ان الكتابين، رغم اختلافهما الواسع في القصد والإسلوب والمضمون، يشتركان في تقديم شهادتين معاصرتين على الذاكرة الفلسطينية وهويتها. وهذا الاشتراك وحده ما يبرر مطالعتي في الكتابين سوياً. والأصح انني لن أسعى الى المقارنة والمقابلة بينهما في السوية والقيمة إنما اسعى الى مجاورة في القراءتين.
في بيروت مدينتي يدوّن بسام أبو شريف مذكراته انطلاقاً من الحدث المحوري في تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية، أي اجتياح 1982 للبنان، جاعلاً من تلك الواقعة الكارثية مرتكزاً لتنقله في السرد ما بين مطلع الستينات حين جاء هو الى بيروت طالباً في الجامعة الأميركية ثم عضواً في حركة القوميين العرب، وصولاً الى أواخر الثمانينات حين بات من اقرب المقربين لقائد الثورة الفلسطينية ياسر عرفات، مروراً بمحطات كثيرة بدءاً بالالتحاق بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين واحداث الأردن عام 1970 وحرب لبنان في منتصف السبعينات ثم العودة باستمرار الى يوميات الاجتياح الاسرائيلي واحتلال بيروت والخروج الفلسطيني منها.. مع ارتداد في الزمن الى ايام جمال عبد الناصر وحرب 1967، انتهاء بالنزاع المرير الفلسطيني ـ السوري، من غير ان ينسى ـ بطبيعة الحال ـ المحطات الاساسية في سيرة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
المرتكز الثاني لتلك المذكرات هو مدينة بيروت، او حسب لغة بسام أبو شريف لبنان: جمال الطبيعة وخزان المعرفة والمعارف، حيث تتجسد المدينة الحديثة المنفتحة، مدينة المغامرة والشباب والموضة واللهو والاناقة وحياة الليل والحب والنضال والموت.. الخ.
وبسام أبو شريف المتمتع بمدينة بيروت من خلال شجرها وشوارعها ودور السينما فيها وحتى جامعتها ومراقصها ومرابعها الليلية وفنادقها واناقة الناس فيها ونمط الحياة المترفة واللاهية (ولو من غير ثراء) هو نفسه عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية والذي كان الناطق باسمها والمشرف على مجلة الهدف التابعة لها.
واذ يروي كل تلك التواريخ بأحداثها ووقائعها العريضة والكثيفة، يمتنع عن ذاك التاريخ كله ويواريه خلف سرد متعجل لا يجاري فيه حتى الروايات الصحافية السريعة. واذ نفترض ان هذه المذكرات هي شهادة لذاك الزمن الصاخب ولتلك السيرة الكثيفة الممتلئة، نجد الكتاب الذي يناهز عدد صفحاته 350 صفحة من الحجم الكبير يكاد يكون النسيان فيه اكثر من التذكر، او ان الاغفال المتعمد يطغى على التدوين والبوح، ومثالاً على ذلك يبدأ الفصل المخصص لتأسيس الجبهة الشعبية وانشقاق نايف حواتمة عنها فيما بعد تحت اسم الجبهة الديموقراطية وانطلاق العمليات العسكرية لوديع حداد.. يبدأ هذا الفصل بجملة بدأت الشمس بالغياب واسرعت تختفي خلف الأفق. وبدأ الليل يرخي سدوله (صفحة 195) وينتهي فقط بعد عشر صفحات ليبدأ فصل النضال الأممي بجملة عدت الى حياتي الجميلة في مدينتي بيروت اما النضال الاممي هذا فلا يتعدى 12 صفحة فقط لا غير تنتهي ايضاًَ بـبيروت، مدينتي، اعشقها.
