8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

في صبيحة اليوم الذي نشرنا فيه مقالتنا عن طرابلس، بتاريخ 20 أيار 2007 تحت عنوان "طرابلس العائدة الى مخيلتنا رحبة قريبة"، اندلعت اشتباكات بين قوى الأمن والجيش اللبناني من جهة ومجموعات إرهابية مسلحة مختبئة في كل من شارع الزاهرية وشارع المئتين داخل شقق سكنية في قلب المدينة. وأدت هذه الاشتباكات خلال ساعات معدودة الى القضاء على هؤلاء الارهابيين والى تحقيق السيطرة التامة للقوى الأمنية المولجة حفظ النظام والقانون.
وغلبة إرادة الدولة عبر تمكن الشرطة والجيش من سحق الخارجين على القانون، في مدينة طرابلس بالذات، هو أمر جلل وحدث بالغ الأثر في التاريخ "اللبناني" للمدينة المملوكية ـ العثمانية ـ العربية. وإذا كان يؤكد ما لاحظناه في مقالتنا التي أشرنا إليها أعلاه، إلا أنه يُظهر ما لم نختبره سابقاً في طرابلس ولا عايناه فيها قبلاً. وقد نقول إن هذه الحادثة أظهرت للمرة الأولى، من دون لبس وبهذا الوضوح، مدينة لبنانية ذات أغلبية سكانية مسلمة تنحاز للدولة لا للمتمردين عليها. وهذا ما لم ينتبه إليه كفاية محللو السياسة وكتّاب الصحافة ومؤرخو الحوادث.
إن ما حدث في طرابلس خلال ساعات معدودة بقدر ما فاجأ أكثر مؤيدي الدولة تفاؤلاً، فاجأ على نحو مضاعف المجموعات الارهابية ومن يساندهم ويموّلهم ويحرّكهم. ذلك أن القوى الأمنية توجست من أن يكون للمسلحين ـ كالعادة ـ ملاذ أهلي لا يمكن اقتحامه، وكذلك فإن هذه العصابات الارهابية كانت مطمئنة، بحكم العادة التاريخية، الى أن مجرد استيطانها في الأحياء السكنية لمدينة طرابلس يجعلها بمنأى عن أي ملاحقة (وفق تجارب سابقة مشهودة).
لم يكن ممكناً لأفراد الشرطة والجيش أن يطاردوا المطلوبين ويحاصروهم داخل شققهم ويقتلوا من قتل ويأسروا منهم من استسلم لولا أن أهالي المدينة أنفسهم أرادوا ذلك وطالبوا به وسعوا إليه. وهذا ما شكل صدمة سياسية إيجابية لم تكن متوقعة تقريباً. بل وهذا ما خذل العصابات المسلحة التي لم تستطع حتى النزول الى الشارع ولم تجد في المباني التي تسللت إليها ولو أسرة واحدة تعاضدها. لم يجد هؤلاء جيراناً ولا أنصاراً ولا حماة حتى ولو داخل البناية الواحدة، بل اننا لاحظنا كيف أن شرفات المبنى الذي لجأوا إليه كانت مزدانة بأكثر من علم لبناني، علامة تأييد للدولة وللحكومة.
ما حدث في قلب طرابلس، بهذا المعنى، هو "صدمة" عميقة الأثر. ففي التجربة اللبنانية، وفي مدن ونواح وضواح كثيرة، يكفي أن ينزل بضعة مسلحين الى الشارع حتى تتم لهم السيطرة من دون قتال تقريباً، وسرعان ما يجد هؤلاء المسلحون قبولاً أو غض نظر من قبل الأهالي أو حتى تعاطفاً سياسياً، وهذا ما يتيح لهم أولاً الاستقواء حتى على الزعماء التقليديين المحليين والادعاء بأنهم الناطقون باسم تلك المنطقة وباسم أهاليها، وسرعان ما تتم لهم سلطة تمثيلية سياسية (من غير المسلك الدستوري والانتخابي) قوامها ضعف الولاء الأهلي للنظام وللدولة وقوة السلاح الميليشياوي بوجه سلطة رسمية لا يسعها والحال هذه سوى الانكفاء والتكيّف والتنازل عن سيادتها، ومفاوضة كل عصبة ومعاملتها إياها معاملة الند والشريك، وفيما تكون الدولة مقيّدة لنفسها بالقوانين والأعراف، يكون المتمردون عليها طلقاء من أي قيد.
