8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

النساء ومستقلوّ 14 آذار

سجلت النساء في لبنان، في الأسبوعين الماضيين، إنجازاً وزارياً جديداً وانتصاراً نقابياً تاريخياً. الإنجاز ليس بتوزير إمرأة أو أكثر، فهذا حدث في حكومات سابقة، إنما هو بتكليف وزارة المالية البالغة الأهمية والحساسية لوزيرة شابة، هي الوزيرة ريا حفار الحسن. أما الإنتصار التاريخي فتجلى بفوز أمل حداد بمنصب نقيبة المحامين لأول مرة منذ تأسيس النقابة قبل تسعين عاماً، لتكون أول إمرأة تحظى بهذا المركز.
في القراءة الأولى، يمكننا القول أن تقدماً صغيراً قد أحرزه المجتمع اللبناني في مضمار المساواتية، وفي مبدأ تكافؤ الفرص بين الجنسين. ورغم أنه تقدم بطيء نسبياً، إلا أنه يمتاز هذه المرة بوصفه ليس برستيجاً أو ديكوراً، بل حدث عبر امتحان الجدارة والكفاءة. فوزارة المالية ليست حقيبة فخرية أو منصباً وجاهياً. ونقابة المحامين هي إحدى أعرق وأهم مؤسسات المجتمع المدني، والنقيبة الجديدة ربحت معركة في زمن إنقسامات عميقة، مسيّسة جداً.
أي أن السيدتين نالتا منصبيهما بالمقدرة والجهد والتفوق. وما إعطاء وزارة دولة للسيدة منى عفيش سوى تدعيم إضافي يُسجّل للمرأة اللبنانية في الحقل السياسي.
في القراءة الثانية، وارتكازاً على فكرة إعطاء المرأة المزيد من الفرص والحقوق، بوصفها معركة مدنية ـ حضارية، نلحظ انطلاقاً مما أوحت به انتخابات نقابة المحامين، أن حركة 14 آذار اتسمت دوماً أثناء إنتفاضة الإستقلال وتظاهراتها بحضور متفوق للنساء (وكان لهن تظاهراتهن الخاصة أيضاً). بل أن اللون الطاغي على تظاهرات 14 آذار كلها هو ذاك المزيج الطلابي ـ النسوي والملوّن بنخب المجتمع : رجال أعمال، موظفون إداريون، أطباء، ممرضون، مهندسون، أصحاب أعمال حرة، تجار، مثقفون، فنانون، تقنيون...إلخ
وهؤلاء هم من نسميهم اليوم المستقلّين، إذ أن أغلبية جمهور 14 آذار هم في نهاية المطاف المستقلّون. وروحية 14 آذار هي إجتماع الأفراد المستقلين. حتى أنه يمكننا التخمين أن 14 آذار تكون أحياناً خارج 14 آذار الرسمية.
بمعنى أن 14 آذار الأحزاب قد تكون محددة العدد والجمهور، وهي جماعات متكتلة واضحة في الولاء والإنتماء، وتكتنفها ولاءات عقائدية أو طائفية، وهي ليست القوة الأساسية إلاّ في التظهير السياسي المنظّم. وقد تتوازن في ذلك مع كتل 8 آذار.
لكن خصوم 14 آذار وقيادات 14 آذار سوية، لا يدركون أغلب الأحيان، أو أنهم يتناسون، أين مكمن قوة هذه الحركة، ولا يعرفون أن مصدر أغلبيتها، شعبياً ونخبوياً وسياسياً وثقافياً، هو ذاك الجمع الكبير من المواطنين المستقلين الذين يتجاوزون طوائفهم ومذاهبهم، بل وأحزابهم، ويتمسكون بحلم التغيير والإستقلال والديموقراطية.
وهؤلاء بداهة، نصفهم من النساء. وهذا يعني حتماً أن على 14 آذار (قيادات وأحزاب وأمانة عامة) أن تنتبه أن معركة الإستقلال والسيادة والحرية ليست فقط في السياسة والحكومة. إنها في حقوق المرأة، في التثقيف العصري والأخذ بأسباب الحداثة، في إشاعة الروح الليبرالية، في حماية البيئة، في الدفاع عن الحريات الشخصية والحريات العامة، في مكافحة الفساد، كما في مكافحة العنصرية والتمييز ابتداء من اللاجئين الفلسطينيين مروراً بالعمال الأجانب وصولاً إلى المثليين ...الخ.
في الأسبوعين الماضيين اكتسحت قوى 14 آذار (المستقلون منهم خصوصاً) انتخابات نقابية في الشمال وبيروت، وتكرر الأمر في الإنتخابات الطلابية.
14 آذار المستقلين هي أهم حزب في هذا التحالف، وهو ما يتوجب أخذه في الحسبان.

