8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

32 عاماً على 13 نيسان 1975 قالت أمي "فقط أريد أن أراك حياً.." وذهبت!

هنا، المتحف الوطني وبالقرب منه نصب الجندي المجهول. وهناك أيضاً المحكمة العسكرية، والادارة المركزية للجامعة اللبنانية، والمقر الرئيسي للأمن العام، وعلى بعد خطوتين قصر العدل، ويلاصقنا قصر الصنوبر حيث أعلن قيام دولة لبنان.
وهنا يتقاطع الطريقان المحوريان لكل بيروت، الخط الغربي ـ الشرقي مع الخط الشمالي ـ الجنوبي. ومن هنا يبدأ "طريق الشام"، كما من هنا ندخل بيروت. كانت التخوم والحد وبوابة الدخول والخروج، وباتت نواة للمدينة ونقطة إرتكاز.
نحن اليوم في ميدان عام تحيطه رموز عمرانية وأنصبة ومؤسسات تدل على بعض قوام الدولة وعلاماتها، مبان وادارات ومرافق تشير الى ما يصنع عاصمة ويرسم للمجتمع أجسامه وهيئاته. وإننا هنا في ميدان سباق الخيل، الذي يجمع، عادة، الفقراء مدمني هذه الرياضة مع أعتى أغنياء المدينة.
إذاً، في هذا المكان الذي يدل بوفرة على ما يجمع اللبنانيين، وأهل العاصمة خصوصاً، كما يوحي بحضور الدولة وسلطانها... جئنا لنروي يوميات الحرب ونقدم شهادة ذاتية عن سنوات تلك التجربة المديدة الممزوجة بالغبار والرصاص والنسيان. تجربة من خطايا وأوهام ومعرفة وجهل، حيث تربت الضغينة واستشرى العنف الأعمى.
هذا المكان كان الأرض الحرام، او بالتعبير العسكري كان "أرضاً ميتة"، حيث لا يحتلها أحد. نقطة فاصلة بين عدوين. مسافة من خواء، وحدود مرسومة بالخوف والسلاح. وإذا كان وسط بيروت يتصف بذلك، إلا أنه كان مهجوراً. أما هنا فكان رغم الحرب البوابة والمعبر. كان الرمق الخير للإتصال، والفرصة الوحيدة للقاء. كان قناة التبادل الضيقة بين بيروت الغربية وبيروت الشرقية. وما بين بناية العجة من جهة البربير وحاجز التيوس عند بناية اوليفتي ارتسمت الحدود، حيث نجد حتى اليوم بعض آثارها.
في الزواريب الخلفية، ما وراء المحكمة العسكرية، رفعنا ساتراً ترابياً عند زاوية السفارة الارجنتينية (لا أعرف أن بقيت السفارة هناك). حفرنا "جورة" في اسفلت الطريق، نسميها حفرة إفرادية، ككمين ليلي. صعدنا الى البناية المدمرة، المحترقة المواجهة لبناية "التحري" ونصبنا صواريخ 107 ملم التي تعمل على البطارية. ركزنا قناصا عند نافذة حمام تطل على الشارع المؤدي الى "الغران ليسيه" و"الفواييه" الفرنسيين. نصبنا عدة مدافع هاون 60 ملم في البورة الخلفية للموقع. أنزلنا كنابايات الصالونات الى الشارع والأرصفة مبتدعين جلسات انس وإسترخاء تحت الشمس. لم نترك شقة من دن أن نعفرها ونقلبها رأساً على عقب. ثم جاءت فتيات الحزب القومي والحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي ليحولن شقة أرضية الى مستوصف حربي.
