منى، مهندسة لبنانية تعمل في دبي. بعد حرب تموز 2006، قررت ان تعود إلى لبنان، حين كنا، نحن أصدقاؤها، نفكر إما بالرحيل إلى دبي أو بالهجرة إلى كندا.
هي هكذا، تحب المعاكسة والأفعال التي تتسم بالتحدي، إذ أذكر أنها قادت حملة لإنقاذ ذاك المبنى عند زاوية السوديكو المطرّز بآثار القذائف والرصاص، باعتباره تحفة معمارية وجزءاً من تراث هندسي لبناني لا يجوز التفريط به وتعريضه للهدم. وسرعان ما تحولت الحملة الى عنوان لصخب ثقافي ـ سياسي انتهى بالإبقاء على المبنى وإن لم يرمم بعد.
منى المتهورة التي تركت دبي كموقف ثقافي ـ سياسي من أجل المدينة، مدينتنا بيروت، وصارت اذ تلتقينا تقول: "اذا أنتم هاجرتم سأبقى وحيدة"، كمن يريد إحراجنا ولومنا. قررت هذا الربيع ان تتزوج وتقيم عرساً. هكذا بفعل مضاد لمزاج الناس في بيروت، وبفعل تحد لمناخ الإحباط والتشاؤم.
ارسلت لنا البطاقة الآتية: "ما تعملوا شي الخميس بثلاثة أيار الساعة ستة عشية لأنو تجوّزنا وبدنا نشوفكم فـ... تفضلوا شرفونا على قهوة الروضة حتى نهيْص سوا. أنس ومنى".
نص الدعوة الى العرس المزدان برسم عنتر وعبلة، كما روّجتها رسوم الفنان الشعبي التيناوي، والمطبوع على ورق من صنع يدوي مطعَّم بنثار فضي... هذا النص بدا تصريحاً بمناكفة تقاليد نصوص الدعوات الرسمية ومعاكستها تماماً كما هو مزاج منى المفتونة بذاك التراث المنتقى من الخبايا الفولكلورية، الزخرفي والشعبي، والمنحازة الى ذاكرة ما قبل الحداثة، وقد اعيد اكتشافها بذائقة حديثة، او تمت اعادة انتاجها وفق رؤية استشراقية معاصرة مفعمة بالحنين.
دعوة منى إلى عرسها وأنس، ذيلت بمقطع شعري:
"ما لي بغيرك أنس
إذ كنت خوفي وأمني
وإن تمنيت شيئاً فأنت كل التمني".
وهذا شعر مُستلٌّ، على الأرجح، من تلك الكتب القديمة والشعبية، الزاخرة بالأشعارالغزلية والإيروسية، المنحولة، والمنسوخة والمنسوبة الى شعراء قدماء، معروفين أو مجهولين. وانتقاؤه أو ربما تأليفه اذ جاء ليناسب صورة عنتر وعبلة باعتبارها مرجعية ثقافية لتيمة العرس والحفل. كأنما منى دبرت عرساً على شاكلة معرض تشكيلي او هيّأت لنا حفلاً ممسرحاً يطابق حساسيتها المعمارية كمهندسة وكفنانة.
لم تختر فندقاً ولا صالة افراح، على جري عادة الأعراس، التي بات الناس يقيمونها في العواصم العربية، ذاك انها تحدس ان أعراس الفنادق والصالات الحديثة، هجينة، وملوثة بذائقة حديثي النعمة المنبهرين بكل ما هو "كيتش" وفاقع واستعراضي متصنع.
مقهى الروضة مكان العرس، هو حديقة متقشفة على صخور بحر رأس بيروت، مقهى تقليدي شعبي، وقد حولته منى الى مسرح لعرس افتراضي لكل من عنتر وعبلة، وكان علينا نحن الازواج فور دخولنا أن نقف وراء لوحة عنتر وعبلة، وقد جُوّف وجها البطلين الشعبيين، لنطل نحن برؤوسنا من التجويف في لقطة فوتوغرافية تذكارية. أي جعلتنا منى، نحن المدعوين أزواجاً، كلاً منا عنتر وعبلة، وكان ذلك بمثابة "فيزا" عبور الى الحفل.
منى التي تركت دبي من أجل بث التفاؤل في بيروت، ومعاكسة مناخ الاحباط تزوجت من أنس، السوري الدنماركي، وهي من غير قصد طبعاً، بدا زواجها من الشاب السوري الوسيم، اشارة سياسية خفية، اشارة مضادة لما هو سائد حالياً من نفور لبناني ازاء ما هو سوري. هذا تخمين اسقاطي لا بأس به، طالما ان العرس المزدان بشمعدانات وزعت على الطاولات هي على شاكلة رسم اليد التي تتوسطها عين، الواقية من الحسد. هو عرس يرفل بنكهة عربية عتيقة لا تزال حية في أزقة دمشق وحلب.
الحفل كان مناسبة لتنفذ منى مشروعاً فنياً، ان تعيد خلق أجواء كألف ليلة وليلة، بطابع شعبي لا يغيب عنه الثراء الأصيل. فوزعت على الطاولات ورق الورد والزهر ووضعت الطرابيش الحمر العثمانية بأحجام لا تتعدى السنتيمترات، شديدة الصغر، امام كل مدعو، وحوّلت منقل الفحم المعدن، التقليدي الى أوعية مختلفة الأحجام تحوي الملبّس الشامي وفاكهة الجنارك وحبيبات البندورة ضئيلة الحجم.
ما من مشروبات غازية في العرس، فقط الجلاب والليموناضة والنبيذ. وعلى حواف نافورة الماء وزعت الصينيات المتخمة بالحلويات العربية المنمنمة كحبيبات المن والسلوى والصنوبرية والفستقية... الخ. اضافة الى الفواكه المجففة وقمر الدين، والنقولات كالجوز والبندق، كأننا ازاء محلات العطارين والدكاكين القديمة.
ما من "زفة" هنا، بل "عراضة" شامية أصيلة. جاءت الفرقة من سوريا بكامل قيافتها وعدتها. وفي جو مفعم بالبخور والعطور الشرقية، كانت العراضة بالطبل والزمر والعصي، تماماً كما في أكثر الاحياء عراقة تحدث اعراس الوجهاء، ويخيل إلينا أننا في زمن تجار الحرير والسجاد والبخور والتوابل، كأننا في عرس قبضاي سليل عنتر نفسه.
عادت منى الى بيروت، فنجحت في إخراجنا منها والذهاب بنا بعيداً في المكان والزمان، الى مخيلة الدعة والهناءة، خدعتنا لساعات كانت كافية لنشعر ان الأمل والبهجة ليسا مستحيلين في بيروت. والأهم، انها على طريقتها، ابتكرت ليلة "شامية" على شاطئ العاصمة اللبنانية، في فعل "سياسي" يليق بالثقافة اللبنانية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.