لا التذكر يطهّر، لا الشعر يفصح، لا القول السياسي ممكن، وبالتأكيد لا الرواية اكتملت. الكتابة ممتنعة بانتظار "الحقيقة"، لكن الكذب يملّح الأرض.
رويداً، رويداً ينتهي كل شيء. البلد يتآكل ببطء مضن، لكن بإصرار وعلى نحو مؤكد. أنجزوا اغتيالك، وها هم يعملون بضراوة ليكون موتك هباء، ولينزعوا كل معنى عن حياتنا ويحيلوها أيضاً هباء.
الجريمة مستمرة، منذ سنتين، منذ 13 نيسان 1975، منذ عام 1969 واتفاق القاهرة، منذ عام 1958، منذ رفض الاعتراف بلبنان... من الصعب التخلص من هذا الارث، إرث الضغينة على ولادتك، وعلى وجود لبنان، على أن نكون نحن كما نحب أن نكون. فبالرغم من كل ما فعلناه، وما فعلته يا دولة الرئيس لطمأنتهم ومسامحتهم، وإرضائهم ومسايرتهم، ولإشباع جوعهم... لم يطفئ غلهم علينا، ولم يُهمد عزيمتهم لتحطيم لبنان.
في هذا المشرق التعس قدرنا أن نتوارث هذه اللعنة، أن نحملها على ظهورنا وفي قلوبنا جيلاً إثر جيل، ولا مفر من حلولها في يومياتنا وعلى أجسامنا. لا مفر من أن تسبق هذه اللعنة باستمرار كل مستقبل نبتدئه.
14 شباط 2005 ـ 14 شباط 2007، سنتان كافيتان ليتخلصوا حتى من خجلهم، نحن مضطرون الآن لمعايشة وقاحتهم، وهم يطالبوننا ليس فقط بأن ننسى، بل أن نعتذر عن عاطفتنا، وعن اشتراكنا معك بحلم عابر. باتت الجريمة أن نناصرك. حتى إنهم يطالبوننا علناً بأن نتخلى عن إحياء ذكراك، وقد أرسلوا لنا تعليمات وأوامر محددة: "من الأفضل أن تغضوا النظر عن زيارة الضريح". وهم يلمحون أيضاً الى أن لا شيء يمنعهم من الاستيلاء على مرقدك، ومعاقبتنا بشدة إن بقينا على شيء من الوفاء لك.
منذ يومين قرأت خبراً عن تلطيخ صورك الكبيرة المعلقة على طريق عبرا في صيدا بالدهان الأسود. الكراهية تعمل ومن الصعب التغلب عليها. الأسود دخاناً ودهاناً وشراً يتمدد ويحتل الصورة كلها. ولهذا بالضبط، كان موتك شرطاً، ونسيانك الآن ضرورة.
ما يحدث الآن، هو شغل حثيث لاستثمار غيابك. الشياطين تتجوّل داخل الزواريب والفتنة تهيمن كسماء عظيمة فوق رؤوسنا. وأولياء أمر الجريمة يتوعدوننا إن نحن مضينا بمطلب العدالة أن يكون الثمن حرباً أهلية أسوأ من تلك التي ساهمت أنت بإنهائها ومحو آثارها. يتوعدوننا بأن ما يرسلونه الى بغداد سيرسلونه الى بيروت. آلة القتل، وقانون الارهاب يمدان سلطانهما أكثر من أي وقت مضى.
بالطبع أنت عرفتهم من خلال تجربتك المريرة معهم، وكيف تبدأ الأمور: يبدأون بالحديث عن المال الفاسد والمفسد وعن "محاربة الفساد". بعدها يبدأون بالشتيمة والذم. ثم يهمسون أن كل شيء بثمنه، وسرعان ما تبدأ المفاوضات حول الحصة التي يطمعون بها... بعد ذلك يصرحون علناً أن نيتهم تغيير النظام، وإذا أمكن التخلص من الكيان برمته.