كان ذلك في أيام ربيعية كهذه من العام 1984، وكنت في الثامنة عشرة من عمري، مزهواً ببندقيتي وقنابلي الرمانية وبدلتي العسكرية الخضراء. أصعد في الليل مع رفاقي الى سطح إحدى البنايات، متأملين المنطقة الشرقية القابعة في العتمة، وحيث يخيم السكون الى حد أنني أسمع دقات قلب رفيقي أو دبيب حشرة تحت خزانات المياه الفارغة المنصوبة على السطح. عتمة وسكون ونحن نلهث خوفاً وإرتياباً، إذ أننا هنا نحضر للمفاجأة. نرفع قاذفات الـ "آر ـ بي ـ جي" ورشاش الـ"بي.كي.سي" الى الحافة. لقد جاءت الأوامر بكسر الهدنة وإشعال الجبهة. وعلى دفعات متتالية نطلق صواريخ الـ ب.7 وزخات هائلة من الرشاش المتوسط، ونهرول على الدرج نزولاً. ويأتي الرد سريعاً، ثم يتوسع الاشتباك ويشتعل محور رأس النبع، ثم يبدأ القصف وتصل الينا أصداء الانفجارات والرصاص من محور الشياح ـ عين الرمانة الى الطيونة الى بشارة الخوري ـ السوديكو. وتنهال القذائف على الشرقية وعلى الغربية. حسن أبو الليل يجلس في الدشمة يدخن ويطلق النار على المجهول في الليل الحالك. أبو حديد يضحك "بلش الشغل يا شباب" هذه ليلة لا ضجر فيها. أذهب الى البورة وأتسلى برمي بضع قذائف هاون، ثم أمر على المستوصف مهتاجاً، يكفي أن أرمق وجوه الفتيات المناضلات، أن أسمع أصواتهن الرقيقة. ثم ألج الى دشمة الشيوعيين. أعطي سيجارة للرفيق وهو يراقب من "الطلاقة" (كوة إطلاق النار) باتجاه العدو. فجأة يرتد جسمه بعنف الى الوراء ويصدر عنه صوت مرعب، "جعير" إذا صح التعبير. لقد دخلت الرصاصة الى عينه مباشرة. كان الدم يفور كرذاذ رفيع شديد ويختلط بالرمل المتساقط من أكياس الدشمة. حين سحبه رفاقه الى المستشفى غادرت الى غرفة المنامة مشلولاً من الذعر.
عند ذاك المحور، خلف المحكمة العسكرية، بين زواريب رأس النبع، كان معبر السيارات بين بيروت الغربية والشرقية، إذ أن الطريق الرئيسي المتحف ـ البربير كان مقفلاً ومحرماً. انشأنا حاجزاً تتناوب عليه العناصر المسلحة من الحزب القومي والمرابطون والشيوعي وحزب العمل الاشتراكي العربي. لن أخبركم عن المضايقات والتوقيفات الاعتباطية الى حد الخطف، وإهانة الموطنين على سبيل التسلية، والتفتيش المزاجي، وإستعراض السلاح وإشعار الذاهبين الى الشرقية بأنهم جواسيس وخونة والآتين منها بأنهم أعداء يستحقون القتل. لكن سأخبركم عن إنتصار المواطنين اللبنانيين على المتقاتلين. إنتصار رمزي ومادي ضئيل كان يسجل نفسه يومياً ويفرضه علينا نحن المسلحين. كان الميكانيكيون، مصلحو السيارات في بيروت الغربية يشترون قطع الغيار من البائعين المشهورين في بيروت الشرقية، في منطقة الدورة تحديداً. كان صانعو الكعك في الغربية يذهبون لبيعه في الشرقية. موزعو الصحف والمجلات، موزعو الخضار واللحوم، تجار الحديد والاسمنت، الخياطون، وموظفو المصارف، والأدهى الذين لا شغل لهم لا هنا ولا هناك بل مجرد أصدقاء متزاورين، أو حتى فضوليين يودون التعرف على المنطقة الأخرى. كان الإصرار على الذهاب والإياب بمثابة إستفزاز لنا. فمن هنا ايضاً، من هذا المعبر كانت تمر السيارات المفخخة بالاتجاهين. لم نضبط ولا سيارة واحدة منها. وبدلاً من ذلك، سرعان ما إنخرطنا سريعاً في "إقتصاد" الحرب الجاري هنا. حصة لا بأس بها من الخضار، فخذ خروف، عمولة على قطع الغيار، ضريبة على الشاحنة، اعداد مجانية من مجلة الشبكة ومن جرائد كل صباح. إكرامية من سعاة البنوك، وإكرامية أخرى من التجار والمقاولين. ولا أنسى أن أخبركم ما كنا نتقاضاه من أصحاب بيوت المنطقة: مبالغ رمزية مقابل التعهّد بحماية الشقة، أي أن لا نصادرها، أو أن لا نستعملها لإطلاق النار أو نستولي على أثاثها. كانوا يأتون أيام الهدنة لتفقد منازلهم، و... "يشكروننا".
