8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

نشأت، كمعظم الشبان اللبنانيين والعرب، في بيئة تحضّ على خصلة "التمسك بالعقيدة". فيقال عن الملتزم بمبدأ سياسي أو حزبي، بنبرة توقير: إنه رجل لا يتزحزح عن مبادئه. عنى ذلك لنا، في مراهقتنا، أن الإنسان السوي هو الذي لا يطرأ على اعتقاده تحوّل أو تغيير أو مراجعة. فيكون والحال هذه أن الذي يصادفه المرء، وهو في فتوته، من دعاية أو دعوة وتروق له... لا يسعه بعد ذلك أن يخطّئ نفسه أو يبدّل قناعته، فالذي انتسب مثلاً الى حزب قومي يوم كان عمره 16 عاماً عليه البقاء عضواً فيه مدى حياته، وإذا خرج منه واستقال عُدّ متخاذلاً أو ساقطاً أو ضعيفاً أو فاسداً أو حتى خائناً. حتى عموم الناس تنظر الى هذا المستقيل أو المتبدّل على أنه شخص لا يؤتمن منه أو عليه، فيكون باستمرار موضع شك وريبة.
وعلى هذا يكون المرء مؤمناً أو ملتزماً بفكرة أو بزعيم أو بحزب من غير أن يخضع هذا الإيمان لاختبار الأحداث والمعيشة والمصلحة وأعمال النقد والمقايسة والمقارنة وما سوى ذلك من حقائق الحياة واشتغال العقل والقلب. والفصل بين هذا الإيمان من جهة وما تجلبه الحياة من تجارب وأسئلة وتحوّلات لا حدّ لها، إذ يتيح للعقيدة "ثباتاً" ميتافيزيقياً يجعل المؤمن بها يعيش زمناً واحداً متصلاً وساكناً، فما كان في طور مراهقته يكون في طور كهولته، وما صادفه واختبره في الحياة وتصاريف الزمان لا يدخل إليه ولا يخترقه ولا يزحزحه عما هو فيه، طالما أن عمره كله منذور من أجل البقاء على العقيدة وثباتها.
و"إنسان المبدأ" هذا تشوبه، سلوكاً ورأياً، بعض الأعراض التي تميّز الأطفال المصابين بداء "التوحد": صعوبة التواصل وصعوبة التعلم وصعوبة إدراك الزمن. فيكون متوزعاً بين عالمين. الأول خارجي، هو ـ بالنسبة إليه ـ مجرد أطياف وصور متلاحقة وأحداث زائلة لا تستحق التأمل ولا أخذ العبر منها ولا التأثر بها. والثاني داخلي، هو حقيقة ثابتة ووعد مستقبلي ومعنى أخير للوجود. أي أن المعتقد هو الجوهر والحياة هي العارض.
ومجتمعاتنا التي تبجل ثبات المرء على عقيدته وتمقت المتحولين والشكاكين منهم على وجه الخصوص، هي على حال ذاك الإنسان الإيديولوجي الراسخ في إيمانه، فلا يبدل من "ثوابتها" ما جرّه أصحاب "الثوابت" عليها (بل وما جرّته "الثوابت" نفسها)، ولا يغير من تأييدها لصدام حسين مثلاً اكتشاف قرابة أربعمئة ألف رفات عراقي في مقابره الجماعية، ولا يزحزح حبها لـ"الاستشهاديين" حتى وإن بدأوا بتفجير أنفسهم في أسواقها واحتفالاتها ولا يخفف كراهيتها (العقائدية) للآخر حتى وإن أتى هذا "الآخر" بنزر يسير من الخير.
في أواخر الثمانينات صُدمنا حتى النخاع إذ اكتشفنا أن ثمة "ليبراليين" عربا، وأنهم يعلنون ذلك على رؤوس الأشهاد، وأنهم يبشرون بأفكار الليبرالية ـ الديموقراطية. وأصل الصدمة يقيننا أن هؤلاء من صنف عملاء الاستعمار والصهيونية والإمبريالية. وطالما أننا جئنا من منابت التربية "العقائدية" إياها، فقد كنا "ثابتين" في رأينا بـ"الاستعمار" على نحو ما وصلنا من توصيف له أو تخيلناه فيه، وتظل "الصهيونية" في تعريفنا "اغتصاباً" و"إبادة" وتبقى الإمبريالية "إمبريالية" (لم نعرف حينذاك تعريفاً لها لكنها شبه شتيمة). أما صلة الثالوث هذا (الاستعمار ـ الصهيونية ـ الإمبريالية) بالليبرالية والديموقراطية، فظنناها صلة عضوية، أو هكذا أومأ إلينا في كلام الجرائد وهتافات التظاهرات وخطب "القادة" و"المسؤولين"... وما شُبّه لنا صار بداهة.
وهكذا، مسبقاً، تم الحكم على هؤلاء الليبراليين ما يُحكم به عادة الهراطقة والكفرة والخونة.
