نحو 14 آذار 2008 علينا التحرك والمسير منذ الآن. نحو ربيع بيروت جديد، نحو "استنفار" مدني ضد "تهديدات" حسن نصر الله بالفتنة، نحو تعبئة سلمية ضد التحريض العنفي لحزب الله، نحو "انتفاضة" سياسية بوجه الوقاحة السورية، نحو الجرأة ضد الخوف ونحو الكلمة ضد الاغتيال.
لا كثير وقت أمامنا، انهم يبشرون بالانقضاض بعدما نجحوا في الانقلاب والتعطيل. انهم يروننا ـ عن حق متراخين، دائخين، خائفين. وعلينا ان نستجمع شجاعتنا، وبساطة موقفنا ووضوح رؤيتنا: دفاعاً عن الجمهورية، دفاعاً عن لبنان، دفاعاً عن الديموقراطية والاستقلال.
خجلهم حين كنا نصرخ "حرية، سيادة، استقلال" انتهى. انهم يهزأون علناً وأمام جميع اللبنانيين، لا فقط بشعاراتنا وتطلعاتنا، بل أيضاً بشهداء هذه التطلعات، لا سجال اخلاقياً هنا. لقد تخطوا الأخلاقيات وداسوها. ولا سجال دستورياً بالتأكيد اذ هم ذهبوا بعيداً في الخروج عليه. ولا يمكن إحراجهم لا بوثيقة الوفاق ولا بنتائج طاولة الحوار، لا بالطائف ولا بأصول النظام (الديموقراطي)، إذ إنهم أقروا علناً عدم التزامهم بأي منها.
ميليشيات حزب الله، المتورمة سلاحاً وأوهاماً سياسية وضغينة، وبمعونة "الأستاذ" نبيه بري و"الجنرال" ميشال عون، تسلت كثيراً بلغتنا المهذبة، بافتراضاتنا انهم يحتكمون لـ "المشترك اللبناني". هذه الميليشيات لاعبتنا طويلاً باللياقات والأصول، وابتزت فينينا لهفتنا لحفظ السلم، وخوفتنا من "استفزازها" اذ هي دوماً على استعداد لتنفيذ التهديد اليومي بالفوضى والخراب. لقد لعبت واحتالت علينا: "تريدون صون لبنان، إذاً عليكم إرضاؤنا". وهذا الرضى يتحصل إذا ارتضيتم بعودة "العلاقات مع سوريا" (وفق التصور السوري طبعاً)، وإذا تخليتم عن صفتكم "الأكثرية"، وإذا تنكرتم لكل القرارات الدولية، وإذا اغلقتم سفارة فلسطين، وإذا صمتم عن الاغتيالات، وإذا قبلتم بلبنان دولتين: دولة حزب الله تصنع الحرب والسياسة وتمسك السلم الأهلي والاقليمي كملف تفاوضي ايراني ـ سوري، داخل دولة لبنان الصورية التي عليها من دون مساءلة "اعالة" الرعايا و"تعويض" المتضررين الموسميين من مغامرات حزب الله.
أيضاً رضاء حزب الله وحلفائه يكون بأن نعادي الدول العربية، ان نقطع علاقاتنا بالدول الأوروبية، وان "نحارب" اميركا دفاعاً عن سوريا وإيران وحركة حماس وشلل جيش المهدي. فهذا الحزب الذي استدعى اسرائيل وجرها الى الحرب في تموز 2006 وجر لبنان الى "نصر الهي" بوعد صادق قابل للتكرار أبداً مع أو من دون أسيرين.. ما عاد صابراً على الاكتفاء بـ"الوفاء" لسوريا على مبعدة، انه يحن للتحاضن ما بين غرف عنجر والمربع الأمني وصندوق مزارع شبعا (حيث تبادل الرسائل مع العدو).
"السيد" يهدد بالحرب الأهلية. النظام السوري وصلت به الجرأة والصلاخة في الآونة الأخيرة (تصريحات الثنائي الشرع ـ المعلم) إلى حد انه نسي انسحابه من لبنان، ويتصرف وكأنه مجدداً "ولي الأمر" (من انجازات ميشال عون شخصياً).
لا وقت أمامنا. انهم يحضرون لـ"6 شباط" مشؤوم جديد، انهم جديون للغاية، تماماً كما أعلنوا انهم يستعدون لما هو أسوأ من 23 كانون الثاني. الغوغائية التي يتسلحون بها تمرنت جيداً في ليلة رأس السنة في احياء البسطة والنويري وبرج ابي حيدر. انهم على وشك الانفلات.
إلى ربيع بيروت قبل فوات الأوان. لا تنخدعوا بورقة تشامبرلين التي جلبها من هتلر. الصفعة السورية لدبلوماسية الفرنسية كانت آخر الدروس والتجارب. انها الكذبة إياها ونحن نعرفها تماماً كما حدث يوم الاعتكاف ثم يوم الاستقالة الوزارية. انها الكذبة اياها التي اغلقت ابواب مجلس النواب، والكذبة نفسها التي نسفت طاولة الحوار والخط الأزرق والجسور. لقد أكلنا عنقود الكذب عن آخره.
انتهت مدة المماطلة، وانتهت امكانيات التسوية. كل تنازل قدمناه كان مقدمة لمطلب أسوأ وتنازل أسوأ. ان لم نتخذ الآن موقفاً صلباً ونرمم هذا الصدع الذي يعتري السد، فسيتقوض سريعاً وستجرفنا المياه ونغرق. الآن هي لحظة الكبح قبل الانزلاق.
