8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ليست بيروت ولا الضاحية الجنوبية

قبل سنوات كنا نعيش مع مشروع "أليسار"، الذي نعرف كيف حورب الرئيس الشهيد كي لا ينفذه من أجل تطوير وتنمية الضاحية الجنوبية وإعادة تنظيمها وإعمارها وإخراجها من الفوضى، لتكون امتداداً عمرانياً وسكانياً واقتصادياً للعاصمة.
وكنا في مشاريع تطوير المطار ومدخل بيروت الجنوبي، والأوتوستراد العربي... كنا هناك، على بعد خطوة من المستقبل. وها نحن الآن إزاء "غراوند زيرو" (موقع صفر)، فوق حطام الضاحية، حيث يطل "الإقطاع الحزبي" مجدداً في معركة مع الدولة لمنعها أولاً من العمل، وللحفاظ ثانياً على البؤس وإدارته هو للبؤس واستثماره، وللحفاظ على سياسة "الغنيمة"، وثقافة الخوّة، وعقلية الريع الأهلي.
منذ يومين اشتعل السجال القديم، المتجدّد ما بين خيار الدولة وخيار الإقطاعية الحزبية، بين عقلية "الوطن" وعقلية "المعقل". سجال استعدناه في اللحظة التي كنا نجول فيها في أرض أخرى، تلك الماثلة هناك ما بين بيروت والضاحية الجنوبية، المنطقة الممتدة ساحلاً ما بين السان سيمون والإيدن روك، ومن بئر حسن والجناح وحتى تخوم وطى المصيطبة، تلك التي كانت معروفة قديماً برمول مار الياس.
هناك ولدت ما يشبه المدينة، التي لا هي في بيروت ولا هي في الضاحية الجنوبية. إنها جزء من الطرف الجنوبي لجبل لبنان وتتبع إدارياً لبلدية الغبيري، ومع ذلك فهي تشكل الامتداد الطبيعي للعاصمة، وتنفصل عن الضاحية مظهراً وعمراناً.
في هذا المربع الذي تطلّ عليه المدينة الرياضية، والذي يحتضن المستشفى الحكومي الجديد، ومجمّع المدارس الرسمية ومقر اليونيسكو. إنبثقت الطرقات المستقيمة العريضة والمباني المنسقة هندسة وحجماً، وأُنشئت الفنادق والنوادي الصحية و"المولات" (المجمعات التجارية الاستهلاكية) وصالات عرض كبرى للوكالات التجارية، إضافة الى الحدائق العامة والفسحات الخضراء، وشَقّتها الأوتوسترادات والجسور وظهر التنظيم المدني وبرزت الإدارة البلدية في الضبط والصيانة ورصف الأرصفة وتشجيرها والإنارة العامة، واتخذت الشوارع إشاراتها وأسماءها.
ما يشبه المدينة النموذجية الراقية إنبثقت هناك ما بين تخوم بيروت وتخوم الضاحية، وإليها جاء السكان ممن هم ارتقوا في مستوى معيشتهم حديثاً أو وفدوا من الاغتراب الإفريقي والأميركي والخليجي، طامعين بالاستقرار وهناءة العيش في بيئة عمرانية صحيحة ومرتّبة، ومنهم الكثير ممن هربوا من فوضى الضاحية واكتظاظها وعشوائية بعض أنحائها.
إذاً، هي اقتراح لنمط عمراني ومعيشي، وللسيطرة على النمو العشوائي للبناء، ولتطوير الضواحي وإدماجها في التوسع المديني. وهي تطوير للبيئة السكنية وللتواصل الاجتماعي وللتحولات الاقتصادية. وهي ترجمة طبيعية للتنمية ولاستيعاب موجات الهجرة الى العاصمة، ومحو "الهوامش" وبؤر الحرمان عبر إدغامها في نسيج المدينة.
تلك الجهة، التي تحقق فيها مشروع الدولة ومصلحة الناس، هي جزء من الضاحية ولكنها خارج "المعقل"، هي امتداد لبيروت ولا تتبعها. نظيفة، أنيقة، حديثة. أهذا ما يخافون أن يصيب قلب الضاحية؟ أهذا هو تآمر الدولة وبلدياتها وتنظيماتها؟ أهذا ما لا يريده الإقطاع الحزبي حيث تنتفي الحاجة لإدارة البؤس والفوضى، وحيث الخروج من أيديولوجيا الضغينة وثقافة الغنيمة؟ أم أن "المول" والفندق والنادي الرياضي والمدرسة والإختلاط مع الجماعات الأخرى ومجاورة "الغرباء" قد يُفسد الأهل ويبعث فيهم شهوة الانفتاح والعيش الرغيد، ويبعدهم عن كل مبايعة "بالروح بالدم"؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00