بادرت الحكومة اللبنانية الى نشر إعلانات ـ ملصقات على نواصي الطرق والأوتوسترادات تحت عنوان "شكراً". وهي عبارة تنمّ عن الإمتنان لكل دول العالم، الشقيقة منها والصديقة، التي اشتركت في مؤتمر "باريس3" والتي أسهمت أيضاً في مساعدة الدولة اللبنانية في مواجهة آثار حرب تموز 2006 المدمّرة.
وهذه الحملة الإعلانية، هي بطبيعة الحال لا تستثني أي دولة، كما لا تقدم دولة على أخرى. فكلمة "شكراً" البسيطة، تُقال هنا لياقة وبدافع من واجب أخلاقي، أكثر منه سياسياً. فيكون الإعلان، والحال هذه، من بداهات الديبلوماسية وأعرافها.
لكن، وبما أننا ابتلينا بـ"معارضة" إنقلابية السلوك والأهداف، متمرّدة على النظام والأصول الديموقراطية والدستورية... فحتى هكذا إعلان يتحوّل الى مادة سياسية قابلة للابتذال والانتهاك. فهذه المعارضة الخارجة على الدولة والتي تمتلك جيشها الخاص وسياستها الخارجية الخاصة واقتصادها الخاص وعلاقاتها الديبلوماسية و"الاستراتيجية" الخاصة، يسعها من غير الرجوع الى الدولة اللبنانية ورأي اللبنانيين جميعاً أن تتحالف أو تعادي أو تتقرب من دولة أجنبية، بغض النظر عن السياسة العامة للحكومة، وبغض النظر عن مصالح سائر اللبنانيين وخياراتهم.
هكذا، وبناء على عقيدة النكاية والمناكفة التي تعتمدها المعارضة أسلوباً ثابتاً، بادرت الى "مزاحمة" الحكومة اللبنانية على كلمة "شكراً". فعمدت الى وضع ملصقها الإعلاني الخاص بها، وزرعته على طول الأوتوستراد الممتد من طريق المطار وحتى أقاصي الجنوب اللبناني.
وكلمة "شكراً" المعارضة لم توجه الى كل من ساعد أهل الجنوب وسائر اللبنانيين أثناء الحرب وما بعدها. وبالطبع، لم توجه الى الدول التي اشتركت في مؤتمر دعم لبنان واقتصاده بـ"باريس3". إنها تحية شكر موجهة الى دولة واحدة فحسب، دولة قطر.
.. وشكر قطر، لا شك أنه واجب يقرّ به اللبنانيون حكومة وشعباً، وقد تم ذلك في إعلانات الحكومة المطبوعة والمتلفزة، من غير تخصيص أو استثناء، ذلك أنه الى جانب قطر كان هناك دولٌ لا تقل سخاء أو حمية أو حماسة في المساعدة، وفي التبرع وفي جهود إعادة البناء. لكن للمناكفة أحكاماً تفرض على "حزب الله" (وحلفائه) أن يعاكس أصول اللياقة وأعراف التخاطب، فيحيل السياسة كلها الى ابتذالات النكاية والحرتقة.
أما وقد استحت المعارضة من شكر سوريا وإيران، بعد استفزازية "شكراً سوريا" يوم 8 آذار 2005، واقتصر إعلانها على ذكر قطر وحدها، فإنما أزهقت هذه الـ"شكراً" في زواريب السياسات الكيدية، من غير أن تكون الحكومة اللبنانية في وارد الانزعاج أو الشعور بالاستفزاز ومن غير أن تكون قطر معنية بهذا المعنى، وربما من غير رضاها أن تكون هي عنواناً للحرتقة. فأصحاب الإعلان أرادوا ضمناً، تحت يافطة قطر، إنكار كل شكر أو تحية لسائر الدول العربية، والدول الأوروبية، وأميركا الشمالية ودول آسيا. فتم والحال هذه "استغلال" اسم قطر للحطِّ من أسماء باقي الدول. إذ لا يسع حزب الله الذي "يربّي" أهله وجمهوره على كراهية ومعاداة معظم دول العالم، أن يقرّ لهذا الجمهور بـ"فضل" من يضمرون لهم الكراهية، ولا يسعه أيضاً أن يعترف بما قامت به الدول الصديقة والشقيقة من مساعدة وتعاطف ومؤازرة. فهكذا اعتراف قد يقوّض ما يسعى الى ترسيخه بين جمهوره ويناقض ما يربّي أهله عليه.
