الحرب آتية. هذا التوقع صحيح تماماً. اكانت ستندلع غداً أو في مطلع الصيف أو بعد سنتين. فأن تبكر أو تتأخر فهذا لا يغير في صحة التوقع. كذلك لا يهم طبيعتها، إذ قد تكون أهلية أو نصف أهلية أو اقليمية، أو حتى أهلية إقليمية مختلطة. فهذا كله وارد وفي مدى البصر.
قد تكون على الحدود الجنوبية، أو في زواريب بيروت، أو عبر الجنوب والبقاع وصولاً إلى دمشق، أو بين "مقبرة الشهداء" و"مقبرة الشهيدين" حسب قول يحيى جابر، أو من مزارع شبعا إلى طهران... هذا كله محتمل ومنطقي.
باتت الحرب محتمة، لأننا ندرك أن "الخلاف" السياسي انتهى وحلّ محله "العداء" السياسي. اي بمعنى آخر فإن السياسة نفسها صارت معطلة. وفي هذه الحال، واضطراراً تصبح الحرب "ضرورة".
الجميع يدرك ان الحرب تفرض نفسها كأفق ساطع على القادة والجماعات والدول وليس العكس. وكل طرف يعرف نيات الآخر المستسلمة لغواية "الحسم"، ولإغراءات "تغيير موازين القوى" والجميع متفق على عدم القبول بالواقع السائد الخانق. لا بد من حركة ما، حركة على قدر من العنف يكون كافياً لشق الطريق المسدود ولهدم الجدار المتعالي.
توقع الحرب ليس تنجيماً، ليس علماً مستقبلياً، هنا في الشرق الأوسط، اذ هي ليست خِياراً بين خيارات كثيرة بقدر ما هي قدر وحيد ونتيجة حتمية لفشل الجماعات والدول في العيش معاَ. فشل بنيوي عميق وميؤوس منه تقريباً. الحرب ليست تخميناً ما دامت سيرتنا (في لبنان، في الجوار، في الأقليم الواسع) هي هذا الذَهاب للحرب المقبلة، إثر العودة من نهاية حرب سابقة. سيرتنا هي هذا التناوب المستمر من حرب إلى هدنة إلى حرب.
هذا ما طبع حياتنا طوال القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحالي.
ولا نقصد بذلك ما يسمى "الصراع العربي ـ الاسرائيلي"، فقط، بل نقصد تاريخ كل مجتمعاتنا وبلداننا وكياناتنا الأهلية، وتاريخ علاقاتنا العربية ـ العربية، والعربية ـ الايرانية، والعربية ـ الافريقية، والعربية ـ الغربية، تاريخ من حروب باردة، نارية، مضمرة، علنية، خاطفة أو مديدة، محدودة أو واسعة النطاق.
ويسعنا القول إننا لا ننتظر الحرب، وانها ليست "آتية" بل نحن حقاً نعيشها واننا دخلناها وباشرناها من قبل حرب تموز 2006، وهي التي لم تنتهِ أصلاً (هذا ما يقوله كل من حزب الله واسرائيل). ثم ولأننا فشلنا في بناء دول "منيعة" ومحصنة، وبتنا كتلاً سكانية وجماعات بلا بنى ولا حدود، مندلق بعضها على بعض في جغرافيا رخوة سائبة، فيصعب ان نحيد عما يجري هنا وهناك (هكذا ربما تبدد حلم 14 آذار).
لا صفة لهذه الحرب، فهي في اللحظة التي تكون بين اسرائيل وغزة مثلاً، تكون في الوقت نفسه فلسطينية ـ فلسطينية، فعند كل غارة اسرائيلية يقوم ناطق باسم "حماس" باتهام السلطة الفلسطينية بانها "أمنت الغطاء". السيناريو نفسه خبرناه في تموز 2006. وعندما تكون بين بيروت ودمشق، تكون ايضا لبنانية ـ لبنانية، أو شيعية ـ سنية تمتد من طهران الى القاهرة، وتنقلب في لمح البصر لبنانية ـ إسرائيلية، أو أميركية ـ إيرانية. ومن البلاهة تحديد "هوية" كل هذه الحروب.
ليست نبوءة، انها تحدث في كل مكان: من تشاد الى السودان والصومال، إلى غزة والقدس وجنوب لبنان وزواريب بيروت إلى بغداد والحدود التركية، إلى المياه الاقليمية المتوسطية ومضيق هرمز وميناء البصرة، إلى افغانستان وشوارع نيويورك، وإلى أي محطة قطار في أوروبا.
لنضف إلى ذلك... الحروب غير المنظورة التي نعرفها جيداً، من مثل تلك التي تخوضها كل دولة من دولنا ضد مجتمعاتها، وهي الأكثر فتكاً وتدميراً. يكفي أن نقارن بين عدد المقيمين وأعداد المهاجرين، يكفي أن نقارن بين سوية ونوعية الذين هاجروا من السكان، والذين بقوا.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.