وزاد في روعنا من خبر ظهور هؤلاء الليبراليين أنهم كانوا قبل ذلك "على جادة الصواب" أي من البارزين في أحزاب وتيارات سياسية أو من "المثقفين الملتزمين" (المثقف الملتزم أي الذي يبكي مع بكاء الجماهير). أما نحن، شبان الثمانينات المقبلين على عالم الكتابة والصحافة والأفكار فكنا بأغلبيتنا خارجين من تجربة حزبية ومن تجربة الحرب من غير أن "نتمادى" في هذا الخروج الى حد مساءلة "الثوابت". فكنا والحال هذه "مؤمنين" مستقلين، أي "وطنيين" (حسب رطانة دارجة)، فلا يجوز أن نسائل يساريتنا أو عروبتنا، ناهيك عن مساءلة تاريخنا وأفكارنا وبداهاتنا.
إضافة الى ذلك، كنا أيضاً نحتفي باعتناقنا "الحداثة" وفق الطقوس إياها التي مارسناها أيام اعتناقنا لمبادئ أحزابنا وإيديولوجياتنا.. إيماناً وتلاوة وتبشيراً.
في ذاك الوقت، كان شائعاً بيننا أن هناك عصبة ليبراليين عرب تبثّ دعواها من جريدة "الحياة" اللندنية، من بينهم حازم صاغية، الذي كنا نتابع مقالاته وأطروحاته بكثير من التعجب والاستنكار العلنيَين والكثير من الحيرة والبلبلة في السر. فنلعنه هو وصحبه ونعجب بذكائه وألمعيته في آن واحد. وإذ شعرنا مع الوقت أن ما يكتبه صاغية يسبب فينا شكوكاً وأسئلة وبلبلة، رحنا نبحث عن ما يحصننا منه ويبعد عنا مصابه. ووجدنا ضالتنا في شائعة وأقاويل هي كانت بالنسبة إلينا بمثابة "الفضيحة" عنه: إن حازم صاغية كان ناصرياً ثم صار بعثياً ثم انقلب قومياً سورياً وبعدها بات شيوعياً الى أن أصبح خمينياً قبل أن "يرتد" ويصير ليبرالياً عميلاً للغرب.
هكذا ولأنه "ينقل بندقيته من كتف الى كتف" ومتقلب وغير ملتزم، فلا يصح له أن يكون صاحب رأي ولا صدقية. ولذا فإن ما يكتبه حتى لو بدا صائباً يكون موضع شبهة، وأفكاره لا قيمة لها بذاتها طالما أن صاحبها وكاتبها هو من هو.
مع هذه "الفتوى" استعدنا توازننا ومناعتنا.. لكن الى حين. إذ إننا من غير أن ندري كنا قد ابتدأنا منذ خروجنا من أحزابنا مسيرة هرطقة وقلة إيمان وضعف وشك، فما عدنا "نثبت" على رأي، منذ أن سمحنا للوقائع والأحداث ومجريات الحياة أن تُجري امتحاناً واختباراً لمعتقداتنا وأفكارنا وآرائنا. وهكذا أخذنا على حين غرة وبتنا "ساقطين" شيئاً فشيئاً وعلى شبه قرابة بصحب حازم صاغية وأقرانه.
وإذ أقرأ كتاب صاغية "هذه ليست سيرة" أنتبه الى أنها لا تروي سيرة ذاتية عن تقلّباته وتحوّلاته الفكرية والسياسية والحزبية بقدر ما تروي سيرة أكثرنا ولأكثر من جيل. والفارق البيّن ما بين سيرته وسيرتنا هو فارق الزمن فحسب، فهو المبكر ونحن المتأخرون.. على ما تبيّن لي أثناء القراءة، فها هو في مطلع الثمانينات مع أصدقائه: وضاح شرارة، حسن داوود، محمد أبي سمرا، عباس بيضون.. وآخرين يرزحون تحت الخوف والقصف كمواطنين أسوياء يدركون عبثية الحرب وانتحارية المتورطين فيها وهباء شعاراتها وإيديولوجياتها، محصلين وعياً بالسياسة وبالتاريخ وبالذات ينأى بهم عما كنا فيه في ذاك الوقت من تورط أحمق سلاحاً وسياسة.
وحسب رواية صاغية نراه وأصدقاءه في العام 1984 مثلاً يحاولون البقاء على قيد الحياة وحماية أسرهم وتدبير عيش وحفظ ما تبقى من مدينتهم وما يصلهم بالعالم، في حين كنت في ذلك الوقت، في المكان ذاته ببيروت مطلقاً النار، قاطعاً الطرق، مخرباً الممتلكات العامة، متورطاً بالقتال والتخريب ومعارك الزواريب (من أجل العقيدة والمبدأ) عادماً الحياة في الشوارع مروعاً الناس.
هو فارق الزمن ما يميّز سيرة حازم صاغية وجيله عن سيرة جيلي ليس إلا، لكنه فارق مرعب طالما أن مجتمعاتنا ما زالت راسخة على "ثوابتها" ولا تتيح لتجارب الأجيال والتاريخ أن تمسّ تلك الثوابت فيكون الجيل الحالي من الشبان على احتمال واستعداد لتكرار شباط 1984 في كل حين.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00