8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"البيال": الجزيرة نائبة بيروت الغائبة

عندما امتنع علينا وسط بيروت "المحتل"، وأردنا الاحتفال ببيروت في ليلة رأس السنة، معلنين أننا "نحب الحياة".. ذهبنا الى "البيال".
عندما أردنا بعد حرب الصيف المدمّرة، أن نثبت إصرارنا على العيش والبهجة، في أعراسنا وفي عروض أزيائنا، وفي حفلات الموسيقى والغناء.. ذهبنا الى "البيال".
عندما بدا أن إيقاف التقليد السنوي العريق، أي معرض الكتاب، سيكون إشارة سيئة ونذير شؤم للمدينة، كان لا بد من إقامته بعد تأجيل، هناك في "البيال" أيضاً.
هذه "الجزيرة" التي تبدو وكأنها بمنأى عن بيروت، موغلة في البحر، هي بمثابة ملجأ، في لحظة استعصاء الوسط (الداون تاون)، وفي لحظة انغلاق أنحاء بيروت على أهاليها وعصبياتها وتوتراتها. إنها جزيرة ومتنفّس ومخرج طوارئ لمناسبات العاصمة واحتفالياتها.
ونحن الذين استغربنا فكرة "سوليدير" تحويل مكبّ النورماندي الخرافي، الى أرض جديدة تمدد وسط العاصمة وواجهتها البحرية، بحديقة عامة ومركز معارض ومؤتمرات وصالات عرض واحتفالات. فمن الذي سيستخدم هذه "البيال" البعيدة في كل الاتجاهات عن أماكن المدينة المعتادة وعن المجال الحيوي لحركة الناس والعابرين؟ قلنا إنها جزيرة نائية بمعنى من المعاني وستكون نصباً معمارياً خالياً، وفي أحسن الأحوال ستكون مطرحاً للاستعمال الرسمي: بضعة مؤتمرات لا شأن لنا فيها!
قلنا إنها من غرائب مشروع رفيق الحريري التي لا صلة لنا بها، وربما ستجد وظيفتها في مستقبل بعيد. لم نخمّن أنها ستكون فجأة، جزءاً من يومياتنا. وستكون الآن ملعبنا، ومقر التقاءاتنا. بل بالأحرى، إنها الآن "خيمتنا".
هناك، ما بين المرفأ ومرسى المارينا، حيث العمل ما زال جارياً لمعالجة الأرض التي انبثقت أثناء الحرب من ركام الخردة والنفايات وردم الخرائب وتراكمت طوال 15 عاماً، يذهب الناس ليلتقوا، وليكونوا على صلة بالمناسبات العامة، وبأنشطة المدينة.
باتت "البيال" آخر معاقل الوسط التجاري "الموقوف"، القادرة على الاستمرار وعلى جذب الناس واستقبال الاحتفاليات، فحتى عندما استعصت بعلبك على فيروز كانت "البيال" هي البديل، وعندما حلّت الكآبة في الفنادق والصالات الكثيرة الموزعة في بيروت كان الحل هناك في "البيال". إنها بمعنى من المعاني نائب بيروت الغائبة.
معجزة صغيرة، من مآثر مشروع إعمار بيروت، الذي يبدو راهناً مهدداً بالضغينة والحقد والتخريب أو على الأقل بالمصادرة الأبدية. فهل تكون "البيال" منصّة للعودة ولاستعادة الوسط، أم تكون الشهقة الأخيرة قبل غرق بيروت في لجة بحر الظلمات؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00