بطبيعة الحال، هذا لم يكن حكراً على طرابلس، بل هو إحدى أهم الصفات المشتركة بين جهات لبنان ومناطقه. لكن عاصمة الشمال، حسب أحد مؤرخيها ومثقفيها، اتصفت بتاريخ مديد من التنابذ مع دولة لبنان، إذ يقول إن أوسع تمرد ضد الدولة حدث عام 1958 واشتركت فيه طرابلس مع أجزاء واسعة من بيروت. كان السلاح يأتي من سوريا، وقيل وقتها، تأويلاً، إنها معركة المسلمين السنّة للدخول الى الدولة، فبعدها جاء رشيد كرامي الطرابلسي (وهو أكثر رؤساء الحكومة ديمومة في منصبه) ليكون أبرز رجالات العهد الشهابي، وساهم في دمج المدينة بالكيان اللبناني، نسبياً. فلا أحد يندمج تماماً في لبنان حيث، حتى الآن، يمكننا أن ندل على الجنوب والبقاع الشمالي والضاحية الجنوبية كمثالات عن نسبية الاندماج.
طرابلس أيضاً، حسب وصف إبنها المؤرخ، هي بالتأكيد "عروبية" منذ العشرينات، ولها إرث قديم في إنحيازها لفكرة العروبة، وأبدت حماسة استثنائية للناصرية وللزعيم جمال عبد الناصر، ثم انحازت لورثة هذه العروبة، أي المنظمات الفلسطينية وفدائييها بعد هزيمة العام 1967. وهذا ما جعل المدينة دوماً بعيدة في السياسة والعاطفة عن الجمهورية اللبنانية. يمكننا إيراد حادثة احتماء الفار أحمد القدور بالمدينة القديمة وهي مكان عصي على السلطات منذ زمن الانتداب لنشير الى المزاج العام في طرابلس ضد السلطات الرسمية. وعندما تمرّد فاروق المقدم في العام 1969 وجد المدينة تقريباً كلها متعاطفة معه، فامتنعت على الدولة وقواها الأمنية. ما بين عام 1974 و1975 باتت طرابلس واقعة تحت وطأة فوضى مستشرية مع تزايد وتيرة التحضير للحرب التي أقبل عليها الجميع بمزيد من التشرذم بين اللبنانيين، واستفاد الفلسطينيون من احتضان طرابلس لهم لضعضعة نفوذ الرئيس اللبناني سليمان فرنجية كرئيس للجمهورية عموماً، وكزعيم من شمال لبنان خصوصاً ولتنشأ خطوط التماس ما بين زغرتا المسيحية مسقط رأسه وطرابلس المسلمة، عاصمة المحافظة.
إذاً، طرابلس لديها مخزون وذاكرة من مناكفة السلطة المركزية، حسب ما يضيف المثقف الطرابلسي (الذي طلب عدم ذكر اسمه) ليقول: وعلينا إضافة 15 عاماً من الحروب التي غيّبت وجود الدولة كلياً عن المدينة، ومع تهافت الأحزاب القومية واليسارية وسوء تجارب الطرابلسيين مع ميليشيات تلك الأحزاب، "استيقظ" في المدينة التيار الاسلامي. ومع أن فتحي يكن، أحد أبرز وجوه "الاخوان المسلمين" في لبنان، كان منبوذاً ويمثل أقلية سياسية مهمشة في زمن سيطرة العروبة الناصرية، سرعان ما بدأ وتياره بالتوسع على أنقاض التجربة البائسة لظروف الحرب وميليشياتها، وبالتوازي مع اشتداد الصراع السوري ـ الفلسطيني على المدينة. وهكذا ظهرت "حركة التوحيد" الاسلامية الراديكالية بزعامة سعيد شعبان في أحياء طرابلس القديمة وسط التناقضات الدموية ما بين ناحية باب التبانة (ذات الغالبية السنية الفقيرة) وبعل محسن (التي يقطنها المسلمون العلويون). فما بين الغزو الاسرائيلي للبنان صيف 1982 وانتخاب بشير الجميل، خريف ذاك العام، جاءت لحظة ولادة حركة التوحيد.
وبعد ذلك بأشهر، وقعت طرابلس في حرب شرسة ما بين نظام حافظ الأسد ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات العائد متسللاً الى لبنان عبر بوابته الشمالية، وانتهت تلك الحرب عام 1983 بانسحاب فلسطيني منها وعدم دخول الجيش السوري إليها وتسليمها الى "حركة التوحيد"... التي سرعان ما انطلقت بحملة "تنظيف" واسعة طالت جميع الشيوعيين واليساريين والقوميين والعلمانيين، قتلاً وتنكيلاً وتهجيراً، هكذا تكرست فكرة "اسلامية" المدينة على شبه إمارة، يسير في شوارعها "أمير التوحيد" ممتطياً حصانه.