كل ما حدث بعد عام 1967 والحرب الاهلية الفلسطينية ـ الاردنية عام 1970 والعمل الفدائي المنطلق عام 1968 والصدام مع الجيش اللبناني عامي 1969 و1973 ثم الحرب في لبنان ويوميات الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 والصراعات العربية ـ العربية والعربية ـ الفلسطينية وصراع الأجنحة داخل منظمة التحرير... كل ما جرى من صفقات وتسويات وانجازات واخفاقات وأخطاء بل كل ما جرى من معارك ودم وانقلابات في المصائر، كل الخراب والقتل والبطولات والمكائد والتخاذلات والنزاعات المريرة... كلها لا يرويها بسام ابو شريف الا على سبيل الذكر العابر، او حتى الذكر بغرض المواربة والاغفال. فالحرب اللبنانية المديدة بكل مجرياتها ليست حسب ابو شريف الا اعتداءات حدثت لمدنيين فلسطينيين من سكان المخيمات، او هي نزاع مسلح بين احزاب لبنانية لا دخل لمنظمة التحرير الفلسطينية فيها. وهذه الحرب بكل محطاتها ليست سوى فقرات قليلة في الكتاب. وهي جرت كحدث عارض لا يستحق التوقف او هي مجرد معارك وقعت فجأة وعلى غفلة من الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها الا القدر.
المذكرات هذه، اذا استثنينا منها حادثتي اغتيال غسان كنفاني ومحاولة اغتيال بسام ابو شريف. هي كتابة لمحو الذاكرة وشطب الارشيف واغفال الوقائع. فقط يبدو البوح والتأمل في معاني الحدث واسراره واضحاً وعميقاً ومؤثراً حين يسرد ابو شريف تلك الحادثتين الشخصيتين المؤلمتين. ويقارب ابو شريف الكتابة الادبية المشحونة بالذكاء والعاطفة والقوة التعبيرية فقط حن يروي باجزاء الثواني تعرضه لمحاولة اغتيال بتفجير طرد بريدي بين يديه.
واذا كنا نطمع بأن يقدم بسام ابو شريف ما يعرفه عن ياسر عرفات او عن جورج حبش، او ما عرفه في السياسة وكواليسها، في اسرار الغرف المغلقة والاجتماعات والقرارات، في سير الأحداث.. فإن بخل أبو شريف بتقديم ذلك يوازي الكتمان التام. فعلى الأرجح ان الكتاب هو بمجمله نص مديح وفخر بشخص كاتبه وأدواره وموقعه البارز في مسرح الأحداث. بطل على المسرح لا يروي بقدر ما يستعرض وقفته وزهوه بمكانته على منصة التاريخ العريض.
وتلك هي مساهمة بسام أبو شريف في تدوين الذاكرة الفلسطينية، أو هي على الأرجح مساهمته كـكادر من كوادر منظمة التحرير الفلسطينية.
يأتي الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي بكل جوارحه وعقله المتوقد ومشاعره وذاكرته الخصبة ليسكبها في كتاب يومياته ولدت هناك، ولدت هنا. كتاب ملتصق بالأرض وبالبشر، كتاب التجربة والأعصاب والغريزة والتأملات والإدراك والفحص والنظر والحواس الخمس. يوميات بلا بطولة (إلا قسراً)، بلا معجزات (إلا قدراً)، لمواطن فلسطيني يعيش منافيه وأحلامه وإقامته مع الاحتلال وعوداته الناقصة الى الوطن. يوميات معايشة الجدار والدبابة والخوذة ويوميات الأسرة والمنفى والأصدقاء والكتابة، بقدر ما هي يوميات صراع السياسات والأفكار، حيث تصاغ الهوية أو الذاكرة في صدام يومي لا هوادة فيه بين الإرادات والوقائع.
كتاب البساطة المستعصية إلا على الشاعر، كتاب التسجيلية التي تتحول الى وثيقة لا تدحض، حيث ليس هناك فلسطين بل فلسطينيون أي حيث لا شعار بل حياة من لحم ودم ومشاعر ومصائر وحكايات لا تنتهي.
فمن الرحلة ما بين رام الله وأريحا مع السائق محمود ومعجزات الوصول عبر طرق ليست طرقاً ومع ركاب سبعة بحكاياتهم وأحاديثهم ومعتقداتهم يقطعون سوية مسافة مشوهة في الجغرافيا بسبب الاحتلال، الى رحلة القاهرة ـ الضفة الغربية وسيرة المنفى الممتدة ثلاثين عاماً..يكتب البرغوثي من سيرته الشخصية، التي لمعايشتها في تفاصيلها العادية سير المواطنين الفلسطينيين، تتحول بهذا المعنى الى شهادة فردية تقول ذاكرة جماعة وشعب وأرض. شهادة توسع كتابة التاريخ لكي يتضمن المعيوش والمحسوس والعادي. هنا الاحتفاء بالتفاصيل حيث السيارة مثلاً تصير بطلة روائية، فقدراتها على السفر وقفزها فوق الحواجز وتحايلها على العوائق تحولها الى سيارة فلسطينية والى كائن فلسطيني اذا صح التعبير، طالما انها، لكي تعيش، عليها الانتصار يومياً على الاحتلال.
