8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تحرير فلسطين في مسلك التهريب والأنفاق والكمائن

تزامنت ثلاث وقائع الأسبوع الماضي يمكن ادراجها في سياق واحد متصل. الواقعة الأولى هي كشف السلطات المصرية عن خلية لـحزب الله اللبناني عملت ما بين القاهرة وضفاف قناة السويس وأرجاء سيناء ومعبر رفح وأنفاق غزة.
الواقعة الثانية، هي تصوير الشرطة الاسرائيلية عملية تهريب مخدرات عبر الحدود اللبنانية، الى داخل دولة اسرائيل، ومن ثم اعتقالها عصابة التهريب الاسرائيلية، التي كانت تقف على السياج الحدودي مقابل عصابة التهريب اللبنانية، حيث تتبادلان رمي الحقائب: حقيبة مخدرات من لبنان مقابل حقيبة اموال من اسرائيل.
اما الواقعة الثالثة، فهي قيام عصابة لبنانية مسلحة من البقاع الشمالي الشرقي تمارس تصنيع المخدرات وتهريبها وسرقة السيارات، بنصب كمين مميت لسيارة جيب تابعة للجيش اللبناني، أسفر عن مقتل أربعة جنود وجرح ضابط واحد.
وبغض النظر عن تفاصيل الاتهامات التي وجهها المدعي العام المصري ضد خلية حزب الله المعتقلة في مصر، واذا اخذنا فقط اعترافات قائد الخلية المدعو سامي شهاب (حسب ما نقل محاميه منتصر الزيات)، وما ادلى به تلفزيونياً الأمين العام لـحزب الله السيد حسن نصرالله، يمكن القول ان خلية حزب الله استعملت الاراضي المصرية بما يتعارض مع مبدأ سيادة الدولة المصرية، ويستهتر بقوانينها ويعرّض امنها وتعهداتها واتفاقياتها الدولية والاقليمية للخرق والخطر.. بل وعلى الضد من سياساتها العامة ونكاية فيها.
واذا تذكّرنا المعلومات المعلنة والحوادث الجارية مثل الغارة الاسرائيلية على الاراضي السودانية التي استهدفت قافلة كبيرة من الرجال والعتاد والصواريخ الآتية من شرق افريقيا عبر السودان وكانت متجهة الى مصر وسيناء وصولاً الى داخل قطاع غزة... يضاف اليها نشاط المهربين البدو في صحراء سيناء الذين يتعاونون مع مهربي السلاح عبر الانفاق الى حركة حماس في غزة. يمكن عند ذلك ادراك حجم نشاط خلية حزب الله المعتقلة في القاهرة، وهو نشاط يحاول تنفيذ إرادة حلف الممانعة ومطالبته الصارخة (اثناء حرب غزة الأخيرة) بفتح الحدود المصرية امام نشاط المقاومة، وهو المطلب الذي يعني عملياً اخراج مصر أولاً من اتفاقية كامب ديفيد واخراج سيناء من السيادة المصرية وجعلها امتداداً لدويلة حماس في غزة، أي إجبار الدولة المصرية على التخلي عن حقوقها وسلطاتها بما يشبه اتفاق القاهرة (1969) الذي سبب انهيار الدولة اللبنانية وتحويل لبنان الى ساحة مفتوحة للحرب تحت عنوان محاربة اسرائيل.. وتحرير فلسطين.
وعلى هذا المنوال، اي بعد ان تتنازل مصر عن سيادتها بحسب رغبة حزب الله وحماس والجهاد الاسلامي وايران وسوريا وقطر تنهار الدولة المصرية، او تتحول الى دولة داعمة للارهاب (بالمفهوم الدولي)، ومعها تصير سيناء ساحة مباحة لـالمقاومة .. واسرائيل في آن واحد.
وهذا ما علمناه وذقناه في جنوب لبنان وصولاً الى زواريب بيروت. ومن هذه الخبرة ايضاً، يمكننا التوجس كذلك من الاتهام الذي وجهه المدعي العام المصري الى خلية حزب الله، ويقول فيه إن الخلية تنشر التشيع في مصر ففيه بذرة تحريض مذهبي قد لا يضر مصر كثيراً او قد لا يؤذي السلطات المصرية لكنه يسبب حتماً ضرراَ بالغاً في لبنان خصوصاً وفي العالم الاسلامي عموماً. وكان الأجدى القول ان خلية حزب الله عمداً او من غير قصد، تنشر وتشيع نموذجاً راديكالياً من الاسلام الاصولي بنسخته الخمينية (ولاية الفقيه) والمتأثر ببولشيفية ثورية عنيفة.
ومن الحدود المصرية الى الحدود اللبنانية الجنوبية، حيث تهريب المخدرات الى اسرائيل، وهو تهريب تتولاه عصابات مختصة، من المعلوم عبر حوادث سابقة وعمليات امنية كثيرة، ان هذه العصابات جلها يعمل ما بين زراعة المخدرات في شرق البقاع وشماله وتصنيعها وتهريبها إلىالحدود الجنوبية أو عبر المرافىء. وان حزب الله قد استطاع اختراقها واستطاع بواسطتها تجنيد اسرائيليين وعرباً مقيمين في اسرائيل للعمل استخباراتياً لصالحه. ويستطيع المرء بداهة ان يلحظ ويستنتج ان الشريط الحدودي هو تحت مراقبة فعالة ودقيقة من قبل عناصر المقاومة التابعة للحزب، وان خطوط المواصلات والامداد والتنقل وكل حركة لمجموعات أو بضائع عند تلك الحدود تتم تحت أنظار المقاومة المتيقظة والساهرة، فهذه المقاومة تستطيع حتى أن تعرف وترصد الجرارات الزراعية وأصحابها داخل الحدود الإسرائيلية القريبة. ونضيف الى ذلك كله ان منطقة البقاع الشمالي والشرقي هي بلا مبالغة منطقة مقفلة لـحزب الله ويسيطر عليها تماماً أمنياً وسياسياً، وسكانها بأغلبيتهم على ولاء تام له. وبالتالي قد يستحيل القيام بأعمال ضخمة وواسعة النطاق من غير معرفة الحزب وأجهزته الأمنية القوية.
