8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الكلمات حقيقية كأحجار منثورة في الأرض

يتقدم عباس بيضون بالشعر الى خارج القصيدة الشعرية. كأن القصيدة اختفت واحترقت، ولم تعد بيتاً للقول الشعري، الذي صار عارياً وفالتاً ومفتوحاً. ومع ذلك المجازفة غير مرئية أو هي ضئيلة. بحيث أن الكتابة غير قابلة للكسر او الطيّ. كتابة راكضة فوق أثلام متعرجة، ولا تترنح: أيتها الصفحات العزيزة، أنا أعرف بماذا ملأتك. يقول عباس بيضون ( ص58)، لكنه يكمل في الصفحة التالية لقد ملأتك باللاشيء الذي لم أصدق أنه يأسن وتصير له رائحة.
يتقدم عباس بيضون بالشعر ضد الكتابة أيضاً، التي تغدو عبئاً، وسواساً مخجلاً، وخيانة دائمة.. ولا فكاك منها. لكن ما يدونه بيضون ما هو إلا استغراق في هاجس الكتابة وعنها. كل سطر يضمر سؤالاً في مستقبل الفكرة وفي ماضيها. كل عبارة تضمر إنزياحاً عن أصلها. كل كلمة تحمل جرحها المميت. الكتابة اذاً هي استنفاد، نزف قاتل، موت موضعي ومتكرر.
وعباس بيضون الشخص يغدو بدوره حقيقة ورقية (إذا صح التعبير)، طالما ان كتابته لا تنفصم عن استغراقه الجسماني في التدوين وفي سؤال الشعر. الى حد يصعب علينا تخيل الشاعر في حياته ومسعاه اليومي من دون تصوره كوهم أدبي. كأنه ليس شخصية حقيقية. عباس بيضون نفسه هو مخطوط. هكذا نميل للاعتقاد. شخصية وهمية يبتدعها كاتب مخاتل باسمه المستعار: عباس بيضون.
إنه لغز للشعر وعنه، أو بحسب لغة عباس: الكتابة تأكل الكاتب، والكاتب يأكل مجلداته، وعلى هذا المنوال يكون الموت المتكرر والحياة المتكررة، بلا خلود: الكلام يتقطع بالنبض، وحتى حين ينزف من الفم يمكن قياسه. ( ص 42). أو سآكل هذه الصفحات. لن أتوقف حتى انهيها فما من طريقة ثانية لتصريفها. (ص 55).
ما عاد الشعر فناً منذ أن صار نزفاً وتقدماً نحو الانحلال في اللغة وفي الجسم. صار بطاقة لشخصين (الشاعر عباس بيضون والشاعر بسام حجار). انها بطاقة قطار، تذكرة سفر في الماضي الذي لا ينقضي اذ يتحول الى حكاية وظلال حية وكابوس في الكتابة: منذ توفي بسام وأنا لا أعرف كيف اصرّف هذه المسألة . (ص 65).
اذا كان بيضون يلتهم الشعر فاننا بدورنا، وبسبب التحريض الذي يمارسه الشاعر نفسه، نقول إن علينا أن نتخلص من قصائده وأن ننسحب منها، تماماً كما نجفل امام فوهة غائرة ومدوخة. وهذا الانسحاب يجيده عباس بيضون أصلاً. انه أول المغادرين. ذاك هو فن بورخيس وبيسوا ونيتشه. ذاك هو تدبير عباس بيضون.
بمعنى اضافي، لا نتيقن تماماً كيف ان الألم المدوّن في سطوره يصير ألماً بدنياً وبيولوجياً في لحظة قراءته. لا نتيقن ايضاً كيف أن اللفظ يتحول الى شيئه: اذ ذاك نفكر في الوساوس كمسامير في القدمين يكتب الشاعر.
هذا لا يحتاج الى اقناع. يحدث من فور قراءته. وعلى هذا المنوال يستطيع ان يقول الكلمات التي تسمي الموت صارته تقريباً. (ص 67).
تلك لعبة خطرة. اقتراح الشعر والتقدم به الى خارج القصيدة، وان يغدو عارياً ومتصلاً مباشرة بالرأس والفم. وان يصير مصيراً محتوماً، تمريناً يومياً ضد الكتابة وقفزاً عنها وغدراً بها. الافكار بدورها متروكة لفوضاها كأحجار حقيقية منثورة في الارض. وحينها يقترب الشعر عند عباس بيضون من الصفر الأدبي المستحيل. لكن هذا هو بالضبط الاقتراح الخفي لنظرية الشعر (مستقبله) في كتاب بطاقة لشخصين. هذا الاقتراح المبتدىء مع ديوان شجرة تشبه حطاباً والمستأنف مع ديوان الموت يأخذ مقاساتنا يتثبت في الكتاب الأخير.
الاقتراح هو اختفاء كل النصب التذكارية التي أنجزها تاريخ المجاز، تاريخ الشكل والهياكل والانساق، وهو ايضاً، ان نمحي الفاصلة بين الكلمة والدم، وان يتناوبا على كينونتهما حتى يغدوان واحداً: الكتاب (..) انه مليء بشيء غير الكلمات. ذلك ما لا نعيره انتباهاً اذ كان للكتب وزن بالنسبة لنا فهو للنشارة التي صنعت منها. الكلمات لا تزن ولا توجد وليس لها جسم او نفس بالطبع (ص 48). ومن هذه المعضلة يذهب الشاعر الى طموح ان تخرج الكلمات من محنة المعنى (ص 49) .
رحيل الشاعر بسام حجار هو التروما وهو الكتاب، تماماً كما العلاقة بين الكلمة والدم، الشعر والموت، لا رثاء هنا ولا عاطفة أو غناء، الغياب بكل أوزاره يصير سرداً. ثالوث بدن الشاعر الكتب- بسام حجار يتحول الى أقنوم واحد: شعرٍ عار في هذا الخلاء الذي لا يطيقه الا الموتى والكتب (ص 90).
يخيل الينا مع كتابة مثل بطاقة لشخصين ان الشعر ما عاد موجوداً لكنه بات كل شيء تقريباً وهو لا يتقدم أو يتحرك/ اذ لا حاجة بعد الى واقع/ وما من مجال لأي خيال على الاطلاق (ص 67). بهذا المانيفستو المعضلة يطرح عباس بيضون على كتابة القصيدة تحديها الاقصى. وهو التحدي الذي قبض عليه وحده من بين الذين قرأوا بسام حجار: الوضوح.
وسيعلن (ص 41) لن يعرف احد كم علينا أن نقتل أو نبيد لنصل الى ذلك الوضوح. واذا كان الوضوح هو الشرط الأقصى للقصيدة يعود الشعر الى صفره المستحيل مرة أخرى: سيكون وجودنا ملحوظاً ونافراً الى درجة لا تطاق. سيكون كل شيء مكشوفاً. كل شيء معدوماً، اذ مع نهاية الأسرار لن يكون هناك بعد اي أمل للحقيقة (ص 42).
مع هذا الاعلان الفلسفي ما عاد بامكان أنداد عباس بيضون مجاراته ولا العودة عنه.

[ بطاقة لشخصين (شعر)
[ عباس بيضون
[ دار الساقي (بيروت 2010)

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00