امرأة شيعية، استشهد ابنها المقاتل في صفوف حزب الله أثناء حرب تموز 2006، تسكن مع أسرتها في الطبقة الأرضية للبناية الملاصقة لمنزلي.
في مطلع هذا الأسبوع، وأثناء مسامرة مسائية مع بعض ضيوفها، أطلقت أم الشهيد شتيمة مقذعة بحق آل الحريري وفؤاد السنيورة. الشتيمة وصلت ضاجّة، واضحة الى مسامع جارتها التي تقطن في البيت الملاصق والمطل على الفناء الخلفي للبناية. وعلى الفور ردت السامعة عبر النافذة بشتيمة أقذع بحق السيد حسن نصرالله وحزبه. مع العلم أن هذه الجارة شيعية أيضاً ـ كما علمنا فيما بعد ـ لكنها متزوجة من رجل سني ومنحازة الى تيار "المستقبل" وسائر قوى 14 آذار.
إزاء هذا التحدي لم يتأخر رد الفعل، فخرج من منزل عائلة الشهيد مجموع من كانوا فيه وبدأوا شجاراً كلامياً عنيفاً وصاخباً مع جيرانهم الذين عاشروهم لأكثر من عقدين. وسرعان ما تحول السباب المتبادل الى صراخ من تهديد ووعيد. أم الشهيد، حسب الرواية التي اتفق عليها أهل الحي، سارعت الى الاتصال بمكتب حزب الله في حي اللجا الذي لا يبعد سوى مئات الأمتار، طالبة النجدة والمؤازرة.
ومنذ بداية الحادثة، أي عندما امتلأ الفضاء بالأصوات الزاعقة والحادة، تمركزتُ على شرفتي الخلفية المطلة على باحة تلك البناية، مراقباً ومتابعاً ما يجري. وما هي إلا عشر دقائق، حتى وصلت مجموعة من شبان حي اللجا، وبعضهم يضع الكوفية السوداء التي تناسب ذكرى عاشوراء. ومن فور وصولهم باغتوا الأسرة المناوئة وانهالوا بالضرب على رجل استحالت صلعته الواسعة الى بقعة حمراء قانية من الدم الذي فار وغطى وجهه بعد أن انغرز الرأس بضربة من أداة حادة قصيرة كانت بيد المهاجم، فيما تولى شاب آخر الامساك بشعر المرأة البدينة محاولاً طرحها أرضاً، أما الابنة فراحت تخبط بيديها عشوائياً من غير حول ولا قوة، فكان عويلها يتردد خلال البنايات والشارع والزواريب على نحو راعب. وانهمك شابان آخران بتحطيم زجاج باب المنزل الحديد بعصاهما الخشبيتين الثخينتين، فيما انصرف أربعة شبان آخرون الى إحكام طوق يمنع أحداً من الاقتراب.
الجيران الآخرون الذين حاولوا التدخل لفض الاشتباك، تراجعوا أمام القوة البدنية والعدوانية التي أبداها الشباب، الذين لم يتوقفوا عن إطلاق الصرخات الهجومية والترهيبية فيما هم منهمكون بالضرب والتكسير.
خمس دقائق إضافية كانت كافية بالنسبة للشبان لإتمام الانتقام المريع الذي أنزلوه بالأسرة التي لم تسكت عن شتيمة سياسية، وتجرأت على الرد بالمثل. لقد أفهموها أن "ميزان القوى" غير متكافئ بالمرة.
بعد ذلك بنحو دقيقتين، ولفض الحادثة، التي بدأت بين امرأتين جارتين، وصلت ثلاث سيارات رباعية الدفع ممتلئة برجال الشرطة والدرك. وفي اللحظة نفسها وصل الى الشارع مئات من شبان الحي، الذي تقطنه غالبية سنية ويسيطر عليه سياسياً "تيار المستقبل". لقد أراد هؤلاء المئات الذود عن محلتهم وطرد "الغزاة" الذين أتوا على حين غرة من حي اللجا، ذات الأغلبية الشيعية والموالي بطبيعة الحال لحزب الله وحركة أمل.
أول ما فعله رجال الدرك ليس فض الشجار الدائر داخل البناية، بل هم نزلوا واتجهوا ركضاً لمنع الحشد الغاضب من الاقتراب. وما هي إلا ثوان قليلة حتى وصل الجيش: ملالتان، ثلاث عربات متوسطة الحجم، سيارتان من نوع "جيب"، بالاضافة الى ثلاث سيارات مدنية يستقلها طاقم من ضباط ورجال "مخابرات الجيش" بلباسهم المدني وأجهزتهم اللاسلكية ومسدساتهم على خواصرهم.
تحوّل الشارع في قسمه العلوي الى تظاهرة حاشدة متوترة وعصبية، وفي وسطه الى ثكنة عسكرية تهدر فيها الملالات وتخشخش الأجهزة اللاسلكية ويلمع حديد البنادق والرشاشات فيما الاضاءات الدوّارة الحمراء والزرقاء الصادرة عن سيارات الشرطة تحيل عتمة الليل الى مشهد ناري مكهرب.
ولكي أتابع كل ما يجري كان عليّ أن أتجوّل مسرعاً في حركة مكوكية بين شرفة الصالون المطلة على الشارع والشرفة الخلفية المطلة على باحة البناية، هكذا ضاعت مني لحظة انقضاء الاشتباك، فلم أعرف على وجه الدقة، كيف انتهى ولا أين اختفى شبان حي اللجا، هل ما زالوا هنا تحت شرفتي الخلفية ولا أراهم؟ هل دخلوا وجلسوا بهدوء وسكينة في منزل آل الشهيد؟ هل هم هؤلاء الذين يخالطون رجال الأمن والجيش ولا أتبينهم في العتمة؟ هل تم اعتقالهم في الوقت الذي كنت فيه على الشرفة الأخرى؟
حلّ فيّ التعب بعد أكثر من ساعة قضيتها متأملاً الشارع والباحة على التوالي، متهيباً ومنتظراً لوقائع جديدة، أو لاستئناف "الاشتباك". تفرق حشد شبان الحي وسكنت الأصوات وانهمر مطر فظيع كما لو أنه صادر عن سخط غيبي. وبقي رجال الدوريات قابعين في منتصف الشارع، صامتين ربما من شدة البرد والتعب.
في الصباح، أثناء حلاقة ذقني، وفيما كنت أرفع الشفرة أتأملها كسلاح صغير، أنيق... انطلق زعيق امرأة من الباحة، فهرولت الى الشرفة لأرى مجدداً جارة أخرى للمرأتين وقد وقفت بين المنزلين شاتمة إياهما بعبارات جنسية فاحشة، وسادية المعنى.
كانت تنتقم لما حل بها من أرق وخوف وتوتر في الليلة الماضية بسببهما، أو ربما أرادت، بدافع الغيرة والحسد، أن يتم استئناف الواقعة وتكون هي شريكة فيها، لطالما أن نشرات أخبار الراديو والتلفزيون جعلت من الجارتين قضية وطنية يتناقل وقائعها اللبنانيون جميعهم.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.