قد لا تصدق، لكننا الآن ورغم كل ما جرى نشهد القصة ذاتها، والمساومة إياها: بدأوا بالقول ان لا اعتراض على "المحكمة" من حيث المبدأ (تخيّل مكر هذه العبارة: من حيث المبدأ)، وأن اعتراضهم ومعارضتهم هي من أجل مطالب أخرى، وأنهم فحسب يسعون لـ"محاربة الفساد". بعد ذلك بفترة وجيزة بدأوا بالشتيمة والذم، ثم همسوا أنهم يودون فقط بعض التعديلات على هذه المحكمة، أو فقط فرصة للمناقشة والتداول والفحص... ثم منذ أسبوعين باتوا يصرحون علناً أن نيتهم تقويض المحكمة والحكم والدولة... وأخيراً قالوا انهم يريدون طائف جديداً، أي إنهم أرسلوا "دعوة عامة" للحرب. هذا هو كيدهم الذي قتلك.
أنت تعرف كيف أحرقوا باريس (1)، وكيف قطعوا طريق باريس (2)، بعد سنتين على قتلك، اضطر صديقك، صديق لبنان، الرئيس جاك شيراك مع رفيق دربك فؤاد السنيورة لأن يجمعا العالم مرة جديدة في باريس (3). وهذه المرة لم يعملوا في الخفاء، ومن وراء الكواليس، لم يتستروا ولم ينتظروا. ففي اليوم نفسه للمؤتمر، بلا أي حياء، نزلوا وأحرقوا وقطعوا أنفاس لبنان مجدداً.
علينا الاعتراف بشطارتهم، فهم مهما انفضحوا (وأحياناً لفرط ثقتهم بأنفسهم يفضحون نواياهم عمداً) ما زالوا قادرين على تضليل شطر مهم من المواطنين. لذا نشعر باليأس ولا يُفلح إرث تفاؤلك في تبديد تشاؤمنا. وعلى كل حال، كيف نتفاءل ونحن الذين اضطررنا أن ندفنك، ونواريك في الثرى. وكيف لنا أن نتطلع الى مستقبل، فيما تحفتك العمرانية "العريقة للمستقبل" باتت قرينة قبرك ورديفة الموات والخواء.
انتهت المراثي، ولم تنته الخيانات. وأنت حيث أنت مهدد مثلنا بالخطف وبالظلم والتجني. رفيقك في السراي تحت الحصار، حليفك يلاحقه القاتل بلا هوادة، وريثك وارث اللعنة والتعب والضغائن، أنصارك مهددون بالفتنة، أعداؤك... يا لشكيمتهم، إنهم على وشك الافلات من العقاب، وما أنجزته وأنجزناه معك وبعد غيابك يكاد يتبدد. الوهن يكاد يتمكن منا، لم نستسلم بعد. "المعركة" طويلة حقاً. في 14 شباط 2008 نأمل أن يكون الحال أفضل.
غداً يوم آخر
نسيم ضاهر
اثنتان وسبعون ساعة تفصلنا عن يوم 14 شباط. بانقضائها نطوي سنتين من عرس الدم المتنقل فصولاً، والمتدحرج وقيعة بعد أخرى وأشلاء ضحايا في الساحات.
استهلكنا كل حروف "لماذا"، وأشبعنا السؤال درساً، وما من جواب شاف، مقبول، الى آخر الدرجات. لم نطالب بالمستحيل، ولا نخشى البغيض إن أتى خاتمة للأحزان؛ خفضنا السقوف من معرفة الحقيقة كاملة، الى الرأفة بجسد الوطن المنهك، نحن الذين لم تساورنا رغبة الثأر والانتقام. لكن الظمأ هو هو، يقعدنا في تسول بصيص نور ورمق حياة.
