8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لنعد الى صباح يوم "سان فالنتين" 14 شباط 2005، يمكننا ان نتخيل دكاكين بيع الزهور والورود مفعمة بالألوان. يمكننا ان نتذكر محلات بيع الحلوى ومتاجر بيع الهدايا التذكارية... يمكننا أيضاً أن نرى شباناً وفتيات كثر يحمل كل واحد منهم وردته الحمراء. ويمكننا ان نتذكر الصباح المشرق والصاخب بحيويته وعجقته. كانت بيروت متألقة بعد سنوات من الأعمال وإعادة الإعمار والبناء والاستثمارات الكبيرة والمبادرات والمشاريع الانشائية والتجارية. كانت مدينة مسرعة نحو المستقبل باندفاعة تفاؤلية، هي في الشرق الأوسط جاذبة للخطر.
كان صباحاً رائعاً، تماماً ككل صباح استثنائي في بهجته وتفاؤله عبر تاريخ لبنان الحديث: انه نذير شؤم. فما ان انقضى وقاربت الساعة الواحدة الا خمس دقائق حتى ضربنا الزلزال، وانقلبت حياتنا مجدداً رأساً على عقب. وأدركنا انهم يعاقبوننا مجدداً. وشعرنا هذه المرة ان الايذاء قد وصل الى ذروته، الى الحد الذي لا يحتمل مجدداً، وحدسنا انهم يقولون لنا بأفظع طريقة ممكنة كم يودون سحقنا مجدداً.
اختاروا يوم العيد هذا لتكون المقتلة على سوية النية: اغتيال فكرة لبنان واغتيال "لبنانية" الحياة. وأرادوا الانفجار بوزن الضغينة: احراق بهجة بيروت وترميد مستقبلها.
والأكثر ايلاماً ان هذا الاغتيال حدث خارج زمن الاغتيالات ـ اذا صح التعبير ـ فاللبنانيون أدرجوا اغتيال كمال جنبلاط ورياض طه وسليم اللوزي والشيخين حسن خالد وصبحي الصالح وبشير الجميل ورينه معوض، وما لا يحصى من عمليات قتل وتصفية، في تاريخ واحد متصل هو يوميات الحرب في لبنان.
كانت الفكرة الراسخة في أذهاننا اننا ابتعدنا عن ذاك الزمن، وان اللبنانيين قد انخرطوا في حياة جديدة. وكنا، خصوصاً بعد "التحرير" في صيف العام 2000، نظن اننا مقبلون على التئام تام لكل الجروح القديمة. وها هي سنوات العمل قد بدأت تؤتي ثمارها. وها هو الرجل الذي نعارضه او نؤيده قد بث روحاً جديدة في الدولة والمجتمع والاقتصاد والسياسة، وها هو في الحكم او في المعارضة بقدر ما يأخذ على عاتقه سياسات ومشاريع يضطر الاخرين إلى مجاراته بسياسات ومشاريع مقابلة او مضادة، كما لو انه نجح كشخص وبما يمثله في اخذ البلد الى عاديات البلدان المستقرة وبرامجها، حيث السياسة والاقتصاد آخذان بأسباب الحداثة والعولمة والتقدم، وساعيان للرقي وللرفاهية. كان رفيق الحريري في تلك اللحظة يأخذ لبنان لملاقاة العالم.
