المكان: الضاحية الجنوبية لبيروت. الزمان: مساء الجمعة 5 تشرين الأول (أكتوبر) 2007. المناسبة: "يوم القدس العالمي". مع ذلك، الاحتفال ليس لـ"حزب الله" أو جماهيره، ولا لإحدى هيئاته أو مؤسساته الأهلية أو العسكرية، إنما هو احتفال للسفارة البريطانية نفسها، التي أحيت "يوم القدس" في قلب الضاحية، على طريقتها الخاصة ووفق أسلوبها الديبلوماسي الذي لا يخلو من الألمعية.
في ذاك المساء، أتت السفيرة البريطانية فرانسيس غاي الى حارة حريك، الى صالة "الهنغار" الفسيحة (التابعة لجمعية أمم للتوثيق والأبحاث) لتفتتح معرضاً فوتوغرافياً بعنوان "المسلمون في بريطانيا"، محاطة بجمهور من أهل الضاحية وشيوخها، ولتقول حرفياً في كلمة الافتتاح: "بمناسبة يوم القدس آمل أن يكون هناك تقدم خلال الأشهر المقبلة وأن يتمكن جميع المسلمين من الصلاة في المسجد الأقصى بسلام".
كانت هذه الكلمات تُقال في الوقت الذي كان فيه قائد "حزب الله" في مهرجانه التلفزيوني يطلق خطابه عن الكذب والاغتيالات... إلخ. وما بين بادرة السفيرة الفنية والثقافية و"مبادرات" صاحب السلاح والصواريخ، بدا "يوم القدس" العالمي في الضاحية، ذاك المساء، حمّالاً للمفارقات والمعاني.
على كل حال، فإننا نترك الاستعراضات الحزب اللّهية، (المتوارية هذا العام لصالح عراضاته التلفزيونية) لننتبه الى بادرة السفارة البريطانية والمجلس الثقافي البريطاني الذي نظم معرضاً أخاذاً للمصور البريطاني المسلم بيتر ساندرز، والمؤلف من 24 صورة من الحجم الكبير تظهر حياة المسلمين الذين يعيشون في المملكة المتحدة. وتمثل أبرز ملامح الدور الخلاّق لهذه الجالية المتعددة الأثنيات والهويات والتي يصل تعدادها الى نحو مليوني مسلم.
في هذه الصور سنرى اختصاصيي فيزياء، علماء، كتّاب، أساتذة، فنانين تشكيليين، مشاهير الروك والغناء الشعبي، ومهندسين، وناشرين، واختصاصيات تجميل وشرطي ومصممة أزياء، وسائقي تاكسي، بل وسنرى أيضاً التأثير الاسلامي على الهندسة المعمارية وعلى المطبخ التقليدي وعلى مظاهر الحياة العامة في لندن وأماكن أخرى من الجزر البريطانية.
سننتبه من خلال هذه الاعمال الفوتوغرافية أن مساهمة المهاجرين المسلمين في الحياة البريطانية، والأوروبية عامة، ليست أبداً ما نقرأه في مانشيتات الصحف ومقالاتها. فغالبية المسلمين يعيشون هناك بسلام وبإنتاجية وبقدرة على الاندماج وعلى المشاركة الإيجابية في كل مناحي الحياة اليومية، فنحن هنا أمام مثال عن نتاج تلاقي الحضارات وتحاورها وتلاقحها، بعيداً عن الكراهية والعداء والضغينة.
لقد ذهبنا الى حارة حريك لنشهد عبر الصور الانكليزية هذه، على أمر جديد ومبهر، فنحن إزاء ملامح إسلام أوروبي غني بالتسامح والتعدد والإنفتاح والإقبال على الحياة وعلى مشاركة الآخرين بها. كما أننا نشهد على أمر نادراً ما ننتبه إليه هو تنوع عالم المسلمين وتلونه. وربما لا يتاح لنا ان نراه إلا في مجتمع المهاجرين الى أوروبا حيث الباكستاني والهندي والأندونيسي والعربي والإيراني والإفريقي والتركي والأفغاني.. كلهم سوية في فسيفساء لغات وألوان وهويات وعادات ومظاهر تشكل في اجتماعها صورة لإسلام أممي وهجين. أما وقد أضاف المصور بيتر ساندرز الى هذه الصورة صورة أخرى قلما التفتنا إليها أي صورة الأوروبي المسلم، فقد أكمل المشهد الكوني للإسلام، وعدا عن أسلوب التصوير الذي يسعى الى "التقاط الجمال الروحي للخلق" ـ حسب قول مايكل سوغيش عن أعمال ساندرز ـ فإن الفنان إذ يصور مثلاً إمام جامع غولدينغ يؤدي الأذان داخل كاتدرائية ساليزبيري بحضور المصلين في "قداس السلام"، فهو يسعى واقعياً وشاعرياً الى بث تلك الرسالة نفسها التي نعرفها نحن اللبنانيين يوم وقف الإمام الغائب السيد موسى الصدر في كنيسة الآباء الكبوشيين عام 1975 ملقياً خطبته الشهيرة ضد الحرب ومروجيها.
وشتان ما بين تلك الخطبة وخطبة نصر الله الأخيرة، وشتان بين عراضات حزب الله التهويلية ومعرض السفارة البريطانية المبهج في قلب الضاحية الكئيبة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.