8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

معجزة الكلمات.. كلَّ يوم

كنت قد نويت القيام بقراءة متفحصة لمجموعة من الكتب الشعرية الجديدة، وبالأخص منها تلك التي أصدرها الرعيل الأخير من الشعراء في بيروت، عندما لاقاني على الرف الكتاب الأخير للشاعر الراحل (أو "المترحل" أبداً) سركون بولص.
كيف نسيته؟ وأنا الراكض للحصول عليه اثر صدوره بعيد وفاة كاتبه، الشاعر الذي فتنتني قصائده وسيرته وصورته، الشاعر القريب الى قلبي ولم أعرفه، ولم يصادفني مرة في رحلاته اللانهائية، وجولاته الخرافية في البلاد والبشر.
كيف نسيته وبسام حجار الذي جاءني منذ أسبوعين مسحوراً به، منذهلاً بقراءته "يا يوسف.. ألم تقرأه بعد؟". ومع ذلك نسيته مجدداً، حتى لاقاني الكتاب نفسه أمام عينيّ.
"عظمة أخرى لكلب القبيلة"، إنها آخر رمية يلقيها الشاعر، آخر الكلمات الممكنة بعد نهاية الرحلة الممتدة من أسوار أوروك الى جسر "غولدن غيت" في سان فرانسيسكو.
في مفتتح الكتاب مثل سومري "المدينة التي ليست لها كلاب حراسة يحكمها ابن آوى"، وفي القصيدة الأخيرة يكتب سركون "لئلا تموت الكلمات/ لئلا تفتح المدينة أبوابها لابن آوى/ أقدم هذه العظمة في كل يوم لكلب القبيلة". أما التاريخ ـ الزمن الممتد ما بين وصية الأجداد السومريين والشاعر في مطلع القرن الواحد والعشرين، فيمكن اختصاره ما بين القصيدة الأولى في الكتاب "كرسي جدي ما زال يهتز على أسوار أوروك/ تحته يعبر النهر، يتقلب فيه الأحياء والموتى" والسطور الأخيرة من الكتاب (بعد 221 صفحة): "يهتز كرسي جدي المواجه للنافذة. يهتز على أسوار أوروك. يهتز حتى وهو فارغ، لا يجلس فيه أحد".
أما الشاعر نفسه فـ"هو المطوّق بصيحات القبيلة حين يجول بين الخرائب ويرثي أبناء مدينته، يحلم أحياناً أن يحلق كأي نسر فوق رؤوس القتلى والقتلة آملاً أن يجندل بكلماته مخلوقاً رائعاً ممعناً في الهرب وأن ينشب صنارة خياله في لحم الفريسة".
لا أعرف شاعراً تضمر قصائده "قابلية التكرار" من غير أن يضعف زخم الشعر فيها، مثلما يفعل سركون بولص. ولا أعرف شاعراً تبدو قصائده مليئة بالصدوع ومع ذلك تتمتع بصلابة لا يمكن اختراقها.
قصائد "عظمة أخرى لكلب القبيلة" هي قفزات متتالية، في مسعى الشاعر الهوسي لـ "البحث عن معنى" بكلمات لا معنى لها تأمل ان تصير سراً. وثمة يأس خصب وتام يتيح القول "لا شيء منذ آدم" او القول "ما يمكن للكلمات ان تفعله يكاد يكون لا شيء في هذه الأيام/ نغمة ليس فيها ما يكفي من الموسيقى لكي يرقص على ايقاعها أحد".
مع ذلك، لا يكل سركون عن ملاحقة الكلمات، في حركة واحدة: الكتابة والسفر. فان نسافر هو ان نذهب لنقول شيئاً ما في مكان آخر، وان نرجع لنقول شيئاً ما هنا، "شرط الا نرجع وان نقيم بيتنا هناك" (دولوز)، او بحسب جملة ارنولد توينبي "الرحل هم الذين لا يتحركون ويصبحون رحلاً لأنهم يرفضون الرحيل". لكن سركون بولص هو علامة في الافراط سفراً وحياة. وهذا ما حطمه، لا الموت. كان خائفاً من نبوءة رامبو الذي كتب "اقضي حياتي جالساً مثل ملاك في كرسي حلاق". مثلما كان خائفاً من مصير رامبو نفسه، اي ان يخسر الكلمات.
إزاء قصائده الأحرى بنا ان نصغي، ان لا نفتعل صوتاً سيئاً كمثل رسم ضياء عزاوي على غلاف الكتاب. ان نصغي ونفتح الكوة ونلتقط الخيط الخفي ونتبع صوت الراوي. فهذا الشعر الذي يؤرخ الهجرة من آشور الى بلدان الاشياء الأخيرة، الطالع من طين ما بعد الطُوفان ومن استيقاظ العشب في حديقة أميركا والت ويتمان، والذي يكتبه صعلوك خارج من سفر التكوين ليخرب بندول الساعة، هو وحده لنتركه ينبعث كالضباب و"ينفتل فوق السقوف كشعر جنية هرمة" قبل أن يذوي في لمح البصر.