الخوف زادنا من طلوع الفجر، والضجر رفيق أمسياتنا، واليوم التالي مؤرق ليالينا. قبلنا بضياع شغور من العمر، ورضينا باقتطاع الفرح من مجالسنا، ودخلنا في خصومة مع الروزنامة، نتوجس في الزمن القادم، ونصلي أن لا يفجعنا بجديد. كيف لنا أن نثق بالدهر وقد عاجلنا مراراً، يؤنبنا على ارتكاب معصية عشق الحرية والعيش الكريم، ويرمينا في شجارات الأزقة، لا مظلة تحمينا من الدخان الأسود، ينفحه الحقد وتبعثه الاطارات.
منذورون نحن لعذاب الليل والنهار، يخرج من صفوفنا حملة أكاليل الشوك، نكافئهم بالشهادة على الغياب باكراً، لعجز في محاسبة جلاديهم، مرتكبين وضالعين. مسبيون نحن، مفطومون الى لبنى السعادة، يأبى الهم أن ينسانا، أفراداً بزي جماعات، ونعاجاً موسومة كالقطعان.
تعالوا الى عالم المكتئبين على مر الساعات. حلو صباحهم المفضل دوام الرتابة وغياب المفاجآت، مخافة أن يعكر الصفو خبر مفجع أو أمر عمليات. العمل نعمة مهددة بالضمور، والطريق إليه خارطة طريق تنفر من المناطق الحساسة وتتحاشى خطوط التماس العالقة في الذهن وقيد الترسيم على الأرض. لكن العمل في ديارنا ليس مرادف الانتاج، ولا يعني حكماً القيام بأعمال، بل التواجد في المكان، حانوتاً أو متجراً أو مكتباً أو مؤسسة. غالب المطاعم مقفر، فسدد الخطى نحو ملاذ المسكن بعد انتهاء "التموضع"، حيث ينتظر التلفاز اللعين، يصب ناراً على المتخاذلين ويلوّح بمفاتيح السماء للصالحين. وإذا رفضت الدهشة وذهبت باحثاً عن جلسة وأنس، عليك الصبر والاستطلاع، لأن رواد المقاهي على قدر من العصبية، يجمعهم الولاء وتفرقهم الكرسي بمثابة الحواجز المنصوبة حول الطاولات.
استراحة المسالم مساء هدنة يخرقها صراخ المتحاورين وأداء المحللين، فالتصعيد الكلامي سمة المرحلة وسيد الموقف في موطن المساكين، يتبارى أربابه على توتير أعصاب البلاد والمسأمنين.
انتهى يوم، وهكذا دواليك. الاثنين مثيل الأربعاء، والخميس نسخة عن السبت. الترقيب السباعي جدول غريب عن يوميات أسرى السلم الأهلي المرهون بمزاجية "علماني" مسكون بشبق السلطة، يغازل ولاية الفقيه وشفاعة صاحب الوعد ومنصات الصواريخ. في غضون سنتين، أسفرت المسيرة الاصلاحية ـ المحتقنة من شرّاح التاريخ والدساتير من مدرسة البشارة والنجدة في واحتين عريقتين للديموقراطية ـ عن سلسلة من الاغتيالات السياسية والتفجيرات، وتخوين أهل الضحايا وورثتهم مدخلاً للكشف عن الحقيقة والجناة، وعلى دروب انبعاث الوطن وترسيخ المشاركة، تجسدت المواهب اعتكافاً وشروطاً بمثابة ألغام، وحواراً وطنياً دفنه التفاهم السائر نحو التحالف كرمى للجار الراعي، وعملية عسكرية "مباركة" بالانفراد، وراء الخط الأزرق، أنجبت حرباً عدوانية مدمرة وصموداً مشرفاً لمقاتلي حزب الله بحجم الانتصار، ارتد على الداخل نصراً إلهياً يطالب بأثمان وينقلب على المواثيق والتعهدات. من ثم، وبهمة كائن همجي مبتكر عرف بالمعارضة، ثم لم تسمل المسترسين والمستوزرين والعراة شعبياً من أيتام النظام الأمني بكافة تلاوين صنائعه، أعقبه انسحاب مبرمج من السلطة الاجرائية وتعطيل منهجي تناغم مع "توقعات" ركني محور طهران/ دمشق ببراءة.
