8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إنهم يسرقون الدمعة.. إنهم يسطون على الشهداء

أمس، أمام قصر العدل، أتت الذروة: اللصوصية المقترنة بالفجور. الذين وزعوا الحلوى ابتهاجاً باغتيال جبران تويني يرفعون صورته. الذين أعلنوا ان بيار الجميل عدو لهم يستحق الموت يرفعون صورته كما لو انهم ذوو الضحية وأهل القتيل. الذين أعلنوها بصفاقة: "لا للمحكمة الدولية" يطالبون بالتحقيق وبالحقيقة الذين لم يتركوا إهانة إلا ووجهوها لمي شدياق يرفعون صورتها. والذين صفّقوا لمقتل سمير قصير يرفعون صورته.
الذين يشتمون رفيق الحريري في مؤتمراتهم الصحافية رفعوا صورته. المتهمون بالاغتيالات وبالتفجيرات وبالإخلاص التام لأوامر "ريف دمشق" يتهمون أهل الضحايا والضحايا أنفسهم بالضلال والإجرام.
انها سيرتنا معهم. نحن نبتكر وهم يسرقون ويسطون. نحن نتألم وهم يصادرون الصرخة، نحن نبكي وهم يسرقون الدمعة. نحن نموت ونُقتل وهم يدّعون الشكوى.
ليست وقاحة فقط، ليس فجوراً فحسب، بل اللصوصية التامة. هذه هي أفعالهم وتظاهراتهم واعتصاماتهم وشعاراتهم ولغتهم.
لننس هنا البذاءات، ولنضع جانباً الدناءة، والوضاعة، والكذب. فقط لننظر في هذه اللصوصية المتمادية.
في اليوم الأول، يوم 14 شباط 2005، حاولوا سرقة الحفرة، في اليوم الثالث 16 شباط 2005 حاولوا سرقة جثمان الشهيد. اصدروا قراراً رسمياً بتنظيم تشييع رسمي، برعاية إميل لحود وسليمان فرنجية وجامع جامع ورستم غزالي وعدنان عضوم وعمر كرامي.
بعد أسبوع، حاولوا سرقة الضريح، ناصر قنديل وصحبه من العسس البعثي والقومي السوري يعلنون عن نيتهم بالنزول إلى الضريح لـ"تنظيفه" و"كنسه" من "العملاء" و"الضالين".
بعد أيام على ذلك، ليلة 27 ـ 28 شباط، تظهر اللصوصية السياسية مرة اخرى. يحاولون نشل فكرة الاعتصام والتظاهر في ساحة الشهداء، ملوّحين هم انفسهم بالنزول في تظاهرة واعتصام بديلين في ساحة الشهداء ايضاً.
في تلك الأيام، "نبتكر" العلم اللبناني، راية وحيدة، وعلماً منفرداً يظللنا، نبتكر "السلسلة البشرية" نبتكر "العريضة"، نبتكر شعار "الحقيقة" نبتكر الشمعة. نبتكر المنصة والهتافات واللوحات البشرية والشال والأزرار. نكتشف ان المدينة هي الساحة، وان الساحة لقاء مواطنين وميدان اعتراض سلمي. مدني، حضاري. ثم نبتكر خيمة الشباب والاعتصام الرمزي ونؤلف الشعارات والاغنيات. نؤلف الاحتفال والابتسامة.
على هذا النحو نخترع مهرجان المعارضة كما يجب. جديدون ومدهشون كما لم يحصل مرة في تاريخ الشرق الأوسط. ننتزع اعجاب الكاميرا وننتزع اعجاب الشعوب القريبة والبعيدة. نصير مثالاً لـ"ثورة" لا تحطم ولا تشاغب ولا تخرّب ولا تكره. ثورة مدنية تتحول إلى "صورة" ونموذجاً، ومثالاً ثقافياً معاكساً لتاريخ التظاهرات العربية والعالمثالثية، فهنا لا غضب ولا "جماهير" مسيّرة ولا عراضات عسكرية ولا رصاص ولا قبضات مهددة متوعدة ولا حرق أعلام ولا سلوكيات ميليشياوية ولا غوغاء ولا دهماء ولا نهب ولا "بالروح، بالدم.. نفديك يا".
هذه ماركة مسجلة باسمنا نحن. مع ذلك لا يتورعون عن اللصوصية والسطو. فيأتون يوم 8 آذار 2005 ناسخين مستنسخين تظاهراتنا واعتصاماتنا وصورتنا. فسطوا على شعار "الحقيقة" وسطوا على الشال، وسرقوا فكرة الساحة وادعوا ملكية العلم وأخذوا صورة الشهيد. تركوا عراضاتهم الميليشياوية واستعراضاتهم العسكرية وحاولوا ـ زعبرة ونفاقاً ـ ان يقلّدوا تظاهرات المعارضة وان يسرقوا المشهد في لعبة الـ ZOOM INوالـZOOM OUT.
طيّرنا البالونات، وابتكرنا هوية من الألوان: الازرق، الابيض والاحمر. فصاروا هم يطيّرون البالونات ويبتكرون الألوان هوية لهم. نبتدع فيديو كليب هنا، فينسخون فكرته ويسطون على ابداعاتنا. وقاحة متمادية ولا رادع لها. نقول "حرية، سيادة، استقلال" فينتبهوا إلى قوة قولنا وصوابيته، فيسرعون بببغائية رديئة، مرددين الشعار، مخبئين وراء ظهورهم شعارهم "شكراً سوريا".
منذ 42 يوماً، ظهرت لصوصيتهم الكاملة. لقد قرروا النزول إلى الساحة للاعتصام بالخيم وقرروا تنظيم حشود مليونية، وقرروا استنساخ 14 آذار خيماً وأعلاماً وبالونات ومنصة واحتفالاً وصورة تلفزيونية. كما قرروا الاستيلاء على الساحة، على وسط العاصمة، طمعاً بالسطو على السلطة والاستيلاء على البلد.
انهم صناعة "تايوانية" بامتياز، تقليد وقح لابتكاراتنا، للغتنا، لهتافنا، مع كل عيوب التقليد وركاكته.
وبعدما نترك لهم ما ابتذلوه وسخّفوه ساعين في كل مرة نحو تعبير جديد، نراهم يلحقون بنا لكي يجعلوا جديدنا بائخاً مستهلكاً: منذ أكثر من شهر أطلقنا حملة "نحب الحياة" و"بدنا نعيش"، إعلانات رائعة، بتصميم بسيط وصائب بالأحمر والابيض ورسم القلب. ماركة مسجلة لنا نحن ابناء "انتفاضة الارز" وثورة الاستقلال، ما إن انقضى أسبوع، حتى عادوا إلى اللصوصية مجدداً: سرقوا التصميم الإعلاني نفسه، سرقوا "البانو"، سرقوا الابيض والاحمر والقلب.
لم يفعلوا شيئاً من عندياتهم.
هكذا هم بلا مخيلة، بلا أي روح إبداعية، مجرد مقلدين وناسخين. تماماً كما يفعل المصاب بعقدة نقص والمصاب بشعور الدونية. أفسدوا الإعلان بأن أضافوا كلمات: شرف، وكرامة وأمان. كأن الذين رفعوا شعار "نحب الحياة" لا يعنيهم الشرف أو الأمان أو الرأس المرفوع؟!
نحن مستعدون لنسامحكم عن كل سرقاتكم وكل منتوجاتكم التقليد والمزيفة.
لكن ان تسرقوا دمنا، ان تصادروا دمعتنا!؟
الذي لا يتورع عن هذه البذاءات لا ننتظر منه الخجل. فعلاً "اللي استحى مات".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00