نصف قرن على معرض بيروت العربي الدولي، ونحو 180 جناحاً وحوالى مئتي دار نشر، وعلى مدى عشرة أيام في أرض المعارض بـ "البيال"، المستجدة على خارطة بيروت ما بين المرفأ ومرسى اليخوت (المارينا).
وبعد تأجيل اضطراري إثر محاولة قوى الإعتراض السياسي تعطيل الحياة العامة، كان لا بد من إقامة هذا المعرض، الذي بات معلماً من تقاليد بيروت الثقافية، السنوية. فكانت مناسبة إفتتاحه في منطقة الوسط التجاري، أي في نطاق "سوليدير"، في منشأة تدل على بعض إنجازات الرئيس الراحل رفيق الحريري، وبادارة النادي الثقافي العربي (النادي الذي ينتمي اليه رئيس الحكومة فؤاد السنيورة)، وبكلمة إفتتاحية من الرئيس السنيورة.. كانت مناسبة لا تخلو من مغزى ثقافي سياسي ينحاز على الأقل لخيارات المدينة ومزاجها تعلقاً بالحياة واندفاعاً نحو المستقبل.
تتسم كل دورة من معرض الكتاب ببروز دار نشر جديدة أو بانحطاط أخرى، أو تدل على رسوخ وديمومة دور عريقة، أو تتصف بظاهرة طارئة، وبالتأكيد فإن كل دورة، باحصاءاتها وروادها، تعيننا على فهم ميول القراءة بين العموم وتبدّل أهواء هذه الميول.
أفضل ما يسجله معرض هذا العام اندثار ظاهرة الدكاكين الدخيلة على عالم الكتاب، تلك التي كانت تبيع الاكسسوارات أو الكاسيتات أو شرائط الفيديو أو الأقراص المدمجة، المقرصنة، والألعاب الالكترونية المنسوخة. فغيابها جعل المعرض سوقاً للكتاب حصراً، وأعاد ذلك للمعرض رصانته ورقي مستواه.
بالطبع، فان البرنامج الثقافي المصاحب المعرض، وقد بات من ثوابت المناسبة، وما يتضمنه من ندوات ومحاضرات وأمسيات شعرية وقراءات، وبغض النظر عن اختلاف وجهات النظر في مضمونها أو في مستواها، فإنه أضفى على طابع المعرض رصانة إضافية وأكد على هويته الثقافية. فهو علاوة عن كونه سوقاً للكتاب ومناسبة ترويجية للناشرين، بات منصة للكتّاب والأدباء والباحثين لمخاطبة العامة والتواصل مع الجمهور.
ومن سمات هذا المعرض ان ظاهرة حفلات التوقيع، التي تكرست منذ سنوات قليلة، باتت أقل مغالاة وأقل إفتعالاً، وانحسرت نسبياً، بل وصارت متخففة من الإحراج الإجتماعي، بعدما كادت في الدورات السابقة أن تتحول كابوساً لرواد المعرض، الذين كانوا يحرجون من كثرة المؤلفين الذين يقيمون حفلات توقيع لكتبهم.
بالمقابل برزت ظاهرة إصدار كتابين أو أكثر لمؤلف واحد بالتزامن مع افتتاح المعرض، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر فؤاد مطر وشوقي بزيع وطراد حمادة ونصري الصايغ ومحسن دلول... أو إصدار واعادة طبع مجموعات كاملة لمؤلفات سابقة وجديدة دفعة واحدة كما فعلت دار رياض الريس مع محمود درويش ورشيد الضعيف.
وهذا يشير الى نزوع المؤلفين لتنفيذ "سياسة" الناشر، والانقياد الى رغبات دور النشر، والتواطؤ معها أكثر لمتطلبات السوق، فيكون التأليف قائماً على حافز هذه السوق ورؤية الناشر وطلبه. وعلى هذا المنوال يحترف بعض الكتّاب إنجاز المؤلفات وفق مزاج السوق وخطط الناشر.