منذ ذاك، غمرنا المنتج الوطني الصرف (وطبقته شبه السويدية في بيانات الطرف الوفي المفعمة بعطر الليمون) بأفضاله. مظاهرات أشرف الناس ارتأت بدء العد من مليون، واعتصام سلمي في مخيم يسكنه جهاز حزب الله الحديدي، ويرتاده جمهوره، فيما يفرد حيزاً من خيمه لإيواء واستقبال طالبي التعرف على البطولة والاحتكاك بالرجولة من كشافة بألوان قوس قزح.
وبما أن النقل يكتمل بالزعرور، خرج الاتحاد العمالي الأشوس علينا من طاقية الساحر، وأتحف بيروت بجوقة جوالة تسأل عن الأزمة الاجتماعية، وترد على الورقة الاصلاحية والمؤسسات الدولية بشعارات جوفاء شعبوية، وفروسية مضحكة، الى أن استغني عن خدماتها لضآلة المردود.
على أبواب باريس ـ 3 دق النفير. قضت الخطة السرية بالتحوّط لشرور المجتمع الدولي عبر الاضراب الشامل. وعملاً برصيد المعارضة الأخلاقي (مقارنة بالأكثرية الوهمية الساقطة) عاش اللبنانيون يوماً مشهوداً من الحراك السلمي الحضاري، تجلى بالحواجز والسواتر الترابية وهراوات الملثمين والاطارات المشتعلة، ودرجة عالية من التلوث البيئي. طوقت بيروت بالحرائق، وقطع طريق المطار الدولي، لكن سخط الناس كان أكبر من التمرين الانقلابي وأقوى من مفاعيله، إزاء الفشل، استعجلت خطوة استلحاقية يوم انعقاد مؤتمر باريس على سبيل الانجاز الراقي، تمثلت بتجريد حملة تأديبية على منطقة الطريق الجديدة، وسارت جموع "الفاتحين" على محورين، فانتهى النهار بسقوط قتلى وجرحى من الجانبين، وملامسة عتبة الحرب الأهلية، وفرض حظر تحوّل أنقذ العديدين وقوبل بترحيب غير مسبوق في السجلات.
تنفس القوم الصعداء، وأجمعوا أن التسمر في صحن الدار نعمة ومنة، والمحبس أرحم من الهلاك. انعكست الآية ولم يعد الجار قبل الدار؛ انكسر شيء ظن أنه لن يخطر بالبال قط بعد الأحوال التي ذاقها لبنان يوماً. اليوم (ما هو؟) كالأمس والغد، نصيبه الترقب والخوف، وعنوانه الشعور القاسي بالمرارة والقرن وتسلل البغضاء. وعلى مقربة من تمثال رياض، أنزلت مكعبات الخرسانة وارتفعت نبرة التجريح والوعيد من أفواه مؤخري الخصام الصغار المولعين بإشعال النار.
ماذا عساه يقول لهم صمت ذلك الراقد في الضريح المجاور، سوى الرأفة بالناس والرحمة بالوطن؟ وهل هم يمنصتين؟
مهلاً! يأتينا صدى الروابي ـ جمع رابية ـ إصراراً على مزيد من التصعيد يأبى الاكتراث بالهاوية وكأن شيئاً لم يكن، ويفيدنا شرح قانوني من عضو الدولة أن القتيل ليس بريئاً بالتأكيد، والقاتل ليس مذنباً بالضرورة. هكذا وبالحرف.
سلب المقامرون البسمة من المحيا، وقايضوا على الجراح ولكن، يا لهول ولؤم مساومة المفجوع على ذكرى فقيد عزيز كريم! أهي أرضنا تنبت العوسج مكان الورد وتسمح بالرقص الفاجر على القبور؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.