ومن فور قيام تلك "الامارة" زادت طرابلس ابتعاداً عن لبنان، ابتعاداً عدائياً تجاه محيطها وجوارها المسيحي بالأغلب، فانقطعت المناطق والقرى والبلدات عن أسواق المدينة وإداراتها ومدارسها وصناعاتها وخدماتها، وأوغلت ميليشيات "التوحيد" في تخويف السكان، خصوصاً المسيحيين منهم، ودفعهم الى الهجرة، وتم إفقار الحياة الثقافية والسياحية وقحلت الحياة العامة وحلت العزلة وانتشر الخوف.
مع استعادة النظام السوري لزمام المبادرة والسيطرة على "الساحة" اللبنانية، جاءت معركة العام 1986 بهجوم واسع النطاق قام به حلفاء سوريا من القوميين السوريين والشيوعيين والبعثيين مدعومين بقوات "الوحدات الخاصة" من الجيش السوري لاحتلال المدينة والقضاء على حركة التوحيد. هكذا، يقول المثقف الطرابلسي، شعر أهل المدينة أنهم مستهدفون من "التوحيد" ومن السوريين. وبعد تلك المعركة جاءت مرحلة المخابرات وصراع الزواريب والجماعات وفوضى السلاح والتعديات... مع تراجع اقتصادي وثقافي واجتماعي كارثي، إذ انهارت الأسواق وتم الاستيلاء المافياوي المخابراتي على المرفأ، وصار اقتصاد المدينة اقتصاد فقر. وفي تلك الفترة تحديداً خرجت مدارس الارساليات من طرابلس وما عاد هناك من مدارس مختلطة.
هذا المسلسل الممتد لأكثر من عقدين كرس المقولة السائدة: "طرابلس مدينة فقيرة، لديها باب التبانة التي تخرّج أصوليين". هذه المعادلة، وفق ما يقول المثقف، كان يجب كسرها وتغييرها بعد انتهاء الحرب وقيام الجمهورية الثانية، والتحول الأول حدث عام 1996 بعد محاولة تفجير اجتماع مسيحي كبير في بلدة القلمون أدت الى انفجار العبوة المفخخة بمعديها ومقتلهم. بدا ذلك إرهاباً صرفاً لم يتقبله أهل طرابلس. لكن التغيير الجدي حدث عام 2000 اثر قيام مجموعات مسلحة يغلب على عناصرها الانتماء الى طرابلس وجوارها من قرى مسلمة بتمرد ضد الجيش اللبناني أدى الى صدام مسلح عرف بـ"أحداث الضنية". حينها أدرك أهل المدينة أن هؤلاء الشبان المغرر بهم والجنود اللبنانيين ذهبوا ضحية الادارة الاستخباراتية لهم وللدولة اللبنانية وأجهزتها الأمنية، وهذا الادراك تثبت في العام 2001، مع ارتباط فكرة الحركات الاسلامية المسلحة بالارهاب. أي بعد أحداث 11 أيلول في أميركا. اذ أفلح "التعاون" السوري الأميركي في لجم الاسلاميين في الشمال مع إبقاء المخابرات السورية لحرية عمل "حركة التوحيد" (التي باتت طيعة للادارة السورية) داخل المدينة. فهؤلاء مثلاً واظبوا على منع مظاهر احتفالات رأس السنة أو بيع وشراء الكحول، أو زجر الناس في سلوكهم وملبسهم... الخ.
بهذا البطء المرير الممتد منذ ثلاثة عقود، علم الطرابلسيون وذاقوا كل التجارب الممكنة للعيش خارج سيادة الدولة وقوانينها. ومنذ العام 2001 وحتى العام 2005 بدت طرابلس مقبلة على التحول خصوصاً في وسطها الحديث وفي المينا. فيما داخلها القديم كان متردداً بعض الشيء تحت ثقل ما اعتاد عليه وما رسخ فيه وتراكم، وتحت وطأة التعثر الاقتصادي والاجتماعي.
يجزم المؤرخ الطرابلسي ان شباط 2005 رسم المنعطف الأكيد لسيرة المدينة. فمع اغتيال الرئيس رفيق الحريري "برز الوعي السني المتأزم من العلاقة مع سوريا، علماً أن طرابلس لم تكن محسوبة على الحريري بالمرة. لكن مقتله فجّر عند اللبنانيين جميعهم شعوراً عارماً بلبنانيتهم. والشبان في أحياء طرابلس الفقيرة والذين كانوا يعبرون عن أنفسهم وعن سخطهم اسلامياً، جاءت الحريرية لتفجر غضبهم وطنياً وتضع هذا الغضب في مساحة أوسع وأرحب وتحوله إلى طموحات، مترافقاً مع اسلام معتدل ومشارك ومنفتح حيث يمكن فيه لزعيم ماروني كسمير جعجع ان ينجح انتخابياً في طرابلس".
