كاد هاكان ياكين، التركي الأصل، أن يقود منتخب بلاده سويسرا الى الفوز على منتخب أرض أجداده، تركيا، بعد تسجيله الهدف الأول في المباراة، التي انتهت لصالح الأتراك بهدفين دراماتيكيين وصاعقين.
قبل ذلك بأيام حقق اللاعب بودولسكي، البولندي الأصل، الفوز بهدفين نظيفين، لصالح منتخبه الوطني الألماني، على بولندا حيث ما زال أقاربه يعيشون.
وكما أن السويسريين منحوا ثقتهم، من دون أي تشكيك بولائه، للاعبهم التركي الأصل ياكين لمواجهة المنتخب التركي بالذات، فإن الألمان لم يترددوا في إيكال مهمة الهجوم في مباراتهم ضد بولندا الى مهاجمين من أصل بولندي: بودولسكي وكلوزه.
وعلى هذا المثال سنجد في كل منتخب "وطني" أوروبي خليطاً من الأصول والأعراق يشكل عينة على "الفخر" الوطني، ومثالاً سكانياً شاباً ونضراً، حيث كرة القدم تتنكب رفع راية المدينة وشعارها، فتنوب عن مؤسساتها وأجسامها وبناها في إبراز ثرائها وفتوتها وازدهارها وتنوعها وحيويتها، ومدى انفتاحها وتقبلها للهجرة وقدرتها على الدمج. فإذا كان نادي اتلتيكو بيلباو لا يقبل سوى اللاعبين الباسك في إسبانيا فيما يضم نادي ريال مدريد أفارقة وإيطاليين وهولنديين وبرازيليين عدا عن الاسبان، فذلك دلالة على أزمة الباسك القومية ومحنة الهوية فيها، بينما تبدو مدريد العاصمة مع فريقها متجاوزة لمعضلة الهوية وكآبتها.
وإذا كانت الأندية تعمد الى "شراء" اللاعبين الأجانب وتبني المواهب بغض النظر عن الجنسية، سعياً للحفاظ على مستويات التنافس وللفوز بالألقاب والكؤوس، فإن المنتخبات "الوطنية"، التي من المفترض أن تتشكل من اللاعبين المحليين الحائزين على جنسية البلد، باتت تتكون من لاعبين متعددي الأصول والأعراق، وهم بذلك صورة عن بلدانهم التي صارت بلاداً ملونة، كثيرة التهجين، متعددة الثقافات.
في حفل الافتتاح لبطولة الأمم الأوروبية، التي تستضيفها كل من النمسا وسويسرا، وقفت في ملعب العاصمة السويسرسة بيرن مغنية "سوداء" لتؤدي نشيد بلادها الجديدة، ولم يكن ذلك مصدر حرج أو استهجان.
وكرة القدم الأوروبية لا تنتظر السياسة للنظر في موضوع الهجرة مثلاً. ولا في بت هوية تركيا. فهذه الأخيرة هي جزء من أوروبا الكروية قبل أن تنضم الى "الاتحاد الأوروبي". واسرائيل الملفوظة من محيطها العربي والآسيوي هي جزء من أوروبا كرة القدم، وإن كانت من خارج القارة جغرافياً.
تتيح كرة القدم للمسلم البوسني ابراهيموفيتش أن يقود منتخب السويد في الملاعب، تماماً كما تتيح للأفريقيين ماكليلي وتورام قيادة منتخب فرنسا وقبلهما اللاعب الأسطوري، الجزائري الأصل، زين الدين زيدان. ولا يتبدل موقع ريباري في المنتخب الفرنسي إذ اعتنق الاسلام وهو الكاثوليكي الأصل.
ويمكن الاستدلال على سوية "التقدم" أو التحفظ القومي في أوروبا عبر منتخباتها الكروية، فتركيا مثلاً المهووسة تقريباً بتجانسها القومي لا تضم في منتخبها سوى الأتراك الاقحاح، واليونان التي تخاف من الهجرة والمعروفة بمواقفها السلبية من المهاجرين لم تنجح حتى الآن في ايجاد لاعب من اصول غير يونانية، وبدرجة مشابهة تبدو ايطاليا شديدة الايطالية. وهذا على العكس من صورة منتخبات هولندا وفرنسا وانكلترا، وحتى المانيا التي كانت "متعصبة" باتت تضم في صفوف فريقها بولنديين (ولا ننسى محنة بولندا مع المانيا تاريخيا) وأفارقة سود البشرة.
واذا كانت الملاعب الأوروبية سابقا مرتعاً لاستعراض العصبيات الوطنية والمناطقية وللمشاعر العنصرية، فانها اليوم ارض لما بعد القومية وللعولمة، فعدا اللاعبين متعددي الجنسيات والأصول فان الجمهور والمشجعين ليسوا هم من في الملعب، بل جمهور تلفزيوني فضائي، حيث ان مشجعي البرتغال مثلا نجدهم في مقاهي القاهرة وبيروت وساحات طوكيو، كذلك فان "اقتصاد" كرة القدم، وهو بالمليارات، اقتصاد معولم تكنولوجي الطابع، عبر الاعلانات ووسائل البث، وشركات الدعاية المتعددة الجنسية.
وتمثل كرة القدم بهذا المعنى، ووفق اصولها وصورتها، مسرحاً ديموقراطيا بامتياز او نظاما ينوب عن السياسة والمدينة والبلد ويمثلها (على معنى الرمز والانابة)، فنحن ازاء "ارض" و"جمهور" و"قوانين" (دستور) و"منتخب" (نواب) وحدود مرسومة، ومؤسسة تحكيمية (قضاء) تراقب وتفصل في "النزاع" والخلاف، وهي تضطلع اولاً بمهمة "تقنين" العنف وكبحه.
لا يسعني ان اكون جزءاً من جمهور ناد لبناني او متفرجاً على كرة قدم وطنية، طالما ان كرتنا ما زالت تمثل عصبيات طوائف ومذاهب وأحزاب، وما زال اقتصادها وادارتها يقومان على الشبهة والفساد والنوايا السيئة.
لا يسعني ان اكون مهتماً بكرة القدم المحلية، طالما ان كل مباراة تستلزم تقسيماً للشوارع التي سيسلكها مشجعو كل فريق، ولواء عسكرياً مع ملالات ومئات افراد الشرطة وهتافات تكاد تكون تمثيلاً للحرب الأهلية، أو تمثيلاً للكراهية والعنصرية والفقر والنزوع الدائم لازدراء القوانين والتعدي على الأملاك العامة، ومناسبة لابراز الحقد والضغينة والتعطش للدم.
بامكاني الانتساب لمشجعي المانيا ونادي برشلونة، ولا اعرف من هم اعضاء فريق النجمة أو الانصار ولا اشاهد مباريات منتخبنا الوطني... مع علمي بنتائجه المخزية وفضائحه الادارية.
كرة القدم التي تمثلنا، تشعرني بالعار، تماماً كما هو تاريخنا السياسي. وأكاد اظن ان كيفية انتقاء افراد منتخبنا هي على شاكلة الكيفية التي ستتشكل بها الحكومة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.