8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المأدبة المعدة للقطط تلتهمها الكلاب

أخيراً، تخلّص فيلم "خلص" لبرهان علوية من براثن المعوقات الانتاجية والمادية، وخرج منتهياً منجزاً، لتبدأ عروضه مع حفل الافتتاح في كازينو لبنان يوم 30 تشرين الثاني الماضي، وليصير في متناول بصر الجمهور في صالات "أمبير" (السوديكو)، و"متروبوليس" (مسرح المدينة الحمرا) ابتداء من 6 كانون الأول الحالي.
وسيرة فيلم علوية من الفكرة الى العرض امتدت منذ أواخر التسعينات وحتى أيامنا هذه. فمن كتابة السيناريو الى البحث عن التمويل والانتاج، إلى بدء التصوير وانتقاء الممثلين والمواقع، وصولاً إلى التحميض والانتاج والتظهير، ثم تسديد الديون و"تحرير" الفيلم واستعادته، انتهاء بتقديمه وعرضه على الجمهور... استلزم كل هذا نحو عقد من الزمن. وهو الوقت الكافي لاستنزاف طاقة المخرج الذهنية والبدنية وانهاكه جسداً وروحاً، عدا عن كونه وقتاً مديداً "يستهلك" عادة القوة التعبيرية لمضمون أي فيلم وأي صورة.
هذه السيرة "الانتاجية" تطابق الحكاية التي يرويها فيلم "خلص"، في مفارقة روائية مخيفة، اذا ما تخيلنا مثلاً مؤلف رواية يستيقظ فجأة ليجد نفسه داخل روايته، فاما ان يكون الواقع قد اختفى واما ان الكتاب قد اختفى واصبح هو الواقع نفسه. الهذا استبدل برهان علوية اسم الفيلم "الحب مر من هنا" ليصير على شاكلة صرخة استنجاد: "خلص"؟
يروي الفيلم حكاية أحمد، الشاب اللبناني والمقاتل الحزبي السابق، وهو يحاول ابتداء حياة جديدة كصحافي في زمن السلم، متخبطاً بقصة حب، ومصطدماً بتحول القيم والتغيير الاجتماعي والاخلاقي، حيث في مناخ اعادة اعمار المدينة يبدو المجتمع الذي مزقته الحروب، كما تظهر الأفكار والايديولوجيات وقد انهارت وتبددت.... لتسيطر قوة المال وروح الكسب والربح كقيمة اخلاقية عليا.
احمد اليساري السابق، الشاب الذي يخسر حبيبته "عبير" المنجذبة الى الثري الكبير السن والمقترنة به رغبة بالجاه والأمان والصعود الطبقي، يجد نفسه غير متأقلم مع الاخلاقيات الجديدة فيخرج مطروداً من عمله في الصحيفة، ثم تأتيه الصدمة من الخيار الذي اتخذته حبيبته المتخلية عن عواطفها من أجل "المصلحة" مرتعباً من الرافعات في ورش البناء وهو يرمقها من على شرفته ناظراً اليها وهي تغير وجه مدينته، فيخرج يائساً مدمرا، مفكراً بالانتحار.
في الوقت نفسه يعيش رفيق دربه وصديقه وشريك سكنه "روبي" الطامح الى ان يكون سينمائياً، مساراً مشابهاً، اذ ان بطل شريط الفيديو الذي يصوره هو أحد أيتام الشوارع الآتي من هجرات الجنوب القسرية الى ضاحية بيروت، يتعرض للدهس ثم للموت على طاولة مستشفى رفضت علاجه لتعذر توافر المال
"روبي" المحبط وأحمد اليائس سوية يكتشفان أن قائدهما الحزبي الذي بات رجل أعمال، هو المسؤول الأول عن شعورهما بالخيانة، وان الثري الذي استحوذ على الحبيبة هو المسؤول عن فساد القيم، وان مدير المستشفى هو المسؤول عن الانهيار الاخلاقي.
في هذا المناخ، وعلى خلفية الركض نحو الربح والمال في مدينة تتفشى فيها مظاهر البذخ والانحلال واتساع الهوة الاجتماعية، يقرر روبي وأحمد بعد أن فقدا آمالهما وطموحاتها، الانتقام.
يتحول الفيلم إلى نمط "الأكشن" مع هذا القرار، فيبدأ مسلسل "الأكشن" من سرقة سيارة فارهة من أمام احدى حانات بيروت، ليقوداها الى حيث شقة مدير المستشفى، ليقترفا جريمة قتله مع صاحبه، ويستوليا على أمواله المكدسة تحت سريره، ثم يذهبان الى الفندق، مقنعين بقناع وجه "غيفارا" حيث يقطن المسؤول الحزبي السابق ليذيقاه حتى الموت نقيع كتابه الايديولوجي "الثوري" بالماء والمخدرات. وإذ يتسللان إلى قصر الحبيبة السابقة، يعجز أحمد امام الحبيبة النائمة عن اطلاق النار. اذ تتغلب مشاعر الحب على الكراهية وروح الانتقام.