ويكمل سارداً للأحداث التي تشير الى هذا التحول: يوم العاشر من كانون الأول 2006 ورداً على اعتصام المعارضة في بيروت، وبدعوة من فاعليات الشمال وطرابلس، احتشد مواطنو المدينة بتظاهرة ضخمة أظهرت حجم التأييد لفكرة الدولة والحكومة ولتحالف 14 آذار، وهذا غيّر المعطيات والمزاج السياسي في لبنان في تلك الآونة. وهذا المثل على المشاركة الطرابلسية في المشهد اللبناني الجديد، وضع المدينة مجدداً في قلب الخارطة السياسية الوطنية.
ويشير إلى ظاهرة شديدة الأهمية برأيه، فالمدينة الان لديها أكثر من خمس جامعات: اليسوعية، اللبنانية (ثمانية فروع)، الجنان، البلمند واللويزة. ويؤكد ان افضلها هي الجامعة اللبنانية فهي على عكس باقي المناطق اكثر اختلاطاً طائفياً. ففي حين أن فروع الجامعة في المحافظات وفي العاصمة مقسمة وفق الانقسام الديموغرافي الطائفي بين المسلمين والمسيحيين، وحيث يتم توزيع الحصص الطائفية لمناصب عمداء الكليات، فهذا كله ينتفي في طرابلس.
ويلحظ أيضاً، ان هيئات كثيرة ظهرت في طرابلس لتنشيط الحياة المدنية وانعاش المدينة، وهي تعمل معاً ومع الادارات الرسمية لوضع خطط اجتماعية تزيل بؤر تولد افتراضياً جماعات الارهاب. ولذا، حسب قوله، بات من الضروري العمل جدياً على تنمية واسعة لمناطق الفقر اقتداء بـ "مشروع الارث الثقافي" الذي يموله البنك الدولي والحكومة اللبنانية بمساهمات فرنسية وايطالية واشراف وتنفيذ مجلس الانماء والاعمار يشمل اجزاء مهمة من المدينة وهو ينشر عدوى التجميل والترميم والتطوير. وهذا يتضافر مع ورشة تأهيل المدينة القديمة وما يساهم به ابن المدينة الثري رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، كذلك ما ينفذه الوزير محمد الصفدي كمشروع لمركز ثقافي حديث.
انه "مزاج مدينة تبدى في السنوات الثلاث الأخيرة خصوصاً مع تشارك ممولين محليين ومؤسسات أهلية وجمعيات مدنية... ويدل على توق طرابلس لتكون أفضل حالاً وأقرب الى لبنان أكثر من أي وقت مضى".
هذا المزاج عينه جعل الروائي جبور الدويهي، المقيم في زغرتا، يتردد على مدينة طرابلس يومياً ليقضي فيها نهاراته ويمضي في المينا سهراته، وليقول لي وهو جالس في مقهى رصيف جديد: صارت طرابلس بالنسبة لي أرحب وبت أسمع في شوارعها أغاني وطنية لم تكن لتتردد في طرابلس أبداً، أغان من مثل "تسلم يا عسكر لبنان" بدلاً من الأغنية الناصرية العروبية "أخي، جاوز الظالمون المدى".
الدويهي قال مبرراً ما شهدته طرابلس من تحول حماسي لفكرة لبنان والدولة وتأييد الجيش الذي يخوض معركته في مخيم نهر البارد: "هذا فن يتقنه حزب البعث في تحويل العروبيين والاسلاميين والمؤيدين للثورة الفلسطينية الى متمسكين بالكيان اللبناني وهويته... كخط دفاع اساسي بوجه هيمنة نظام بعثي لا يطاق".
الروائي، ابن زغرتا، الذي عاد ليشعر ان طرابلس مدينته حذّر من بؤر البؤس في المدينة بوصفها أماكن تخترقها أفكار التطرف خصوصاً وان منطقة باب التبانة تعيش من دون تنمية، بل أن مجالات الترقي لأبنائها ضيقة جداً.
أثناء تجوالنا في المدينة، المكتظة باليافطات التي تعلن تأييدها للحكومة والجيش رحنا نتساءل ما الذي يجعل طرابلس ترفع الأعلام على الشرفات أكثر مما في بيروت كلها؟ وما الذي يجعل أهل طرابلس يرفعون كل هذه اليافطات التي تكاد تغطي مجمل أنحائها؟ عدا عن الملصقات والصور والكتابات التي تمدح وتؤيد قائد الأمن الداخلي اللواء اشرف ريفي بوصفه ابن طرابلس.
