8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

فلنذهب إلى المكتبة العامة لا إلى المكاتب الحزبية

هناك، على بعد أمتار من عجقة شبان الأرصفة، الميليشياويي السحن والحركات الجسمانية والأصوات... وهناك، على بعد أمتار أخرى حيث اعتصام أحزاب السلاح والشغب.. هناك، مقابل المقبرة الواسعة، الصامتة والمعتمة، في مبنى الاطفائية التابع لبلدية بيروت، في الطبقة الثالثة منه، تجد مجموعة من الفتيات والشبان، صامتين، يتحركون بتؤدة، يتفحصون الرفوف الكثيرة الممتلئة بالكتب، ينتقون منها ما يغويهم ويجذبهم، فيلوذون إلى طاولات خشبية بسيطة وأنيقة، مستغرقين بالقراءة والمطالعة.
هكذا اكتشفنا، في قلب معمعة حيّ شعبي يقع على تقاطع طرق صاخبة عيشاً وسياسة، ويكتنفهما الاضطراب والفوضى، اكتشفنا المكتبة العامة لبلدية بيروت، في حيّ الباشورة، والتي تديرها جمعية السبيل.
عند المدخل، ملصق ملون لتشجيع القراءة والتعلم، مع بيان كامل بعناوين المكتبات العامة المتوزعة على الأراضي اللبنانية التي يصل تعدادها إلى 22 مكتبة منها واحدة متنقلة بين القرى والمحافظات.
اكتشفنا المكتبة العامة، كما لو أنها اقتراح غرائبي، سوريالي على معالم الأحياء الشعبية، التي اعتادت افتتاح مكاتب حزبية، لا مكتبات مطالعة. وبدا اكتشافنا هذا كما لو أنه جزء مما نتخيله للبنان المستقبل، بلد الدعة والحبور والرفاهية الثقافية. بل إن هذه المكتبة الهادئة الأنيقة بدت وكأنها أُنشئت في زمن يسبق الزمن الذي يسعى لبنان لأن يكون فيه.
خُيّل إلينا، أن هكذا مشروع حالم لا صلة له بسكان المحلّة، وأنها على الأرجح، تبقى فارغة مثقلة بهواء الضجر والخواء، وأن كتبها ستظل حبيسة رفوفها، لكن سؤالنا لأمين المكتبة جاء جوابه من دفتر الزوّار وتواقيعهم، حيث أن المكتبة تستقبل بمعدل وسطي، يومياً نحو 80 زائراً من أعمار مختلفة، وهم بأغلبهم من أهل الحيّ وجواره.
..لا، بل إن جمعية السبيل تعمل الآن على افتتاح مكتبة عامة أخرى في محلة الرميل، متشجعة من الإقبال الذي أبداه الشبان والشابات على المكتبة الأولى.
وإلى ذلك، ثمة أنشطة ثقافية في كل يوم اثنين، فمن أمسية موسيقية تقوم على السماع والتحليل مع الياس سحاب مرة كل أربعة أسابيع، إلى أمسية شعرية أيضاً مرة كل شهر، إضافة إلى ما يقدمه نادي الموسيقى من استماعات تثقيفية للموسيقى الغربية، وأيضاً عروض أفلام نادي السينما.
أمين المكتبة دلّنا أيضاً على المكتبة العامة لبلدية بيروت في حديقة اليسوعية (الجعيتاوي، الأشرفية)، قائلاً "إن العائلات في ساعات المساء الأولى تأتي بأطفالها إلى المكتبة لتشجيعهم وتعويدهم على القراءة".
هناك، في الطبقة الثالثة من مبنى الاطفائية، مكتبة عامة للمطالعة، صغيرة، مرتبة.. وبدت وحدها محاصرة بأشباح الغوغاء والفلتان والجهل في أحياء لم يتنسَ لها أن تعرف سوى "مكاتب حزبية" تطالع الغرائز وتفترس العقول.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00