آثار اقتحام القصر التي ستلحظها "عبير" الحبيبة، ستوقظ فيها مشاعر الحنين إلى أحمد مرة ثانية، هي التي تنبهت في سيرتها الزوجية القصيرة الى الثمن الروحي والأخلاقي الذي تدفعه في سعيها لحياة الترف، فتقرر العودة الى حضن أحمد. هذا الأخير وصاحبه "روبي"، وفي انتقامهما الأخير الموجّه ضد المدينة نفسها وضد مجتمعها، يقرران اقامة حفل عشاء كبير في الهواء الطلق وسط المدينة لقطط الشوارع، كما تكون حقاً الحفلات الباذخة والطاولات الأنيقة والموائد المترفة وزينة الشموع والورود وبصحبة فرقة موسيقية كاملة. حفل عشاء تنجذب اليه القطط بطلة فيلم روبي الافتراضي... إلى أن تأتي الكلاب لتستولي على المكان. لتبدو المدينة (بيروت) وكأنها منقسمة سكاناً وحياة بين قطط وكلاب في فضاء تتصارع فيه أصوات المواء والعواء.
الخيار الأخير، النهاية تكون بالهروب من هذه الحلقة الجهنمية. بهجرة أبطال الفيلم الى سيدني، استراليا على وقع صوت كابتن الطائرة وهو يقول "غرباً ترون الصحراء العربية، شرقاً ترون الصحراء العربية، جنوباً ترون الصحراء العربية، شمالاً ترون الصحراء العربية".
هكذا في المكان الذي "مر فيه الحب" لا تنتصب سوى صرخة "خلص" والخلاص هنا هو الهروب.
نكتشف ان ما أصاب الفيلم من معوقات وعثرات واحباطات كثيرة منعت انجازه وعرضه طوال أكثر من عشر سنوات تشابه أولاً سيرة حكاية ابطاله. وتشابه ثانياً سيرة المدينة وأحلام ناسها في السنوات العشر المنصرمة. فمشروع السلم والاعمار وبناء الدولة وانجاز دورة حياة طبيعية .... مصاب بالاحباطات والمعوقات والعثرات عينها.
على سوية أخرى، يعمد برهان علوية في فيلمه الى تحقيق صورة سينمائية متحررة من القوالب التي التزم فيها المخرج في افلامه الروائية السابقة. فأسلوب الحركة "الأكشن"، والتنويع الدرامي بين المسار الرومانسي والخلفية السياسية، والواقعية الاجتماعية المباشرة، والنفحة السوريالية واللمحات الكوميدية.... جعل "خلص" فيلماً متنوع الايقاعات متسارعاً. ومتعدد الاساليب تماماً كما في موجة الافلام المعاصرة التي تعمد الى صهر الانماط التصويرية ومجاورتها في سياق لاهث وكثير التقاطعات المونتاجية. فتكون الغلبة في قول السيناريو للصورة لا للحوار.
بهذا المعنى، اعتمد المخرج على القدرات التمثيلية لاجسام وهيئات ممثليه لا على تقنيات ادائهم، ليبرز فادي ابو خليل (أحمد) بجسده المكهرب وقدرات تعبيرات وجهه ويديه وصوته المؤثر، كظاهرة تمثيلية لبنانية نادرة في السينما اللبنانية.
فهذا الممثل استطاع وحده ان يحقق الزخم الذي يتطلبه الاسلوب الجديد لبرهان علوية: الحركة التعبيرية، واللغة الصامتة، لغة الصورة المتوترة. فالعصب والاضطراب العضلي والقلق الفائر من وجه البطل أحمد، منح "خلص" تلك الطاقة والحيوية، التي سعى اليها علوية بقدر سعيه الى عدم الاستسلام لغواية "الاكشن" تاركاً المجال لمزاجه القديم المنحاز للرمزية والشاعرية ان تحتل مساحات غير قليلة من الفيلم (مشهد العرس، مشهد الحلم، مشهد محاولة الانتحار...).
والملفت حقاً ان "خلص" وعن سابق تصور وتصميم، مصنوع كفيلم جماهيري، وفق مواصفات سينما الجمهور العريض، وفي مواءمة بين "سينما المخرج" التي كانت دوماً مسيطرة على الفيلم اللبناني، و"سينما المنتج" التي تكسب السوق وشباك التذاكر علي حساب المستوى الفني.
هذه المواءمة قد تكون مدخلاً لسينما لبنانية "نظيفة" و"فنية" و"جماهيرية" في آن واحد. ويبدو ان هكذا وصفة باتت ممكنة ومتحققة في أكثر من فيلم لبناني شاهدناه في الآونة الأخيرة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00