يجب ان نستعيد المبادرة، والروح الخلاقة، وأن نخرج من شروط اللعبة علينا الآن تنظيف الغبار الذي علق على لغتنا وشعاراتنا ولوث اصواتنا. علينا العودة سريعاً إلى الهواء الطلق، إلى النضارة، إلى الشجاعة... والأهم ان نعود إلى النصاعة الأخلاقية التي ميزت تلك الانتفاضة المدنية السلمية.
مضت سنوات ثلاث، خسرنا طائفة مخطوفة ونصف طائفة مخدوعة، لكن، لننسى الطوائف، اذ عندما نزلنا الى ميدان الحرية لم يكن وليد جنبلاط زعيماً درزياً بقدر ما كان قطباً من المعارضة الديموقراطية. ولم يكن الرئيس الحريري زعيماً سنياً، بل شهيداً وطنياً، مات من اجل الاستقلال، ولم يكن أمين الجميل وسمير جعجع زعيمين مسيحيين، بل رمزين للممانعة اللبنانية بوجه الوصاية. ولم ننزل من أجل السياسيين، بل كنا شباناً ورجالاً وصبايا ونساء نصنع سياستنا وكنا مدنيين ومواطنين نعبر عن تطلعاتنا بالنهوض والرخاء وتوقنا لقيام دولة مستقلة ديموقراطية يحلو العيش في ظلها لا أشباح ديكتاتورية فيها ولا قمع ولا تهميش ولا غبن. نزلنا طمعاً بدولة القانون والحريات العامة ودفاعاً عن مكتسبات السلم الأهلي وثماره. نزلنا لا لوهم "هانوي" ولا لوهم "هونغ كونغ" بل من أجل حقيقة بيروت نفسها.
علينا فوراً، العودة الى "أخلاق" 14 شباط ـ 28 شباط ـ 14 اذار 2005، تلك "الأخلاق" التي صنعت سياسة منتصرة، سياسة بديهية، نقية وبسيطة: لا للاغتيال، لا للوصاية، لا لحروب الآخرين على أرضنا.
لا بد من سياسة غير "سياسية" لا تنتظروا لا العرب ولا الأجانب. تماماً كما حدث يوم 28 شباط 2005. يومها أتت النصيحة الأميركية ان "أوجدوا تسوية مع سورية.. نحن لن ندعمكم، نحن مشغولون جداً بالوضع العراقي". ويومها كانت النصائح العربية محبطة اكثر، ومع ذلك نزلنا الى الساحة وأسطقنا الحكومة، وانطلقت "ثورة الأرز" رغماً عن كل "السياسات" لتكون واقعاً وحقيقة سياسية جديدة.
الى ذاك الزخم، الى قوة المواطنين، لا دفاعاً عن "حكومة" ولا من أجل "استحقاق رئاسي"، لا باسم "الأكثرية"، ولا باسم "تيار المستقبل"، أو الحزب التقدمي أو القوات اللبنانية، أو حزب الكتائب، لا كسنة ولا كدروز ولا كمسيحيين ولا كشيعة. بل نعود الى صفتنا كمواطنين يدافعون عن الجمهورية وعن الدستور وعم القيم الديموقراطية وعن السلم الأهلي.
من الملح الآن ان نظهر "الانقسام" الحاد، على نحو أخلاقي لا سياسي. بوصف هذا الانقسام يتجاوز التنافس الديموقراطي على السلطة الى خلاف على طبيعة الدولة ونظامها. فهو خلاف على الجمهورية اذ لا يدرك معظم اللبنانيين ان ما يسمى بـ "المعارضة" تسعى الى اعادة النظر في جوهر التسوية التاريخية بين اللبنانيين وحزب المناصفة الاسلامية المسيحية نحو كانتونية مذهبية حيث يمنح كل حزب سياسي مهيمن على مذهب او ملة حق احتجاز "رعيته" واستخدامها كورقة فيقوى على الدولة ويسعه الخروج عليها ونزع الشرعية عن المؤسسات الدستورية القائمة. ثم انه خلاف على حق اللبنانيين في تقرير مصيرهم دون وصاية سورية طالما ان حزب الله ومن معه ينكر على لبنان حقه بالحصانة بقوة القانون الدولي وبالشرعية العربية ويرفض المحكمة الدولية ويربطه لبنان كساحة بصراع الآخرين، مهدداً بالفوضى والفتنة.
من الضروري ايضا تعميم المعنى الحقيقي لشعار "التوافق" الذي تطرحه جماعة حزب الله بوصفه "توفيقاً" بين الدولة والدويلة، وبوصفه شراكة حكم بين سوريا النظام و"الادارة" اللبنانية.
ان الخطاب الذي ينبغي الان تأليفه وهو الذي يقول ان الصراع الآن يقوم بين اسلوب عيش تعددي منفتح الثقافة متفاعل مع العالم، وأسلوب عيش "الجمهورية الاسلامية" المحروسة بالباسيتج الايراني. بين نزعة اللبنانيين للرخاء والرفاهية ودعوة راديكالية بالانكفاء والغيتوية.
انه صراع بين ثقافة السلم والعيش معاً وثقافة تمجد العنف وتكره الآخر المختلف. بين التسامح والتكفير. بين العدالة والقتل.
الى ربيع بيروت 2008 غداً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.