مع ولدت هناك، ولدت هنا نكتشف على نحو جلي ذاك العيش القسري في كل دقيقة وعلى طول الحدود وما بين القرى والمدن والطرقات بين اليهودي والفلسطيني. نكتشف اللقاء الإجباري والصدامي الذي لا يتوقف بين الاحتلال والسكان الفلسطينيين. وما يفعله البرغوثي هو جعل الانسان الفلسطيني مرئياً: إن أقسى درجات المنفى ان لا يكون الانسان مرئياً. ان لا يسمح له بأن يروي روايته بنفسه، والشعب الفلسطيني يرويه اعداؤه ويضعون له التعريف الذي يناسب حضورهم وغيابه. يلصقون على جبينه الوصمة التي يريدون. مسموح للطرف الأضعف في أي صراع أن يصرخ، مسموح له أن يشكو، مسموح له أن يبكي، ولكن ليس مسموحاً له أن يحكي حكايته أبداً. الصراع على الأرض يصبح صراعاً على الحكاية (ص189). ولذلك يسرد البرغوثي الحكاية بسخاء، حكاية الماضي المبتدئ من ما قبل النكبة وحكاية العائلة والأقارب وحكاية الحاضر والسياسة وتدابير العيش، وبالتأكيد حكايات الاحتلال وحكاية الفساد والصغائر. يروي جريمة الاحتلال وخطايا القيادة الوطنية في آن معاً، كما يروي الضعف الانساني ولحظات القوة والخوف والمسرات بلا استثناء.
القرية لها ذاكرتها، المنفى له ذكرياته، وأيضاً المعبر له تاريخه، السجن كذلك والشعر والأصدقاء والزوجة والابن وحكايات الآخرين.. كلها تنضد ذاكرة مفعمة بالتعاطف وقوة التعبير. لكن الكتاب لا يروي فقط بل يفسح المجال أيضاً للتأمل ولتوليد الأفكار. فالبرغوثي يسجل بعينه ما رأى وما خبر، لكنه أيضاً يسجل ما فهمه وما فكر به وما تذكره. يكتب: مشكلتنا مع اليهودي في هذه الدولة اليهودية كما يصر هو على تسميتها، ان ثلاثة أو أربعة أجيال فلسطينية لم تر من اليهودي إلا خوذته. ثم يكمل المطلوب منا اليوم، ومنذ احتلالهم العسكري لأراضينا، هو التعايش مع دباباتهم في غرف نومنا.
لا يخفي الكاتب ابتعاده واستقلاليته عن القيادة الفلسطينية وانتقاداته اللاذعة لأتباعها وكوادرها وفسادهم وسوء ادارتهم للصراع وسلطتهم بل لا يواري ريبته وانتقاده للزعيم ياسر عرفات. لكنه في الوقت نفسه اذ يكتب عن أبو عمار ما لم يكتبه كاتب فلسطيني، عاطفة واخلاصاً وتقديراً وتضامناً قلبياً وتفهماً واعياً. فالبرغوثي لا يبخل في تحويل كل حادثة وكل مفارقة الى بيان رمزي في بنائه لحكاية الفلسطيني.
بعد كتابه رأيت رام الله يستكمل الشاعر كتابة السيرة التي باتت ركناً من أركان الضمير الجمعي لشعب التراجيديا الحزينة، شعب يتأرجح بين أن تبتسم له دبابة الاحتلال أو أن تسحله. شعب يعيش تلك المعادلة الجهنمية كما لخصها مريد البرغوثي خوذة المستوطن هي خيمة اللاجئ الفلسطيني. تلخيص لغياب العدالة التي لا يعوضها الأدب ولا الشعر ولا قوة الخيال، بل قد تعوضها تلك الدعوة التي يطلقها الكاتب: ان نسترد المغزى الأخلاقي لمقاومة الاحتلال.. فالمظلوم يخسر إن لم يكن في جوهره أجمل من الظالم.
بحثاً عن هذا الجمال، يدوّن البرغوثي بعناد متصل تلك الابتكارات المدهشة لمواصلة العيش عند الفلسطينيين رغم الجدار والحواجز والدبابات والقتل اليومي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.