8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

اعتدنا لنعيّن أوقاتنا، لنتذكرها، أو لنستعيد طوراً في حياتنا، القول: قبل 1975، قبل الحرب. ثم قسمنا أعمارنا وذكرياتنا على "ما قبل 1982" أو "بعد الاجتياح الاسرائيلي".
كان تقسيمنا للزمن أو لتحقيب أعمارنا يرتسم وفق قبل أو بعد حدث كارثي الطابع يبدو كثقب أسود يمتص جريان الزمن ويحتجزه، فتبدو السنوات التي تلت عام 1975 مثلاً وكأنها كلها موقوفة على يوم ـ حدث واحد، ممتد ومتكرر.
فالساعات والأيام والشهور والسنوات ما هي إلا تناسخ متصل للحظة زمنية واحدة، إلى أن تأتي لحظة أخرى تماثلها في قوة كارثيتها. فنحن كنا نعيش مثلاً حقبة "ما بعد الاجتياح" إلى أن أتت لحظة "6 شباط" ومثلها مثلاً "أثناء حرب التحرير". وما بين اللحظة واللحظة يمر جيل بكامله وينصرم عمر أو ينصرف فيها شباب هذا العمر.
على هذا المنوال كانت تنكمش الاعمار والذكريات لتصبح بمثقال ذكرى واحدة. فالاستيقاظ والنوم والعمل ومجريات العيش تصير كلها اجتراراً رتيباً للحظة ماضية لا تنقضي على نحو كابوسي، اذ لا يعود الغد يوماً آخر. فهذا الغد ليس إلا أمساً مديداً ومتخثراً.
أي اننا كنا "ننتظر" انصرام هذا الوقت كله لنضعه في صيغة الماضي. نهدر الحاضر والآتي من الأيام (بالسنوات والشهور) في ذاك "الانتظار". فكانت علاقتنا بالزمن قائمة على فكرة انه دورة قدرية بطيئة مكونة من محطات كارثية. كان الزمن كابوساً نعيشه وفق ايقاع الانتظار المأسوي، ووفق استسلام لأقدار ثقيلة سلحفاتية ننوء بحملها من غير حراك تقريباً.
في ذاك العيش ما من جريان طبيعي للزمن: الماضي، الحاضر، المستقبل. ولم يكن بمقدورنا ان نقول "غداً يوم آخر".
فقط، صرفنا عقوداً وحقباً في مستنقع زمني راكد. ولذا ما كان هناك من فارق بين الليل والنهار، طالما ان باستطاعتنا أن "نؤجل" ما نحلم به او ما يتوجب علينا فعله إلى "ما بعد انتهاء الحرب". ولم يكن علينا ان نلزم أجسامنا ونرتب يومياتنا وفق مواقيت عمل دقيقة ووفق تقسيم منظم لأوقات الجهد وأوقات الراحة، أو أوقات السهر والنوم... ما من نظام وما من محاسبة ولا انتظام للزمن الاجتماعي وللزمن الفيزيولوجي.
كنا تقريباً نعيش في "الانتظار" مؤجلين مسيرنا وفق الزمن الذي يحياه البشر العاديون... إلى المستقبل. ذاك المستقبل الذي كنا نتخيله مستحيلاً وبعيد المنال وانه يقبع على مبعدة هائلة في ما وراء الحاضر.
ثم، ومن غير انتباه كبير منا، صرنا نقول: "بعد الحرب". دالين بذلك على أيام مختلفة نعيشها، وتراءت لنا هذه الـ "بعد" شيئاً فشيئاً انها انتماء لمستقبل ندخله ونسير فيه، وشعرنا اننا ما عدنا "ننتظر" بل نستأنف عيشاً مستجداً ويبدو بايقاعه كأنه ملاحقة للآتي وتهيؤاً للجديد وتخطيطاً لاهثاً للغد. شعرنا اننا "نسير" قدماً نحو أمام مفتوح.
من غير انتباه تقريباً تبدل وعينا بالزمن، وتحولت علاقتنا به، فجأة، وبثقة مكتسبة، بات لدينا ما يسميه البعض "الأمل". والأرجح، بات لدينا "أهداف" وهذه الأخيرة لا تتحقق الا بسباق مع الوقت (بالدقائق والساعات) أو بالانتظام فيه وضبطه والانضباط به ومجاراته وادارته.
هذا ما اتاح لنا أن نبتدئ الحياة وان ننخرط فيها، وان نشعر مجدداً اننا نشبه الناس العاديين في البلدان العادية، واننا نتصل بهموم يومية تطرأ علينا وتفاجئنا، تماماً كما يحدث في حياة طبيعية.
وهذا ما أتاح لنا أن نفكر ونخطط لأمور عادية: ان نرفع سقفاً، ان نفتح حساباً مصرفياً، أن نسدد رسوم البلدية، أن نداوم في مكتب، ان نتهيأ لـ"عطلة اسبوعية" ان نحسب لقرض مالي، وأن نشتري سيارة بالتقسيط، وأن نطمح بشقة أوسع أو بعمل تجاري مغامر... بعلاقة عاطفية جديدة، بإنجاب طفل (بلا تخوف)... أو فحسب، أن نقوم بنزهة جبلية، بل وأن نحلم بيوم كسل، أو برحلة سياحية.