مع كل دورة تبرز دار نشر جديدة أو أكثر، وغالباً ما تكون ترجمة لرؤية ثقافية محددة. فمثلاً قبل سنوات قليلة بدت دار عبيكان صاحبة مبادرة في نشر كتب مرجعية، مترجمة على الأغلب، ومدارها الكتب الفكرية التي تساجل ظاهرة العولمة والليبرالية الجديدة وصراع الحضارات. أما هذا العام فبرزت داران، يبدو انهما عبارة عن شركة واحدة، وهما "دار المدار الإسلامي" و"دار الكتاب الجديدة المتحدة"، وتبدو الشركة بإصداراتها تعمد الى اصدار الكتب التي تحاول "التوفيق" ما بين "التنوير الغربي" و"التجديد الاسلامي"، ولذا تأتي مؤلفات مفكري مدرسة فرانكفورت، ومؤلفات الكاتب رضوان السيد ونادر سراج، اضافة الى اصدار الأبحاث التاريخية المتعلقة بالحقبة العثمانية واصلاحاتها. وهذا ما يشير الى هوية نشرية وثقافية للدارتين.
لا شك ان معالم المعرض الأساسية تبقى مع رسوخ دور نشر مؤثرة في المؤشر الثقافي وفي الانتاج الأدبي والفكري، مثل دار رياض الريس التي أنزلت يوم إفتتاح المعرض 15 عنواناً جديداً، وهي التي تصدر أكثر من أربعين عنواناً كل موسم. ولا شك ان دار الآداب بنكهتها الروائية والشعرية ومخزونها من الاصدارات الأدبية لا تزال مرجعاً مهماً للقارئ لا يمكن تفاديه. وتبقى دار الساقي ودار النهار والمركز الثقافي العربي ودار الانتشار العربي ودار المدى ودار الجمل هي المثابرة حقاً على إصدار الجديد والنوعي عربياً ومترجماً.
نسجل أيضاً إستمرار ظاهرة "الديوان الأول" للشعراء الجدد. إذ يبدو أن بروز شعراء جدد ليس جيلياً، بقدر ما بات سنوياً. فنحن في كل عام أمام ظهور موجة جديدة من الأسماء الشعرية ومنهم الآن رامي الأمين وشادي علاء الدين.
في مطلع التسعينات بدأ تقليد جديد يترسخ في السياسة النشرية، أن تعمد دار نشر معينة الى اجتذاب أكبر عدد من الشعراء (والروائيين) لإصدار دواوينهم في سلسلة متتابعة موحدة التصميم والحجم واللون. وهذا ما كان يلفت الأنظار ويضفي على دار النشر "برستيجاً" ثقافياً ودعاية واسعة، ويسمها بـ"الرسولية" والمغامرة. هذا ما فعلته دار رياض الريس ثم دار الجديد ودار النهار ودار الجمل. وفي العام الماضي خاضت دار "مختارات" غمار هذه التجربة/ وكما سابقاتها توقفت عن هذا التقليد تاركة المهمة لدور أخرى.
هذا العام كانت هذه المهمة على عاتق دار النهضة العربية، التي بادرت بحماسة استثنائية الى إصدار حوالي 16 كتاباً شعرياً في وقت قياسي بين خريف 2006 وربيع 2007، وحتى ما بعد إفتتاح المعرض كانت الاصدارات الشعرية تتوالى على رفوف الجناح آتية للتو من المطبعة. قد تكون هذه السياسة النشرية مقامرة مضمونة، لكنها بالتأكيد مغامرة لصالح الشعراء والشعر أكثر مما هي لصالح الدار.
هذا التقليد الذي تناوبت عليه أكثر من دار نشر، يقي الشعر من التشرد. ويبدو أن منافعه غير المنظورة حفزت دار رياض الريس، صاحبة المبادرة البارزة، الى محاولة استعادة هذا التقليد. ولذا ستطلق داراً رديفة في العام المقبل باسم "دار الكوكب" تخص باصدار سلاسل من كتب القصة القصيرة والرواية والشعر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.