8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"الإعلامي" المقرب من حزب الله، الذي صرح ساخراً في صيف 2006: "إنهم يتباكون على موسم السياحة؟ السياحة في لبنان ليست إلا بضعة صحون حمص وعاهرات"، بإمكانه الآن أن يسخر مجدداً من الذين يبكون موسماً اصطيافياً وسياحياً جديداً. وذلك لأنه ما زال عند رأيه اللصيق بآراء حزب الله، بل وبرأي "الباسيج" الإيراني الذي (دفاعاً عن مشروعه النووي) يطارد في شوارع طهران الشابات والشبان لمجرد إرتدائهم أزياء مبهرجة وغربية الطراز. شابات وشبان طهران، الذين يسعون للطلاقة والحبور واللهو ومجاراة العالم، يسميهم الحرس الثوري "الأوباش"، فيما زميلنا الإعلامي يختصر نمط حياة اللبنانيين ومصادر رزقهم بالحمص والعاهرات.
لا يبتعد رأي زميلنا عن رأي البعث أيضاً، ومخابراته، بحسب حملة شهيرة قادها عدي صدام حسين بإشراف من والده، في شوارع بغداد، بعد هزيمة حرب الخليج الأولى، قاطعاً رؤوس النساء والفتيات "الفاسدات" عادماً آلاف العمال المصريين والغرباء، عدا إغلاق العراق بوجه أي سياحة، مهما كان لونها لعقود عدة.
وعلى هذا النمط الخميني ـ البعثي سار النمط "القاعدي" متفوقاً بأشواط عدة على أربابه، من أفغانستان الطالبانية الى تفجيرات الفنادق في المغرب وخطف السياح في اليمن أو قتلهم في الصحراء السعودية أو ارتكاب المذابح بالأفواج السياحية في مصر ونسف المنتجعات في شرم الشيخ وخليج العقبة.
من أوكار المخابرات وخلايا الإرهابيين تنشأ كراهية خاصة لشارع الكسليك (الذي تعرض لأول التفجيرات)، وكراهية دائمة للأشرفية، وكراهية استثنائية لشارع مونو، وكراهية مستمرة لشارع فردان. فالشوارع التي فيها الأسواق الاستهلاكية وحالات السينما والمسرح ومقاهي الرصيف و"المول" والمطاعم وأندية السهر والحانات والمراقص والفنادق.. هي أرض العدو، أرض المفاسد والسفور والاختلاط (حسب اللهجة الخمينية ـ البن لادنية) كما هي أرض الغزو الثقافي والميوعة والعمالة وتشويه الهوية القومية وتهديد الأصالة (وفق رطانة بعثية مبتذلة).
لذلك كله، وتأسيساً على مقولة "الحمص والعاهرات" البليغة، تنشأ ثقافة الأزقة والأحياء المغلقة، ثقافة المعاقل، والملاذات الحصينة، النابذة لكل مظاهر "الشوارع" المفتوحة والأرصفة العريضة والاختلاط وأنشطة الليل الساهر وأعمال النهار المفتوح على العابرين والسياح، وتخرج من الأوكار والمخابئ العبوات الناسفة، المصحوبة بفقه التكفير (القاعدي) وفكر التخوين (البعثي)، لتُزرع في ميادين الاصطياف، ولصق المراكز التجارية وأرصفة السياحة.
مقت هائل هذا الذي يترصدنا، وينفجر بوجهنا في مونو، ومجمع الـ A.B.C وشارع الكسليك، ومنطقة الجديدة وشارع فردان وفي ميدانَي الاصطياف برمانا وعاليه. مقت آخر أشد هولاً يحاصرنا، ذاك الذي يعادي الساحات المفتوحة والميادين العامة. فانتقاماً من لبنانيي 14 آذار الذين أعادوا "إختراع" ساحة وسط بيروت، ميداناً مفتوحاً احتفالياً، ورحباً وعلنياً ومشهدياً... هجموا عليه واحتلوه وأقاموا مضاربهم (رمز الأصالة) مغلقينه معقلاً ميليشياوياً، نابذاً وعدوانياً، مدمرين أيضاً حياة التجارة والسياحة، وحياة الليل والسهر من دون حاجة الى تفجير أو تهديد.
مسعى واحد هذا الذي يعمل ليحيل سهل البقاع، وكل سهل الى معسكرات إرهابية، ويحيل عروس المصايف، وكل مصيف الى "تورا بورا" أفغانية، ويحيل كل ساحة الى مضرب صحراوي مسلح، ويحيل شوارع المدينة وأرصفتها إلى معاقل ومخيمات وبؤر أمنية، مهجورة، منكوبة، "محرومة"، ويحيل كل حدود شمالاً وشرقاً وجنوباً وغرباً الى مسالك تهريب تي.أن.تي ومعابر أسلحة وصواريخ وسيارات مفخخة ومزارع مخطوفة.
مسعى واحد هذا، المهووس بـ"العاهرات" وصحون الحمص، الذي يحتقر المول والسينما والحانة والمقهى، فيقوض كل اقتصاد وكل تجارة وكل سياحة، مقيماً حياة موقوفة على "الوعد".
هنا صالة عرض أزياء المصمم اللبناني ومتجر الألبسة الإيطالية، والمدرسة الفرنسية، وصالة عرض الأفلام الأميركية، ومقهى الرصيف الباريسي والمطعم الياباني والحانة الانكليزية، ومتجر الاسطوانات لموسيقات العالم، والنادي الصحي الذي يعنى بالجمال واللياقة، ومركز الماكياج والتجميل... هنا في فردان حيث المسجد الأنيق ودير الفرنسيسكان العريق. هنا سلسلة المصارف ومحلات بيع التحف والمجوهرات، وبنايات السكن حيث يقطن نخبة أهل المدينة الآتين من كل الطوائف والملل.
هنا في الشارع الذي أسسه وبناه الهاربون بأموالهم وتجاراتهم من تأميمات البعث والمافيات المخابراتية منذ أواخر الخمسينات في كل من سوريا والعراق، والذي أعاد الرونق اليه بعد الحرب تفاؤل أصحاب الاستثمارات اللبنانيين والخليجيين.. هنا زرعوا العبوة ونثروا الإرهاب، لا لشيء سوى تقويض لبنان وإحلال "اللا دولة" وفق أمنية فاروق الشرع وشاكر العبسي وأحمد جبريل وصاحب الوعد الإلهي.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00