مرة كنت مستلقياً في العراء قرب مدفع الهاون، فتحت عينيّ لأجد أمي واقفة فوقي بوجهها الكئيب قالت "لا شيء. فقط أريد أن أراك حياً" وأدارت وجهها وذهبت.
مرة اشتبهنا بمحاولة تسلل إلى زاروب يؤدي مباشرة إلى مواقعنا الخلفية. وبسبب وجود أرض مكشوفة بين خطنا والبنايات الثلاث الأمامية كان من الصعب التمركز فيها، والشارع العريض الذي يفصل الجيش عن الزاروب يمنعه أيضاً من التموضع فيه.
أمرونا بالوصول إلى البناية الوسطى تحت غطاء ناري مستمر، ما إن تقدمنا حتى أصيب شابان منا، وثمة ملالة لم نستطع كشف موقعها تمشط برشاشها الثقيل الزاروب كله. وسط الشظايا والغبار وأزيز الرصاص والكتل الحجرية المتساقطة وصلت إلى الهدف، تبعني ثلاثة لكنهم دخلوا خطأ إلى البناية الأولى الأقرب إليهم. أنا وحدي في الثانية والجيش في الثالثة، وبات مستحيلاً على رفاقي الوصول إليّ. من موقعي أكتشف أن الجيش استطاع سراً حفر خندق يصل من مواقعه إلى حفرة كبيرة تحت مستوى الأرض في وسط الشارع تماماً. قررت عدم الاشتباك والانسحاب ليلاً.
ما إن هبط الظلام حتى وصلت الدعسات الكثيرة إلى المدخل، نظرت من النافذة ورأيتهم، تيبست، والعرق البارد يتصبب من أصابعي، وبت مشلولاً. تحركت كسلحفاة مرتجفة متخيلاً موتي العنيف. تكورت داخل تتخيتة، واهناً من العطش، وغمرتني التهويمات المائية، شلالات غزيرة، ماء مثلجة، ينابيع تتفجر من الأرض باردة ورقراقة. انتبه للصراصير، الكثير من الصراصير. غفوت ثانية على أحلام من بحيرات وأنهار، أغفو وأستيقظ وأمصّ الحنفية الجافة.
عند الفجر هبطت ببطء شديد، خرجت من البوابة وركضت نحو رفاقي صارخاً أن لا يطلقوا النار "أنا الشيطان.. أنا الشيطان، لا تطلقوا النار".
أبو البلاوي، هو الذي أعطاني اسمي الحركي "الشيطان".
***
أقف على الحاجز، واضعاً نظارات "رايبون" خضراء بإطار ذهبي، أحمل بندقية "فال" انكليزية، مرتدياً "بروتيل" أبيض (فانيله) وبنطلوناً عسكرياً مرقطاً.
هكذا متشبهاً بالمحاربين الشرسين، القتلة. على ناصية الحاجز عنصر يدقق بالهويات، أمامه عنصران آخران للتدقيق والتفتيش، أنا أتمشّى بين صفّي السيارات جيئة وذهاباً متبختراً، متفحصاً الوجوه والمحتويات. ما إن أشير بأصبعي إلى سيارة حتى يفهم المناوب أنها مشبوهةٍ. للسيارات مقاييس محددة: السيارة الفخمة تستلزم لصاحبها عمراً معيناً ومظهراً متميزاً، السيارات المهملة أو العتيقة الطراز مرشحة لأن تكون مفخخة. المرسيدس وب.أم. دبليو علينا الحذر منها إن كان ركابها من الشباب، السيارات العائلية هي الأخطر ومشبوهة جداً، عادة ما يستعملها الجواسيس. كل السيارات تقريباً خطرة، خصوصاً تلك التي يحاول سائقها تعويدنا على مروره بمشاويره "البريئة".