تكاد يافطة واحدة، متكررة بكثرة في ميادين المدينة، تقول فحوى الخطاب السياسي لطرابلس دفعة واحدة وهي "الجيش، والاعتدال والوسطية". هذه الكلمات هي مغزى ما تخاطب به طرابلس نفسها في هذه الأيام، فمقابل سمعة التمرد تضع ولاءها للجيش ومقابل ذاكرة التطرف تقول الآن بالاعتدال ومقابل إرث التعصب الديني يرتفع شعار الوسطية.
هذا بالضبط ما جعل الاستاذ الجامعي عبد المجيد نعنعي يقول شاهداً على قوة التحول: انا طرابلسي منذ الولادة، وفي حياتي كلها لم أر طرابلس مجمعة على موقف سياسي معين كما هي اليوم في دعمها للجيش اللبناني ولسياسة الدولة بصورة عامة. صورة طرابلس تغيرت جذرياً.
بدوره رئيس بلدية طرابلس رشيد جمالي يؤكد: هذه هي صورة المدينة، ومن هم خارجها يكادون لا يصدقون ما تبدل في المدينة.
جمالي يرد اسباب ذلك الى عدة عوامل أهمها تلك التجارب المريرة التي خاضتها المدينة منذ العام 1975 وحتى العام 1990والتي ارست قناعة راسخة في ذهن الناس ان الدولة هي المظلة الحقيقية التي يمكن أن تعيد لطرابلس دورها وموقعها الاقتصادي والسياسي والثقافي.
وساعد على ذلك، حسب رئيس البلدية، شعور أهل المدينة ببداية نهوض في كافة مجالات الحياة مع مساهمة ايجابية للدولة، علماً، وفق ملاحظة رجل اعمال طرابلسي، ان سلطة الوصاية السورية كانت تمنع قيام مشاريع اعمارية واقتصادية فيها، اذ كانوا يحرصون على أن لا ينسب اي مشروع لرفيق الحريري في طرابلس منعاً لأن يكون له أي نفوذ سياسي فيها.
بدوره اشار رشيد جمالي الى ان عمل المجلس البلدي تحسن جداً، والمدينة بدأت تسترجع دورها كمحور اقتصادي لابناء الشمال الذين بدأوا بالعودة اليها والتعاطي معها بوصفها عاصمتهم. ويلحظ جمالي ان المدينة توصف دائماً بأنها مدينة اسلامية محافظة، ولكن اسلام المدينة التاريخي كان دوماً سمحاً ومنفتحاً وهو اسلام الوسطية والاعتدال.
وطبقاً لاقوال المثقفين الذين التقيناهم فان المدينة حتى مطلع السبعينات كانت مزدهرة. كما ان نسبة عالية من المسيحيين الآتين من المناطق الشمالية والجبلية كانوا يقطنونها ويملكون بيوتاً فيها لقضاء الشتاء ولم يواجهوا مشكلة فعلية في الاقامة حتى مطلع الثمانينات حين هيمنت "حركة التوحيد" على مقدرات المدينة فكانت الهجرة الكبيرة لهم وللنخب الاقتصادية والثقافية.
وحسب معلومات رئيس البلدية فان المؤشرات الاقتصادية ـ الاجتماعية في شمال لبنان وطرابلس هي الأسوأ مقارنة مع باقي مناطق لبنان. ويقول ان أكثر من خمسين في المئة من سكان طرابلس وجوارها يعيشون تحت حافة الفقر، بالاضافة الى مشكلات البطالة والتسرب المدرسي والأمية.
وبرأيه ربما يشكل هذا الوضع الاجتماعي في المستقبل أرضية صالحة للخروج على النظام العام والتمرد على الدولة، و"بالتالي، تحتاج المدينة الى ورشة انماء حقيقية تشكل ضمانة لترسيخ التحول الكبير في المزاج الشعبي راهناً".
كانت عجقة السير خانقة فيما دوريات الجيش والدرك تجول في الشوارع والشبان والصبايا يتوزعون على المطاعم ومقاهي على الأرصفة وعمال البلدية يسقون الأشجار وشتول الزهر المتوزعة ما بين منتصف الطريق وحافات الأرصفة، فيما التلامذة الخارجون من مدارسهم يشترون البوظة من المحل القريب ورائحة الحلويات الطازجة تنتشر في الجو. ومن بعيد تأتي اصوات عميقة للانفجارات التي تدوي في مخيم نهر البارد كحشرجات أخيرة لزمن ينقضي.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00