وهذا ما جعلنا نعمل أفكارنا وغرائزنا في مسعى يومي لإنجاز أهداف فردية أو أسرية، ولتحقيق طموحات صغيرة أو كبيرة... أي ذاك السعي البشري "نحو السعادة".
تم ذلك، كالعدوى، حين صارت السياسة نفسها لا تقوم على كليات قدرية مؤبدة، متصارعة... أي حين صارت "مشروعاً" لتدبير المستقبل، لتهيئة الحاضر وفق فكرة المستقبل... فيتحقق للتو جريان الزمن وسيلانه. بمعنى آخر، عدنا و"دخلنا العصر الحديث".
ومن سمات العصر الحديث، بداهة، الوعي بالتاريخ والتحكم بالزمن. ومن سمات الحياة الحديثة، الانتظام وفق مواقيت عامة ومشتركة، محلية وكونية.. مواقيت تتصف بالتقدم المضطرد، بالحركة السهمية الى الأمام، الى ما بعد غد، والمفعمة برغبة الإنجاز والتطور و"استثمار" العمر باقتصاد فردي واجتماعي.
هذا هو الفارق النوعي بين زمن الحرب وزمن السلم. ويمكن القول إن الانجاز الكبير حقاً الذي عمله رفيق الحريري هو اعادة السيطرة على الزمن وتحويله من مستنقع الى مجرى وتسييله.
فإصراره على كلمة "مستقبل" ورفعها شعاراً، متأت من هذا الوعي الاستثنائي لأهمية تبدل علاقة اللبنانيين مع فكرة الوقت، وتحويلها من علاقة "انتظار" يائس، قدري الى علاقة مبادرة وتحكم، أي الى علاقة تكمن فيها عبارة "لدينا أمل"....
كان مشروع الحريري يتمثل في القول "نفتتح اليوم المركز الفلاني..." "ندشن اليوم المستشفى الفلاني" أو "في الشهر المقبل، انشاء الله، سننتهي من بناء.." أو "خلال العام المقبل سنكون قد حققنا كذا وكذا.." كان هناك جدول زمني لمشروع أقل ما يقال فيه انه "تدشين المستقبل".
ولذا نجحت ثقافة "العمل" ومقولات النجاح في الانتشار واستوى مزاج الناس على تغليب الأمل، وعلى أن يباشروا ما كانوا يؤجلونه طوال عقدين أي ان يبنوا ويغامروا وينطلقوا بحوافز الكسب وتحصيل الامتيازات والترقي.
وفي المقابل باتت الدولة جسماً مرئياً وفاعلاً تضع الخطط والموازنات وترسم سياسات مستقبلية وتجذب أفكاراً جديدة وتطور التشريعات والقوانين وتتحمل مسؤوليات النظام العام. لقد بدأ "السيستام" بالعمل.
هذا هو الإنجاز الأبرز لرفيق الحريري.
لكننا في لبنان، حيث لا تنتهي التناقضات. اذ بمواجهة روزنامة رفيق الحريري ومن معه من اللبنانيين، كانت الروزنامة الأخرى لا تزال تمانع، ولا تزال تسيطر على جماعات وسياسات فكانت تصنع ميكانيزمها الخاص ومواقيتها الخاصة. فتستجلب مثلاً لحظة "عناقيد الغضب" وتستجلب مراراً عمليات "التوقيت الخاطئ" قصداً وعمداً، ثم تنتج لحظة تظاهرة السواطير والفؤوس و7 آب 2000، وغيرها من اللحظات التي تستدعي زمن الحرب وايقاعها.
انتهى الصراع بين الروزنامتين في الساعة الواحدة إلا خمس دقائق ظهر يوم 14 شباط 2005، لحظة تفجير واغتيال رفيق الحريري.
هكذا توقفت الساعة، ساعة مشروع رفيق الحريري، لننسحب من زمنه ونعود الى ذاك الزمن القدري الذي ينظم المواقيت بين انفجار وانفجار. بين اغتيال واغتيال وهكذا دخلنا مجدداً في اللازمن، لتتوقف السياسة ويتعطل الاقتصاد ويتصدع المجتمع... ويبتعد المستقبل منفصلاً عنا.
بهذا المعنى بتنا نؤرخ أيامنا بالقول "بعد 14 شباط" مبتكرين روزنامة جديدة: "1098 يوماً بعد الجريمة" (راجع مقالة الزميل حسن داوود ص 9)، أو نقول "بعد 14 آذار 2005" أو "8 آذار".
ثلاث سنوات انقضت على اغتيال رفيق الحريري، ثلاث سنوات لا يتحرك فيها الزمن، متخثراً كضربة قدرية راقدة .. "بعد حرب تموز"، حيث لا يسعنا سوى "الانتظار" اليائس مجدداً، مؤجلين العيش، خاسرين الحلم.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00