8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

في وداع منصور الرحباني

مع موت منصور الرحباني، تذكرت العنوان الموحي الذي قال محمد أبي سمرا أنه سيضعه عنواناً لكتابه الجديد وداع لبنان. حينها أدركت المعنى الذي يريده أبي سمرا، إذ إن لبنان الأرض والسكان سيبقيان، لكن الـلبنان الفكرة والحلم والاستيهامات والصيغة فهو الذي يبدو قد غادرنا ولم نعرف بعد أن نودعه.
يمكننا مع موت منصور الرحباني، الإدعاء أننا حقاً قد وارينا تاريخاً وبلداً، كنا نعرف أننا غادرناهما قسراً منذ عقود ثلاثة، وحينها أي في مطلع الحرب كاد دماغ عاصي الرحباني أن ينفجر. نزف دماغ عاصي وهو يحاول أن يفهم انكسار الصيغة واندلاع الحرب وسقوط لبنان في هاوية الدمار.
ونحن في الحرب فقط انتبهنا أن الرحابنة هم الذين صنعوا لنا صورة لبنان الذي يغوينا. قبلها لم نكن نفكر في هذا الـلبنان الذي يقوله الرحابنة، وأهلنا كانوا على الأرجح يعيشونه ويجدون في أغاني ومسرحيات الرحابنة شيئاً منهم أو يتوهمون ذلك (وهذا سر قوة المسرح الرحباني) وكانت أغاني فيروز بالنسبة لهم من بديهيات لغتهم وخيالهم وحكاياتهم وعواطفهم وذاكراتهم القروية. لم ينظروا الى الرحابنة على أنهم يخترعون أو يختلقون لغة وأحلاماً وعالماً مفارقاً، بقدر ما ظنوا أن الرحابنة لا يفعلون شيئاً سوى بعث الحنين في أفئدتهم. لم ينتبهوا مرة أن الرحابنة يصنعون شيئاً جديداً وحديثاً.
نحن فقط، الذين لمحنا لفترة وجيزة لبنان ما قبل الحرب، وقضينا عمرنا فيها، أدركنا صنيع الرحابنة واختراعهم. وأدركنا أكثر أن روح التجربة اللبنانية ما كانت سوى إغواء شعري حديث يلابس الصيغة السياسية ويلازم إيديولوجية الدولة ويقوم في مشروع الكيان مقام الأعمدة والقاعدة. ولا نعرف إن كان ذلك استثناء في تاريخ نشوء الأوطان، لكن على الأقل نعرف أن ثمة دولا ينشئها حزب مثلاً، أو استيلاء عشيرة على جزء من إمبراطورية مندثرة، أو نهوض قومي إلخ. لبنان هذا، الذي نتذكره الآن، قد يكون الوطن الوحيد الذي خالط إنشاءه الشعر والخيال.
أهلنا كانوا فيه ولذا لم ينظروا إليه ويتفحصونه ويعقلونه، أما نحن وقد وجدنا لبنان قد غادرنا صرنا نفكر فيه ونتذكره ونحنّ إليه، وصرنا أكثر نفهم الرحابنة ونسمعهم في أوقات الحروب بوصفهم آخر ما تبقى، هناك في الوسط بين المتقاتلين، متوهمين أن أغنياتهم ومسرحياتهم هي مشروع لبنان الذي نريده جميعنا، لبنان الخلاص والفردوس الآتي بعد الحرب. الفردوس المفقود.
لذا على الأرجح، اكتسب العالم الرحباني أسطوريته فقط في زمن الحرب، حين بات مستحيلاً ومفارقاً، وحين صار الأخوين عاصي ومنصور ومعهما فيروز عاجزين عن نسج أي حكاية. حينها انفجر دماغ عاصي وظهر الإبن المتمرد لـيخرب ويهزأ ويدمر، محتقراً الكذبة. وهي، أي الكذبة، الضرورة الشعرية التي سحقناها فقتلنا راجح قبل أن نسمح له ببيع الخواتم. وها نحن اليوم لا نبحث سوى عن راجح الكذبة لينقذ الحكاية من التفاهة.
ليس لبنان الفكرة الذي خسرناه فحسب، وبقليل من المجازفة يمكن القول ان لبنانوية اللبنانيين هي أيضاً التي فقدناها، إذ باتت في أحسن أحوالها صيغة مبتذلة يتلفظ بها المغتربون القدماء في أقاصي كندا وأستراليا والارجنتين، أو هي انقلبت الى نبرة سياسية تموّه عصبية تحريضية بائسة.
خسرنا الاغنية بالتأكيد، لكننا حقاً خسرنا سحر الجبال والغابات والاودية والسهول والانهار وساحات الضيع، وخسرنا الحجل والصنوبر والقناطر والينابيع. هكذا ما عاد للاغنية من ظلال في الواقع. واقع مجرد، شديد الوقاحة، شبه متصحر، وفقير... وأغنية ميتة.
مات منصور الرحباني، فانتبهنا مجدداً كم صرنا بعيدين من ذاك البلد الذي ننتسب إليه. أذكر في أواخر الثمانينات، في المرة الوحيدة التي التقيت منصور الرحباني، قال لي خلص الشعر... عم بفتش عن ثورة معللاً عمله الاول بعد موت عاصي صيف 840، الذي بدا لي حينها عمل يقلد الرحابنة، وليس الرحابنة من صنعه بل كانت المرة الاولى التي أرى فيها شساعة الفارق بين الفكرة الرحبانية والوطن اللبناني الى درجة مضحكة ومحرجة. كانت المسرحية استعراضاً مأزوماً، وانتبهنا لأول مرة ان ما يحدث هو محض اختراع وكثير التصنع، وان ثمة جهدا فيها، على عكس ما كنا نشعر إزاء أعمالهم السابقة وكأنها من بداهة سيولة الجداول وبداهة الاشجار وتفتح أزهار الثلج.
ربما كان عطب لبنان وهشاشته ان ما صنعه كان فناً أو أشبه ببيان شعري. مع ذلك فإن ما يهدده اليوم ويجعله قابلاً للانحطاط هو ان إعادة تأسيسه كان خالياً من الشطحة الشعرية، خالياً من ملح الكذبة، خالياً من زعبرة الفن الى درجة لا تطاق.
والاسوأ، إن ما بقي من الفن هو الزعبرة وحدها. يمكننا ونحن نسمع منذ أيام على شاشة التلفزيون أولئك الشعراء الذين يتحدثون عن منصور الرحباني والتجربة الرحبانية، ان نلتقط الانحطاط المريع الذي أصاب اللبنانوية الشعرية، الابتذال الممسرح للغة والكلمات، الانتفاخ الاجوف للعبارات المتكلفة، الثرثرات المتورمة بالزخارف المزيفة. وكنا بيننا وبين أنفسنا نسرع للتبرؤ من هذه اللبنانوية، وانه يجب ان نودع منصور الرحباني على وجه السرعة، مداراة لخجلنا مما انتهت إليه الاسطورة على أيدي السلالات الجديدة من شعراء العالم الرحباني ـ اللبناني.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00