مرة جديدة نفاجئ أنفسنا، ومرة جديدة ندحض شكوكنا ومخاوفنا. مرة جديدة نتغلب على أطياف ضعفنا وأشباح ترددنا.. وننزل الى الساحة، الى فضاء الحرية، لا لتلبية نداء حزب أو تيار أو زعيم أو قيادات، بل لتلبية رغبتنا الشخصية وإرادتنا الفردية كمواطنين في أن نكون على موعد مع الاستحقاق والإمتحان، ومع واجب وعينا، وفي ان نكون على عنادنا (وما أعندنا) بأن نظل سوية، ولنرى أنفسنا والآخرين معاً، بل لنرى أنفسنا في وجوه الآخرين كمرآة عملاقة لصورة شعب وفكرة شعب.
ننزل لنندهش. ببداهة حضورنا وبظلال هذا الحضور المتكرر في ذاكرة أربع سنوات توازنت فيها الإنجازات والإخفاقات، الوعود والخيبات، الفرحة والبهجة والثورة الوردية.. والحزن والدم والثورات المضادة.
هذه المرة، 14 شباط إعجازي كعشبة طالعة من صلادة صخرة. إذ بدا هكذا ماسحاً، بقوة البراءة، شرور 7 أيار 2008. وإذ بدا هكذا محرِّراً، بقوة الصواب، ساحات المدينة من المصادرة والاعتصام الاحتلالي للعاصمة والحصار التعطيلي للسراي. ولّوا وانسحبوا بدواليبهم وعصيهم وأسلحتهم وخيمهم وشتائمهم.. وعادت بيروت الى ذاتها، متوهجة بحريتها وأحرارها.
لبّينا النداء لا لنتذكر، فنحن لم ننس. ولبّينا النداء لا لننتخب، فنحن إخترنا. ولبّينا النداء لا لنجتمع، فنحن كلٌ متعدد وواحدٌ لا نتفرق.
أمس لم نكن عدداً ولا حشوداً، وبالتأكيد لم نكن جمهوراً ولا تجمعاً أو احتفالاً.. كنا وجوداً ناجزاً لأجمل حلم في الشرق الأوسط.وكنا نسأل أنفسنا كم مرة علينا أن ننزل. ونسأل أكثر هل سيأتون ـ كالعادة ـ أم باتوا محبطين، مترددين، مشوّشين، خائفين؟ كل مرة نسأل أنفسنا هل سنملأ الساحات؟ هل سنهتف ونصفق ونرقص ونتبادل التحيات ونلوح بالعلم؟ هل سنرى العائلات والنسوة والأطفال وكبار السن المتعبين والشابات المتحمسات والشبان الصاخبين؟ هل ما زالوا على العنوان نفسه والشعار ذاته والكلمة عينها؟
هذه المرة إعجازية إذ بدا أن الزمن يجوهر المناسبة ويصقل الذكرى ولا يضعفهما ولا ينتابهما النسيان والزوغان.
أمس، أعلن اللبنانيون أنهم ما زالوا في الثورة، وان انتفاضة الأرز أقوى حتى من أشد آمالنا وتوقعاتنا.
ثورة تبتعد أكثر من طموحاتنا الى الأمام، وتسبقنا على الدوام.
انه اليوم العاصفة البشرية، التي نفضت الغبار وأزالت الضباب ونظفت اللطخات عن صورة انتفاضة الاستقلال، لتعود حيّة، جديدة ومتجددة، نقية كدمعة، كنقطة دم.
أمس الإنجاز كان مستقبل لبنان.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.