أرمق المرأة في سيارة بيجو 504، آتية وحدها من الشرقية إلى الغربية تتحاشى نظراتي، التوتر ظاهر عليها، أقف قربها تماماً وأنتظر اللحظة التي ستنظر إليّ فيها لأشير بأصبعي نحو سيارتها لفريق التفتيش. انفجرت بوجهي "مع كل ها البهدلة، كمان بدك توقفني؟ ما بتحسّوا؟". وضعت أصبعي على فمي إشارة لها أن تسكت، فاستمرت بالصراخ..
صحت "أسكتي". فنزلت من السيارة وكأنها تود معاركتي، لم يردعها تحريك سلاحي من وضعية التدلي إلى وضعية التهيؤ، استمرت بشتمنا: "زعران، خربتوا البلد، قتلتوا الناس، وبدكن تذلونا.. تعا اضربني كمان، شو لأنو حاطة تمثال العذرا بدّك تبهدلني؟" صعقتني الجملة الأخيرة، خجلتُ وارتبكت. تقدم "أبو رشق" وهو من "المرابطون"، ضخم الجثة وأزعر حقيقي، اقترب والتصق بها وجهاً لوجه حتى لامس انفه أنفها وحدق في عينيها قائلا وهو يكزُّ على أسنانه "(..) اللي بزّرك، اسكتي يا (..)"، التفت إليّ باحتقار "طلاع معها وخذها ع العاملية". المرأة انهارت وهي تقود السيارة وأنا بجانبها أرى دمعة صامتة تكرج على خدها، برأسي المطأطئ قلت لها "أمي مسيحية".
لا أعرف، أكان ذلك عام 1985 أم عام 1986. هنا أيضاً أتت أمهات المفقودين والمخطوفين وأشعلن الإطارات ورفعن يافطاتهن وصرخاتهن ودمعاتهن. وكنت ضمن موكب مرافقة المسؤول العسكري عن بيروت، الى مكان الاجتماع هنا قرب المحكمة العسكرية: ممثل عن القوات اللبنانية، وممثل عن الجيش اللبناني وممثلون من خليط أحزاب بيروت الغربية، التقوا لبحث موضوع المخطوفين.
في الباحة كانت الصدمة. عشرات المسلحين الأعداء سوية في مكان واحد. الأصابع على الزناد وكل شلّة قرب سياراتها وقد توزعنا على زوايا متقابلة. كنا نحملق ببعضنا البعض ولا نصدق كيف أننا معاً ونشبه بعضنا البعض، وتصدر عنا ردود الفعل نفسها. نظرات حشرية ونظرات دهشة ونظرات خوف. وأصابع ترتجف على الزناد. أعجبتني قصّات شعر شبان القوات اللبنانية التي كانوا مشهورين بها. أيضاً طريقة حملهم للبنادق المتأثرة بالاستعراضية الإسرائيلية وتدلّي حمّالات الرشاشات بأناقة وترف. لكن كنت شديد الإعجاب أكثر بالجعب الكبيرة التي تطوّق البطن والظهر على نحو مهيب، فيما جعبنا الروسية القديمة المهلهلة كانت تشعرنا بالحرج.
دقائق قليلة، وجاء جنود الجيش اللبناني بصينيات محمّلة بالشاي والمناقيش. إفطار لبناني نتشارك فيه، نمضغ ونرتشف ونبتسم، ثم نتحدث مع رفاقنا بصوت عال، قصداً، لنُسمِع "أعداءنا" آخر النكات المتداولة في الغربية. فيما نحدس أن في الداخل تجري الصفقات ويتقرر مصير المخطوفين والمفقودين وفق مقايضات لا نعرف أسرارها. شيء يشبه التجارة، ويشبه ما كنا نعرفه ونمارسه كسماسرة بين ميكانيكي الغربية وبائعي قطع الغيار في الدورة. يشبه أكثر ما كنا نفعله مع موزعي الكعك والخضر. وهذا ما لم تعرفه الأمهات المعتصمات ما بين البربير والمتحف.

شهادة تليت في ميدان سباق الخيل في احتفال "13 نيسان، ذكرى الحرب" الذي نظمته أكثر من 20 جمعية ومؤسسة أهلية ومدنية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00