بهذا المعنى، أساء حزب الله، أو من حرّضهم على نشر الإعلان، الى دولة قطر في هذا الاستخدام الرديء لاسمها في حملة دعائية ـ سياسية تود في نهاية المطاف إنكار جميل الآخرين وإنكار كل تحية وكل شكر.
والنازع الى هذا كله، هو "فوبيا" الحزب الخميني من خسارته لـ"جماهيره". رهاب وفزع من تأثير الوقائع والأحداث والإعلانات على عقول أتباعه، فيسعى باستمرار الى تغذية الكراهية، وتغذية الريبة والعداوة.. حتى في غياب المسوغ.
وعلى هذا، ابتدع الحزب قصة المال الحلال والمال الحرام، من غير بيان أو مقدمات أو سند وحجة "شرعيّتين"، فيكون الفقه مرجعه السياسة ومقتضاها. ومن هذه السياسة يتم ابتداع النكاية أو الحرتقة، ويتم تسويغ "بروباغندا" التضليل.. تجاوزاً لحدود اللباقة، طالما أن الهدف إبقاء الجمهور والأهل تحت سطوة خطابه وخططه و"استراتيجيته".
في هذا السياق، تكون نافرة هذه الـ"شكراً قطر" المزروعة على الطريق الممتد من الضاحية الجنوبية الى طرقات الجنوب كلها. إعلانات كبيرة الحجم، أنيقة التصميم والتنفيذ، والأهم أنها من غير توقيع، مغفلة المصدر والمنتج(؟!) على نحو أفعال حزب الله جميعها التي تجمع ما بين العلنية وغياب الشفافية، وما بين التصريح بالكتمان.
ونحن إذ رحنا نراها تترى في مشوارنا بيوم ربيعي مبهج الألوان والأضواء، بعد هطول أمطار نيسان المنعشة، صرنا نلحظ كيف أن طريق الجنوب المتبدلة إعلاناته من الاحتفال بـ"النصر الإلهي" الى توجيه التحيات غير البريئة، في "استثمار" سياسي لما بعد الخراب.. باتت هذه الطريق رغم الجمال الطبيعي، تنوء بكآبة ثقيلة، طالما أن علامات الدمار ما زالت مبثوثة هنا وهناك، والمسالك متعرجة بحفرها وجسورها المحطمة، والعلامات واليافطات والإعلانات تشير كلها الى أننا في جغرافيا سياسية مناوئة للدولة أو هي مبتعدة عن الفضاء اللبناني وعلاماته. فالقرى القابعة تحت غطاء مديد من صور الشهداء الذين لا يحصون، والفوضى العمرانية التي تبرز أو تتضخم مع انبثاث الخراب بين ثنايا المشهد، وعلامات الخلاء التي تبدو ماثلة في معظم البلدات. كما لو أنها مهجورة.. كل هذا لا يخفف منه ربيع مضيء، ولا جهد بشري محلي ودولي لإعادة الحياة الى سويتها، طالما أن ثقافة الموت وسياسات الكراهية تحرث الأرض وتتغلغل في العقول وتبث الكآبة أسلوب عيش.
إعلان "شكراً قطر"، كما صورة "القائد" التي ظلّلت طريق المطار فترة طويلة قبل أن تزاح، يبدو إعلاناً من أجل المشاغبة ليس إلا.. مشاغبة رأيناها يوم الثلاثاء الأسود.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.