8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"على النثر أن ينشب مخالبه في رقبة الشعر الهزيلة".
كتب سركون بولص هذه العبارة في ديوانه الأول "الوصول الى مدينة أين" (1985). وبعد مضي أكثر من عقدين، تُضاء هذه العبارة بوصفها منفذاً جديداً للشعرية العربية.
إن الحوار غير العلني اليوم حول مسالك الكتابة الشعرية باللغة العربية، ومستقبل القصيدة، يتركّز ويندفع انطلاقاً من عبارة سركون بولص تلك. وإذا ما عرفنا أن هذا الشاعر الذي كان يشبه عدّاء ملعوناً لا يتوقف عن الركض جسداً ولغة، حتى يخيّل إلينا أنه مات مهرولاً واقعاً عن حافة جرف.. إذا عرفنا أنه لم يمتلك "بياناً" نقدياً ولا مقولات يوزعها تنظيرات ومقالات وأطروحات، أدركنا خطورة عبارته الوحشية تلك، التي وصلت أخيراً الى سطح الوعي الشعري وحرّكت مياهه بخبطة كبيرة.
الحوار اليوم بين التجارب الجديدة هو، بمعان مختلفة، إنقاذ "الشعرية" من شروط "القصيدة"، أو على الأقل توسيع فن القصيدة، وبمقاربة أخرى، إستكشاف قوة النثر وطاقته على توليد الشعر تحديداً. ما أنجزه بول شاوول في كتبه الأخيرة مثال ساطع. وما كتبه عباس بيضون نموذج مغرٍ، وما نشره بسام حجار "الرجل الذي أحب الكناري"، و"مجرد تعب" دليل باهر، كذلك محاولة أمجد ناصر (المقالة الشعرية)، وكتابات بلال خبيز وشارل شهوان وصولاً الى الجيل الأخير مع ناظم السيد مثالاً لا حصراً.
راهناً، يبدو نداء سركون بولص اليائس قد وصل الى مسامعنا، بل يبدو أن نصوص سركون بولص كلها، لأول مرة، ستُقرأ حقاً.
أسوأ ما أصاب هذا الشاعر أنه ابتدأ بكتابة قصائده في أواخر الستينات، وابتدأ بنشر شعره كتباً منذ منتصف الثمانينات. كان الوقت، ببساطة، غير مناسب ومجحف. حينها كانت البطريركيات الشعرية وسلطاتها تفرض ذائقة تزيح عن القراءة ما كان يكتبه بولص الى خانة "الأجنبي" (بمعناها الأولي). ألهذا لم يستطع لا البقاء في بغداد، ولا الانتماء الى مجلة "شعر" بيروت، ولم يجد ناشراً إلا بعد سنوات مديدة وفي أثينا تحديداً؟ ألهذا ظل هارباً غرباً حتى وصل الى شاطئ المحيط الهادئ عند ميناء سان فرانسيسكو، ألهذا لم يجد رصيفاً عربياً يركن عند مقهاه، ومات هناك في برلين؟
ظل سركون بولص، بالنسبة إلينا، كمثل كتاب تلمود في يد يهودي بإسبانيا عهد محاكم تفتيش. كتاب سري يوصلنا بربة الشعر وشياطين القصيدة. كان خارج الواجهة محفوظاً في القبو، نعود إليه هرباً من الصخب والضجيج، نقرأه بسرية طلباً للإلهام. كان هو في القبو بينما الكاتدرائيات الشعرية ترفع أبراجها وتشيع سطوتها.
في الآونة الأخيرة، وأستطيع أن أؤرخ مع انعقاد مؤتمر قصيدة النثر الذي عقد في بيروت قبل عام تقريباً، إنكشف حصاد العقدين الأخيرين من الكتابة الشعرية. أولاً، بات ما يسمى الرواد "ضيوف شرف"، آباءً ثقيلي الظل ووقورين، والحوار معهم هو طقوس من الاحترام واللباقة والتهذيب. وثانياً، إن الاختراق قد تثبت ضد "الشروط التاريخية" التي فُرضت على قصيدة النثر تحديداً. وثالثاً، إن العمارة الكبيرة التي ساهم بتشييدها وهندستها سركون بولص وعباس بيضون، على وجه الخصوص، هي ليست كاتدرائية بقدر ما هي جسر هائل للقصيدة العربية.
مات سركون بولص في اللحظة التي اقترب فيها الى "النجومية"، ولا نعرف إن كان ذلك من طبيعة اللعنة التي تلاحق الشاعر، أم أنها نعمة قدرية منعاً لفساد كينونة الشعر.
مرة قال لاس بالماس للشاعر اليوناني يانيس ريتسوس "إننا نتنحى جانباً كي تمر أنت أيها الشاعر". ومرة قيل برامبو "العابر الهائل". هاتان العبارتان تليقان بسركون بولص، أجنبيّنا الذي لا يجب أن نسترده.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00