8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

6 أيار 2008: عن حريق بيروت الأخير

قبل عام، شهدت بيروت ومعها طرابلس وبلدات شَمالية ومناطق واسعة من الشوف والمتن الجنوبي لجبل لبنان، معاركَ مسلحة نشبت بقرار عسكري وسياسي وشرعي أصدره حزب الله وواكبه بيان من المجلس الشيعي الأعلى وشاركته في المعارك ميليشيات الحزب السوري القومي الاجتماعي وحركة أمل وحزب البعث (السوري).
قبل عام، وكان قد انقضى على انتهاء الحروب الأهلية وغير الأهلية في لبنان نحو 18 عاماً في سلم نسبي كرسه اتفاق الطائف ودستوره، قرر حزب الله، عبر خطاب تلفزيوني القاه السيد حسن نصرالله من مخبئه السري، ودفاعاً عن السلاح بالسلاح ، غزو بيروت والصعود الى الجبل والسيطرة على الشمال ومدينة طرابلس.
وذلك كله منعاً لتنفيذ قرارين حكوميين هما من بداهة ممارسة الدولة لسيادتها، الأول يقضي بازالة شبكة الاتصالات الهاتفية غير الشرعية والسرية والمنتشرة عبر الاراضي اللبنانية ويديرها جهاز أمن حزب الله لحسابه الخاص، والثاني يقضي بمعاقبة موظف أمني كبير يسهل لأمر حزب الله اختراقاً أمنياً كاملاً لمطار رفيق الحريري الدولي بواسطة زرع كاميرات ونصب مستودعات مشبوهة وصواريخ مضادة للطائرات داخل المطار وعلى تخومه.
قبل عام، في السابع من أيار، وبعد مرور أكثر من سنة ونصف السنة على احتلال وسط بيروت بالاعتصام المنظم شبه الميليشياوي ومحاصرة السرايا الحكومية واقفال مجلس النواب وتعطيل انتخاب رئيس جديد للجمهورية... اعلنت ميليشيات المعارضة اللجوء الى سلاحها لفرض انقلاب سياسي بالقوة والحديد والنار تتويجاً للثورة المضادة بوجه ثورة الاستقلال.
قبل عام، وبعد مرور ثلاث سنوات من الشغب المتنقل والصدامات المنظمة مع القوى الأمنية ومع المدنيين أشهرها اعلان العصيان يوم 23 كانون الثاني. تلتها سلسلة من الاضرابات المفتعلة وقطع الطرق ونشوب حوادث قتل وخطف واعتداءات وأعمال عنف واسعة النطاق على تخوم بيروت والضاحية.. قرر حزب الله وتوابعه من أحزاب موالية لسورية واجهزة استخباراتها، الانتقال من حال التمرد والعصيان الى حال الانقلاب الميليشياوي والعسكري الشامل بالهجوم على العاصمة والمناطق الأخرى، معلناًَ حرباً أهلية من طرف واحد.
قبل عام، وبعد مرور سنتين على عملية الوعد الصادق التي ادت الى حرب اسرائيلية مدمرة على لبنان وانتهت باعلان السيد نصرالله نصره الالهي، وقبل أن يزال ركام الدمار وتضميد الجروح.. قرر حزب الله إشهار السلاح هذه المرة بوجه نصف الشعب اللبناني على الأقل وبوجه الدولة ومؤسساتها من غير ان يعبأ أو يتحسب ان كانت فعلته هذه ستؤدي الى فتنة مذهبية وطائفية والى بداية انهيار الكيان اللبناني دولة ومجتمعاً واقتصاداً. وذلك كله في سبيل شبكة اتصالاته ومن أجل موظف موال له.
قبل عام، وبعد مرور ثلاث سنوات من مسلسل الاغتيالات التي طالت ناشطين وسياسيين وصحافيين ونواباً ووزراء ورئيس حكومة سابق واكبها مسلسل من التفجيرات الليلية المتنقلة ولازمتها باستمرار تهديدات واستنفارات ومحاولات لافتعال صدامات مسلحة أنجحها حرب مخيم نهر البارد.. قرر حزب الله اجتياحاً ميليشياوياً لشوارع بيروت تتويجاً لجهوده في ضرب ثورة الأرز وتعطيل مفاعيلها وازالة انجازاتها.
وقد استباحت هذه الميليشيات سيادة الدولة وأمنها. وارتكبت جرم التعدي على الأملاك العامة والخاصة، وضرب الاستقرار الوطني وتهديد حياة المواطنين والتسبب بمقتل أكثر من 11 مواطناً في بيروت وحدها، وانتهاك حرمات البيوت والمؤسسات وحرق مقارّ جمعيات وصحف واذاعات واحتلال محطات تلفزيونية وخطف الناس على الحواجز او من داخل منازلهم واقفال المطار الدولي وتكبيد الاقتصاد الوطني خسائر فادحة.