[ 2
بعد أن نهنئ اللبنانيين بحصولهم على حكومة جديدة تمنعت عن التحقق طوال أربعة أشهر، علينا أن نعتذر للناخبين عن حكومة لا تعبّر عن خياراتهم الفعلية. فقد كان هذا هو الثمن ـ للأسف ـ الذي دفعوه لتأليف الوزارة. وكما قلنا مراراً بأنها ستكون حكومة الإئتلاف الإضطراري، نقول اليوم إنها حكومة الحد الأدنى الممكن. وبهذا المعنى، ما من بهجة كبيرة بقدر ما هو الإرتياح من الأسوأ.
ومن الواضح منذ القمة السعودية - السورية، ومما قاله أمين عام حزب الله حسن نصر الله، وأفاض في التعبير عنه العماد ميشال عون، وأيضاً من الوجهة التي يذهب إليها البيان الوزاري، أنْ ستكون لنا حكومة خالية من السياسة. السياسة هي كل الملفات المصيرية المؤجّلة، والتطرق إليها لن يكون من صلاحيات مجلس الوزراء... وربما أيضاً لن يكون من صلاحيات لبنان كله.
إذ ما كان ممكناً لسوريا أن تسهّل تشكيل هذه الحكومة لولا هذا الشرط: على لبنان الإمتناع عن سعيه لتكون له سياسة مستقلة. أيضاً فإن حزب الله ما كان ليسمح لأحد بتأليف حكومة لولا أن ضمِن أنها ستكون بلا برنامج سياسي.
إضافة إلى هذه المعادلة، فإن الخلل في إنتاج السلطة وممارستها كان قد سبق الانتخابات الأخيرة، فما يسمى معارضة لم تقبل يوماً أن تكون معارضة وأن تلعب دور المعارضة. وما يسمى بالموالاة لم تستطع يوماً أن تكون سلطة ولم يُسمح لها أن تلعب دور الحاكم. ومن هذه المفارقة تتشكل اليوم سلطة العجز المتبادل وسلطة الردع المتبادل. وهذا ما يبرر القول إن الديموقراطية في لبنان تعرّضت لضربات متوالية، أهمها أن نتائج 7 أيار 2008 كانت أقوى من نتائج 7 حزيران 2009.
ولذا، لكي تستقيم الديموقراطية، يجب أن تنبثق معارضة فعلية، معارضة تعيد الإعتبار لنظامنا السياسي. معارضة تُبقي جذوة الأحلام والطموحات الكبيرة، وتتبنى تطلعات أغلبية اللبنانيين، أو حتى أقليتهم من المواطنين الأحرار. وهي نفسها المعارضة التي انتسب إليها رفيق الحريري، خارجاً من الحكم عائداً إلى السياسة عام 2004 وللأسباب نفسها، أي رفض أن يسلم لبنان مستقبله لسياسات الآخرين ووصايتهم.
وعليه، من الملّح الدعوة إلى العمل لتشكيل ما قد أسميه اصطلاحاً معارضة موالية للنظام اللبناني. لا بد أن تكون حارسة ومدافعة عن الدستور وعن إتفاق الطائف وبنوده، ومطالِبة بتنفيذه والإلتزام به نصاً وروحاً، من دون تسويف. لا بد أن تطالب هذه المعارضة بتنفيذ ما اتفق عليه على طاولة الحوار الوطني، ولا بد أن تبقى متمسكة بمطالب لبنان تجاه سوريا، في ملفات الحدود والمفقودين وتعديل الإتفاقات المبرمة وإلغاء المجلس الأعلى اللبناني ـ السوري، وتحويل العلاقات الدبلوماسية الشكلية إلى علاقات دبلوماسية حقيقية، واحترام سيادة لبنان واستقلاله.
بل إن البند الأول لهذه المعارضة يجب أن يكون إعلاناً عن التمسك بالقرارات الدولية والدعوة لتنفيذها وليس فقط إحترامها وأهمها 1559 و1680 و1701، خصوصاً البندين 8 و9 من الـ 1701 اللذين ينصان بأن يتولى الأمين العام للأمم المتحدة إجراء مفاوضات تأخذ بلبنان من حال وقف الأعمال العدائية إلى حال وقف دائم لإطلاق النار ثم تثبيت طويل الأمد لإتفاقية الهدنة. وهذا هو أساس أي سياسة دفاعية.
أيضاً، من الضروري قيام معارضة تجمع ما يشكّل جبهة الدفاع عن الجمهورية، وأعني بذلك الإرث الذي حصّله اللبنانيون بالعرق والدم والدموع، والإرث الذي اكتسبوه بالتجارب والأفكار والعمل منذ بيان المطارنة الموارنة عام 2000 مروراً بالسينودوس الخاص بلبنان والعناوين التي تآلفت عليها قرنة شهوان وبيانات البريستول وكل منطلقات وشعارات إنتفاضة الإستقلال وروحها، والوثائق التي صدرت عن قوى 14 آذار، خصوصاً وثيقتي البيال وميثاق الشرف الذي وقّعه قادة هذا التحالف التاريخي.
قد تبدو تلك دعوة إلى الماضي، لكن ثمة ماضٍ لا ينقضي. وهي أيضاً ليست مجرد عودة. فهذه المعارضة مُطالبة بتطوير أفكارها في ما يتعلق بتجاوز الطائفية لا الطوائف على الأقل، وتبنّي شروط توسع المجتمع المدني وقيام الدولة المدنية، بحيث لا أقليات تخاف ولا أكثريات تستبد. معارضة تنتصر على التخويف والتحريض بثقافة المواطنية والديموقراطية والليبرالية. معارضة تعد العدة من أجل ربيع بيروت جديد.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00