انها لغة علينا ان نحيا عبرها، وان نلتزم ذاكرتها، هشاشتها، وان نبجل خَسارتها، ان نتقبل حقيقتها بوصفها كلمات ضائعة. وقد رأى سركون بولص وكتب أكثر مما شاهد وعاش، ومع ذلك كان بوسعه ان يقول "لا نعرف الكلمات" في كتابه الأخير، الذي هو مراثي متصلة، جحيمية لا تدعي البشارة ولا تنفي الرجاء، لا تتنبأ بالطوفان ولا تسكت عن الموت.
قوة الشعر عند سركون بولص، وان كنت لا ادعي القبض عليها، يمكن التدليل عليها بأنها خطوة ابعد من المحطة الأخيرة، جملة تأتي فجأة بعد الخاتمة المفترضة، استرسال يتورع عنه الشعراء، استطراد غير متوقع بالمرة، واطول من القصيدة وخارجها، تماماً مثل حديقة خلفية بسيطة تضفي على المنزل أبهة ليست فيه، مثالاً على ذلك هذا المقطع: "اللحظة التي أعيش من أجلها طوال يومي/ وحين ينتهي، تتلاشى. تهرب من يدي كطائر بلا رأس أفلت من قفص النسيان". يمكن أن يكتفي كل شاعر بهذا المقطع ويعتبره مكتملاً وتاماً، لكن بولص يتممه على النحو التالي "... ناسياً في عشه بيضته الأخيرة". على هذا المنوال باستمرار نلحظ كيف أن قصائده هي دفق سخي شديد الديناميكية، مشحونة بقوة جسدية، بخصوبة الصور، وبتوتر روحي.
من اليأس، من الخوف، ومن الحياة التي "يحررها" الشاعر، بل من الموت الذي "يترجمه" رواية لعالم كامل من اللانوم واللايقين، يأتي الشعر كفانوس خرافي في أعمق الظلمات. وأظن أن "عظمة أخرى لكلب القبيلة" الوداعي، هو وصية، خلاصة الرحلة الممتدة من "مدينة أين" الى "إن كنت نائماً في مركب نوح"، كأفضل اقتراح شعري عراقي للحداثة العربية ما بعد جدار الرواد الأصم. شيء من كثافة الطمي التاريخي لبلاد ما بين النهرين.
يبدو الشعر صنو الحياة، بل هو هي. ومعه ينهمر من بين يديه، هيناً في سيلانه، بديهياً كالمعجزة. كمعجزة طلوع الشمس فجراً في وقت طلوعها المعتاد. وشعر تبدو حقيقته مثل قوة "الوعي" الفلسفي، مثل سطوة شعورنا بسلطة التاريخ إذ يهبط علينا دفعة واحدة ونحن في خضم "لحظة مصيرية". لحظة تتجلى فيها وجوديتنا بإشراقة فكر.
إننا أمام قوة اللغة أولاً، وقوة المعرفة قبلاً. فسركون بولص عريض واسع في الكلام وفائض به، ومشرق وبسيط ولا يمكن بلوغه في وقت واحد. فيخال لنا أحياناً، ونحن نقرأ إحدى قصائده أننا "شبعنا"، أننا بلغنا الذروة والاكتفاء وأن قصيدة أخرى بعدها لن تقدم لنا شيئاً ولن تذهب بنا أبعد.. وسرعان ما يتبدد هذا الظن منذ السطور الأولى للقصيدة التالية. ألهذا لا مقدرة لدينا على "النقد" بل إبداء الدهشة والتعجب إزاء غواية نصوصه؟
يعلمنا، بهذا المعنى، سركون بولص أن نطمع أكثر، أن ندرك الرحلة ـ القراءة بوصفها ذرى لا نهائية وثمة دوماً نغمة جديدة، محطة تالية، نحن أول الواصلين إليها، ومن فور وصولنا (بل بسبب وصولنا) تنبثق محطة جديدة أنأى.. تلوح في الأفق كوعد لا يحتمل التردد.
مات سركون بولص بعد أن رمى العظمة لكلب الشعر، وارتمى هو نفسه في تلك البئر حيث تطوف جنيات السحر، وبقي نهر العراق يتقلب فيه الأموات والأحياء.. ولا أحد على الأسوار.
و"مات المايسترو.. لكن الموسيقى ما زالت تنعزف لمن يصغي". موسيقى سركون بولص الطالعة من قيثارة الآلهة، تلك القيثارة التي ليست لها أوتار.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00