قبل عام، أعلن حزب الله ومعه ميليشيا يتزعمها رئيس المجلس النيابي وميليشيا اسعد حردان ووئام وهاب وعاصم قانصوه الخروج على الدولة ودستورها ونظامها السياسي والاعتداء على الميثاق الوطني وتجاوز صيغة العيش المشترك والعداء للدولة والشعب من غير مواربة أو تمويه، وفي جرم الانقلاب الدموي والمسلح، في سابقة لا مثيل لها سوى انتقاضة 6 شباط (1984) المشؤومة التي أدت الى تمديد الحروب الملبننة ست سنوات اضافية هي الأسوأ في نتائجها وآثارها في تاريخ تلك الحروب.
وعلى منوال 6 شباط 1984، خطة وتنفيذاً تم احتلال بيروت وغزوها بقصد اسقاط النظام العام والحكومة وتكبيل الجيش وتهفيت القوى الأمنية الممتنعة عن مواجهة الجحافل المسلحة خوفاً من انفراطها واصطدامها بجماعات اهلية وطائفية تودي بالبلد والجمهورية وبمؤسسات الدولة وأركانها.
امتازت غزوة أيار 2008 عن كل سيرة الحروب في لبنان، بأن فاعلها معلوم، وهو قد صارح اللبنانيين والعالم بفعلته وقراره من غير مواربة. فكانت تلك بداية فتنة لا تنسب الى مؤامرة ولا الى حادثة ظرفية يتبرأ منها الجميع. ولا يتهم فيها طرف خارجي غامض. ولا تحسب الى قدر يلعنه الجميع بل هي فتنة تبناها وسعى اليها واعلنها بوضوح تام حزب اصولي مذهبي الطابع، لديه الاسلحة هي، حسب تقرير الأمم المتحدة الأخير، متراكمة بكميات مرعبة.
كما امتازت ايام أيار 2008 بانها حرب اهلية غير مكتملة. فلأول مرة تكون الحرب من طرف واحد لا يستجيب له الطرف الآخر ممتنعاً عن الاحتكام للسلاح معتصماً بالخيار السلمي اللاعنفي وبالسياسة وبالمدنية كرد على العنف وعلى الميليشيات متمسكاً بالسلم الاهلي ومقتضياته. وهذه مفارقة تاريخية تُسجل للمرة الأولى في تاريخ مجتمعات الشرق الأوسط، الموصوفة بعصبياتها واستعدادها الدائم للاحتراب والفتن وخروجها على الدولة وعلى بعضها البعض.
والحال أن خيار اللاعنف والسياسة المدنية يوحي بأن شطراً واسعاً من اللبنانيين وهم على الأرجح مواطنو 14 آذار قد اعتبروا من تاريخ الحروب التي عايشوها، واتعظوا منها دون شطر آخر من اللبنانيين ما زال يرى في السلاح غاية وطريقة حياة ووسيلة في السياسة والحوار وتحقيق المطالب والأهداف. واللافت حقاً ان الذين اختاروا البقاء على مدنيتهم لم ينحازوا الى اللاعنف قسراً أو عجزاً أو ضعفاً، انما عن قناعة راسخة، سياسة وسلوكاً ارستها الثورة السلمية والمدنية المندلعة منذ يوم 14 شباط 2005، وأسست لها معارضة سياسية ناضجة انطلقت منذ العام 2000 متسلحة بمشروع بناء الدولة والتنمية الذي اطلقه رفيق الحريري، ومقررات السنودس الخاص بلبنان الرسالة وبيان البطاركة الموارنة ومصالحة الجبل ومحصنة بحركة ثقافية فكرية واسعة (كان اللواء جميل السيد وحده مدركاً لـخطورتها) نشرت وعياً جديداً ومراجعة نقدية للحرب الأهلية وللسياسات السابقة وللإديولوجيات التي تسوغ العنف والفتن.
قبل عام، وفي بداية مساء ربيعي، رأينا أولاًُ قوافل الدراجات النارية الصغيرة آتية من صوب الأوزاعي الى كورنيش الرملة البيضاء مزودة بالرايات والأسلحة، ورأينا قوافل السيارات الرباعية الدفع السوداء محملة بمئات المسلحين تدخل العاصمة من كل صوب، ورأينا مئات المسلحين الآخرين يخرجون من اوكارهم في برج ابي حيدر وحي اللجا والبسطة ورأس بيروت ومن محيط قصر عين التينة ومن زواريب بربور... مطلقين القذائف والرصاص على كل ما يصادفونه. ورأينا بيروت مزنّرة بالسواتر الترابية والاطر المشتعلة وقواطع الطرق ومستوعبات النفايات والحواجز المسلحة. ورأينا المقنعين. ورأينا الذعر والدم والحرائق واليأس والتفاهة المنتفخة بالسلاح.
قبل عام، رفع أحدهم إصبعه فاحترقت بيروت.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00