8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

شاعر حماستنا الأولى... شاعر التباسنا الباقي

خمسة وعشرون عاماً أقرأه. قرأته بحماسة المراهقة، وقرأته بروية "القارئ".
قرأته بشغف المفتون بكل شعر، وقرأته بالتزام الناقد وتزمته. قرأته متعة وقرأته امتحاناً وفحصاً.
تحاشيت الكتابة عنه طوال عشرين عاماً. تحاشيت تدوين أي مقالة في أي كتاب له. وتحاشيت ابداء رأي علني في شعره. كان ذلك هو السبيل لمداراة حيرتي فيه، وإزدواجية علاقتي مع تجربته، التي أحبتتها وكرهتها واحترمتها.
كان معنا منذ أواخر السبعينات، "نشيدنا" السياسي، وكان هو أغاني فتوتنا الثورية الغاضبة والمرحة، وكان هو خيالنا المخضب بالدم والتراب.
وكانت موسيقى مارسيل خليفة تفعل أفاعيلها. لترتجف أفئدتنا بكلماته السيالة، الدافقة حرارة وصوراً وأصواتاً.
ثم أتانا الخجل. خجلنا من خطايانا وحماقاتنا وهزائمنا ومراهقتنا، وخجلنا من سذاجتنا وعاطفيتنا. فأبعدناه عنا وتنكرنا له ولـ"المرحلة" كما ينبغي للناضج أن يواري آثار طيش مراهقته.
ذهبنا إلى الكتابة، إلى سلك الصحافة، إلى امتهان قراءة الكتب، إلى تجربة الشعر. ولم يدر في خلدنا ان علاقتنا القديمة تلك برومنسيات السياسة والاشعار التي بتنا نزدريها، هي التي رسمت لنا هذا المسار، وان لوثتها التي نتحرج أن تظهر علينا، هي التي حددت هيئتنا وملامحنا ومزاجنا.
لم يدر في خلدنا أننا اذ أبعدنا محمود درويش عن خياراتنا وذوقنا، كنا هكذا نركنه داخل وجداننا المعطوب على الدوام بشيء من عاطفية المراهقة، والمشوب بالكثير من الغنائية السامة.
في الشعر، ورفضاً للمنبرية، للجماهيرية، للخطابية، للمباشرة، للصوتية المجانية ولطنين الايقاعات اللفظية... رحنا إلى قصيدة النثر، انفصالاً عن تقاليد شعرية إلتبست بأزمان الايديولوجيات ولابستها، ورحنا في انفصالنا هذا نزيح الكثيرين، ومنهم محمود درويش، عن أبصارنا وأفكارنا، ونغسل حساسيتنا من تأثيراتهم، ونجنب سطورنا الوقوع في أليف مجازاتهم وكناياتهم بل ونكتب هزءاً من صورهم وعباراتهم وثرثراتهم.
كنا محمومين ـ وما زلنا ـ بفعل القطيعة وضرورتها، ذاك ان القطيعة وحدها تعطينا "شرعيتنا". أي بمعنى آخر كنا هكذا نعلن عن آبائنا "الملعونين"، وكنا هكذا ننتسب مخاصمة الى سلالتنا.
إطمأننا الى سهولة التحقيب الزمني والشعري، واعتبرنا ان الحدود قد تثبتت، في الأفكار وفي الثقافة وفي السياسة. بدا ذلك سهلاً بالمعيار التاريخي، كأن نقول "قبل أو بعد 1982" سنة الاجتياح الاسرائيلي الذي اختتم حقبة إختتاماً مدوياً، وودعها درويش نفسه بنشيد ملحمي، "مديح الظل العالي" (1983). كنا نطوي حقبة ونطويه معها، وكنا هكذا نتشبه بالسابقين الذين توافقوا على القول "قبل أو بعد 1967"، سنة "النكسة".
لكنه عاد الينا محمود درويش مع "أحد عشر كوكباً" (1992) فقلنا ان شيئاً تغير في لغته، من غير ان نولي هذا التغير انتباهاً، ذاك ان الطاغي من انشاديته واطلاقيته، ومن زعمه الرائي، ومن همه "الاندلسي" (إذا صح التعبير) والطاغي من هاجس الهوية والمنفى... ظل كما هو كنشيد رعوي بلا خاتمة.
ثم عاد الينا بصحبة "لماذا تركت الحصان وحيداً" (1995) فارتبكنا أولاً من أنفسنا، ذلك اننا ـ باعتراف ضمني ـ اكتشفنا ان عاطفيتنا ما زالت متمكنة منا، وان صلتنا بشعر درويش، لا هي نقدية ولا تبجيلية، انها "عاطفية" فحسب، بهذه الروح قرأنا "لماذا تركت الحصان وحيداً" و"سرير الغريبة". و"لا تعتذر عما فعلت"، و"جدارية" و"حالة حصار". نسهو في قراءتنا له عن الشعر ونصغي لصوته، نصغي للشاعرية الساطعة هنا وهناك وسط السيولة التي نتحملها بقدر كبير من الغفران. كنا نخجل من حبه ونكبت تلك العاطفية. لم يكن في استطاعتنا ان ننبذه كما نبذنا الآخرين.