بناء على هذا، ورغم صدق حزب الله بإدانته وشجبه واستنكاره للكمين الإجرامي الذي نصب ضد الجنود اللبنانيين، إلا ان الحرج قد أصابه جراء هذا الحادث، ذلك ان الحزب يدرك ان اللبنانيين عموماً يحدسون بأن هذه العصابة التي قامت بفعلتها انتقاماً لمقتل أحد زعمائها، ما كانت لتقدم في وضح النهار على جريمتها لولا شعورها أنها بمنأى عن القصاص، طالما انها تنعم بحضن أهلي مسلح، هو نفسه المجتمع الأهلي الذي يحتضن المقاومة. وهذه الأخيرة تشترط لبقائها ووجودها غياب سيادة الدولة وسلطة القانون، وإمساكها وحدها بشؤون المنطقة وشجونها، وفق النموذج الذي كان سائداً أيام سيطرة المخابرات السورية، التي كانت الشريكة الاستراتيجية في عصر الأفيون الذهبي.
هكذا ينتظم سياق الوقائع الثلاث: تهريب السلاح والعتاد والرجال الى غزة تحت شعار دعم المقاومة الفلسطينية، وتهريب المخدرات الى إسرائيل تحت شعار إغراق الكيان الصهيوني بالمخدرات (تدمير إسرائيل) والاشتباك مع الجيش اللبناني الذي يحارب عصابات تهريب المخدرات وسرقة السيارات.
بالتأكيد لا تتعمد المقاومة تصديع الدولة المصرية، ولا تريد أبداً أن تكون عصابة تهريب ولا تنوي على الإطلاق قتل جنود لبنانيين. لكن ما تخبرنا به التواريخ والحوادث ان المقاومة الفلسطينية التي كافحت لتحرير فلسطين اضطرت الى تحويل لبنان ساحة والى تدمير الدولة اللبنانية وتبديد سلطتها، بل واضطرت أيضاً الى الاتجاه نحو جونيه، والى التورط في حروب أهلية صاحبتها سيادة العصابات الميليشياوية التي كانت تسترزق من فرض الخوة والاتاوات وسرقة السيارات والسطو وتهريب المخدرات وتعاطيها، والمتاجرة حتى بالأسلحة التي كانت بحوزتها، وأنشأت أجهزة مافياوية متناحرة..الخ أودت بالسياسة والمجتمع والاقتصاد الى الحضيض، ناهيكم عن تحويل حياة الناس الى جحيم.
وتخبرنا الحوادث أيضاً أن دعم المقاومة الفلسطينية هو في حقيقته دعم لـحركة حماس التي قوضت السلطة الفلسطينية وقامت بحرب أهلية مصغرة في قطاع غزة، ما أفضى الى حصار إسرائيلي ـ إقليمي ـ دولي للقطاع، ازدهر معه اقتصاد الانفاق، الذي حسب معاينتنا إياه في رحلتنا الى غزة (في كانون الثاني المنصرم) ليس فيه أي مساعدة خيرية لمواطني غزة، بل هو قائم على الخوة والتجارة الفاحشة (أكثر من مئة ألف دولار القيمة التأجيرية للنفق الواحد يدفعها المتعهد التاجر لحركة حماس).
لا تشذ المقاومات العربية عن مثيلاتها في أميركا اللاتينية مثلاً، فكل الحركات الثورية التي عرفتها أميركا الوسطى والجنوبية في العقود الأربعة المنصرمة، انزلقت أولاً الى التعاون مع مزارعي المخدرات، ثم الى الشراكة مع عصابات التهريب.. لتتحول رويداً رويداً، الى أن تصير هي نفسها عصابات تسيطر على زراعة المخدرات وتهريبها. وبعضها، في الدول العربية وفي أميركا اللاتينية، تحول الى مجموعات مسلحة محترفة تعمل لصالح مافيات أو دول أخرى، وهي المعروفة تحت عنوان بندقية للايجار.
وفي مثال قريب من مصر، نعاين مآل المقاومات التي تناسلت في أرض الصومال، من مقاومة الاستعمار إلى مقاومة الديكتاتورية إلى مقاومة الخونة والعملاء وصولاً إلى حالها راهناً بعد عقدين من الحروب الأهلية وقد باتت عصابات قرصنة لا أكثر ولا أقل.
لا تريد مقاومة حزب الله ولا تطمح الى النيل من السيادة لا في مصر ولا في لبنان. هذا ما يعلنه الأمين العام السيد حسن نصرالله، بل ولا تريد الخروج على القانون.. ولا تقبل أن يقتل جنود لبنانيون. لكن الانزلاق الى عكس ذلك يبدأ بالنوايا الحسنة، من مثل قول النائب في حزب الله حسين الحاج حسن تعليقاً على الكمين الإرهابي: ..ولكن ما الذي يعيل رجالاً في الثلاثينات من أعمارهم وهم لا يجدون راتباً؟ أين هي الدولة والتنمية؟.
هكذا، وبحثاً عن دولة الرفاه والعدالة الاجتماعية معطوفة على تحرير فلسطين تجري تواريخنا وأحداثنا في مسلك التهريب والانفاق والكمائن.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00