وفي تلك اللحظة قتلوه. وأيقن اللبنانيون في ظهيرة ذلك اليوم ان مصيرهم موقوف على خيار واحد من خيارين: إما الاذعان للاستبداد الى حد اضمحلال كيانهم الوطني، واما التمرد على ارادة الطغيان حتى ازاحته. وكان وراءهم 15 عاما من القتل والاستباحة تلاها 15 عاما من التعايش القسري مع الوصاية الاستخباراتية والامنية. ثلاثون عاما من اختبار العيش من دون سيادة القانون، وكان ذلك هو الدافع ليخرج اللبنانيون من بيوتهم دفعة واحدة، اذ ايقن كل بمفرده وجميعا ان الحل الاخير بات بيدهم. ان يعلنوا ارادتهم: لا للوصاية بعد اليوم، ولا للقتل، ولا استسلام للإرهاب. كان خروجهم ليس ليقولوا فقط "كفى" او ليستنكروا او ليعلنوا حزنهم وغضبهم، اذ ان التركة التاريخية (التي اشرنا اليها) والإرث الذي خلفه الرئيس الشهيد في الوعي والممارسة السياسيين، وما اكتسبه اللبنانيون من تربية ديموقراطية، اضافة الى ادراك اللبنانيين الفوري لمغزى هذا الاغتيال بوصفه اعداما لمستقبلهم المستقل... جعلهم كل هذا يخرجون ليطلبوا الحقيقة ويطالبوا بالعدالة. كانت هذه هي المرة الأولى التي يأخذ فيها مواطنون من المشرق العربي أو من الشرق الأوسط بمبدأ تجاوز الثأر والانتقام وتجاوز دوامة الكراهية والصمت. وبهذا المعنى كانت "المفاجأة التاريخية"، فالذين نفذوا الاغتيال كانوا يظنون ان الفعل ورد الفعل هو نفسه، كما في كل مرة منذ مئات السنين: قتل فسخط فحزن فاستكانة وخوف وخضوع. أو قتل فثأر فقتل مضاد الى ما لا نهاية.
ما فعله اللبنانيون هو كسر هذه الحلقة الجهنمية، اذ انحازوا للمرة الأولى الى مبدأ اعلاء العدالة فوق كل سلطان، وأخذوا بمطلب "الحقيقة" كتجاوز كلي لمطلب الانتقام. وكان هذا ايضا خروجا كليا على التسليم باللاادرية وبنظرية المؤامرة.
كان الاغتيال يهدف الى إقصاء رفيق الحريري نهائياً، جسديا ومعنويا، فكانت "الصدمة" ان الحريري بموته انجز أقوى انجازاته: استنهاض اللبنانيين لتقرير مستقبلهم. والأهم ان تقرير هذا المستقبل عقد على مطلب العدالة. وهذا طور تاريخي اذ يقطع مع تراث مديد ويتصل بأفضل ما انجزته الثقافة الحديثة: سيادة القانون وإرساء مبدأ المعاقبة. بهذا الفعل وضع اللبنانيون حدا للاشرعيات، وأول ما اقدم عليه اللبنانيون ان طبقوا هذا المبدأ على انفسهم اولا، فلم يكن خروجهم وتظاهرهم واعتصامهم الا سلميا ومدنيا من غير عنف او تعد على الأملاك العامة والخاصة. ومن غير شغب. كان هذا التنفيذ الأول لنبذ اللاشرعيات من السياسة.
لهذا السبب كانت ملاقاة العالم لثورة الاستقلال، وكانت استجابته لمطلبها بقيام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. فعلى هذا الحدث تم تدبير الفرصة المناسبة لانهاء "استثنائية" الشرق الأوسط بوصفه بيئة خالية من ثقافة المحاسبة والمراقبة، وبوصفه جغرافيا منذورة للاستبداد واللاعدالة.
يمكن إدراج هذا الانجاز بقيام المحكمة في سياق ذاكرة "طليعية" لبنان. فهذا الحدث التاريخي ليس مجرد صدفة، بقدر ما هو متصل بتمايز لبنان كمختبر للحداثة العربية منذ عصر النهضة، ولهذا السبب، تؤسس المحكمة سابقة لبنانية وعربية، لا يمكن إغفالها او التراجع عنها.
على الأقل، ومهما افضت اليه المحكمة، فثمة ابتداء لزمن جديد كليا في لبنان والعالم العربي، زمن يجعل الاغتيال السياسي خارج السياسة. زمن يخرج السياسة من العنف، ويكرس المحاسبة والمراقبة والمعاقبة كبديهة وكحق من غير تسوية او تساهل. وهذا على الاقل مكسب تاريخي وخطوة كبيرة نحو "تهذيب" السياسة وتقييد السلطة، كل سلطة.
انتصر اللبنانيون يوم 16 شباط، لدم الحريري، ثم انتصروا لدم جبران تويني وسمير قصير وباسل فليحان وبيار الجميل وجورج حاوي، فانتصرت العدالة لهم. وهذه هي التعزية التي تجعل الحياة ممكنة ومحتملة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00