ربما هو الذي ساعدنا على بقاء الحميمية تلك في قراءاتنا له، فكتاباته الجديدة أوحت أن هناك محمود درويش "جديداً" اكثر جدلية وأقل صخباً، مفتوناً بالجماليات، مهجوساً بشرط الشعر. كان الخفر يتسلل الى قصيدته لتكون أقوى حضوراً.
بقيت تراجيديته الدامعة، بقيت رسوليته وملحميته المضخمة، وبقيت حنجرته في كلماته، كان هو في قديمه وجديده لكن بامتلاء أكثر، وبـ"تأليف" أثقل. الثمرة ذاتها وها هي قد نضجت.
الأمسية الشعرية الوحيدة التي حضرتها له كانت في "قاعة جمال عبدالناصر" داخل "جامعة بيروت العربية" عام 1981. إسم القاعة وإسم الجامعة يدلان على ثقافة وإيديولوجيا، كان شعر درويش فيهما كما النواة في الثمرة. منذ ذلك الوقت تحاشيت كل إمسياته البيروتية تجنباً لغواية "الجذب"، تجنبت سماعه مجدداً عندما عاد مرات الى بيروت في السنوات الأخيرة، كي لا أخاصم قصيدته حقاً، وهي التي لا تروقني تماماً، قدر ما يروقني ما هو مضادها.
إهتديت الى "الالتباس" بوصفه قيمة، في علاقتي بشعره، وفي علاقته هو مع الشعر. وعلى مستوى أرفع اهتديت الى الالتباس الذي يقيمه هو مع أناه، مع هويته، مع تاريخه، مع الآخر، مع السياسة، ومع "العدو". وفجأة أهديت أيضاً الى أن درويش نفسه في ترحاله عبر اللغة وعبر السياسة والأفكار والأمكنة.. قد ذهب من "اليقين" الى "الالتباس". باتت سمته هذه الجدلية الأخاذة مع ماضيه ومع قصيدته ومع وعيه، إذ كان يعيشها، تلك الجدلية، ناجياً بنفسه من "الابتذال" الذي أصاب "القضية" و"الهوية" و"الذاكرة"، ناجياً بنفسه من الانتهاك الفضائحي للدم وللمعنى وللغة.
بات درويش هذه المرة حقاً، منفياً، مغترباً، مؤسساً رمزياً للالتباس الكبير. قبل شهر، نبهني وضاح شرارة الى قول جان بول سارتر في اليهودي: اليهودي هو الذي ينظر إليه الآخر على أنه "يهودي".
اليهودي، رمزياً، هو المنفي الأبدي، هو المضطهد الذي لا مكان له، غير قابل لـ"الاندماج"، وغير قابل للخروج من التاريخ والجغرافيا. إنه اللاجئ، المختلف، الذي يضع على أكتافه الأنبياء والخطايا، والذي لا يني يحاول "العودة الى أرض الميعاد"، هو "المنبوذ" والضحية والأقلية، هو القتيل والمذنب.
كيف نعرّف "الفلسطيني" إذاً؟ ألهذا كتب محمود درويش "تاريخنا تاريخهم، تاريخهم تاريخنا" ("مأساة النرجس" ص17)؟ ألهذا بقيت "ريتا" هي الحب، هي العدو؟
يقول محمود درويش في حواره مع عبده وازن ("الغريب يقع على نفسه"): ثمة بين الشعر الفلسطيني والشعر الإسرائيلي حالة من الصراع، صراع في اللغة حول من يمتلك المكان واللغة، وحول من يسيطر على موضوع المكان أفضل من الآخر (...) نحن مدفوعون الى صراع ثقافي عميق. مثلاً: هناك شاعر إسرائيلي كبير أحب شعره هو يهودا عميحاي، لم يدع مكاناً في فلسطين، وهو يسميها أرض إسرائيل، إلا وكتب فيه قصائد، وبعضها جميل جداً وتحرج الشاعر الفلسطيني حقاً".
هكذا يتبدى لنا هذا الهاجس الذي يتحكم بدرويش الذي يقول "لم أغسل دمي من خبز أعدائي" ("أعراس" ص37). ومن هذا الالتباس الذي يتجسد في تبادل الأدوار الأسطورية ما بين "داوود" و"غوليات"، يذهب الشاعر بفلسطينيته الى "يهودية" تعاكس ذهاب اليهودي (عميحاي نموذجاً) الى إسرائيليته. إذ ما أن "يستوطن" اليهودي حتى يخسر هويته. ألهذا خاف درويش من "العودة"، خاف أن يخسر منفاه؟
نعود الى الالتباس ونطمئن إليه، ذاك أنه يبقي عاطفيتنا مع قصيدة درويش، ويبقيه معنا.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00