8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

في المنطق العددي بين اجتماع "المواطنين" واحتشاد "المبايعين"

ينظر أهل 8 آذار (التحالف السياسي المنضوي تحت عباءة "حزب الله" في لبنان) الى تجمعات وتظاهرات 14 آذار وفق منطق عددي وكمّي. ويقرأون هذه الأعداد ويوصّفونها بين "كبيرة" و"حاشدة" و"قليلة" بالقياس الى العدد الذروة الذي حققته تظاهرة يوم 14 آذار 2005 المليونية (ما بين 1.5 مليون و2 مليوني متظاهر). فتلك التظاهرة المشهودة هي الرقم القياسي، الذي دل على شعبية المعارضة آنذاك، والتي وصلت الى السلطة بأكثرية نيابية.
وأي تجمع أو اعتصام أو تظاهرة تدعو اليها قوى 14 آذار يقل عن الرقم المليوني، ينظرون اليه بوصفه إشارة على تعرض قوى 14 آذار الى الضعف وتهافت الشعبية.
باستطاعة جماعة 8 آذار ان تقول ذلك وأن تستثمره في السياسة، طالما انها تظن ان كل تظاهرة هي عبارة عن "استفتاء" شعبي، أو دعوة لـ"المبايعة"، وطالما انها تنظر الى أي جمهور وفق تعريفها هي لـ"الجمهور"، ووفق سلوك جمهورها الخاص، من غير إعتبار للتباين العميق بين المواطنين الذين يلبون دعوات قوى 14 آذار للتظاهر، والجماهير الموالية لـ"حزب الله".
نلحظ في البدء أن شريحة واسعة من اللبنانيين، على اختلاف طوائفهم وسويّاتهم الاجتماعية والمهنية، من غير تعبئة أو دعوة تقريباً، وبمزيج من مشاعر التحدي والغضب والإحساس بالفجيعة، نزلوا بمئات الآلاف يوم 16 شباط 2005 تشييعاً للشهيد رفيق الحريري. وهؤلاء المشيعون وقتذاك لم يكونوا بعد "مؤيدين" أو مناصرين لتكتل سياسي وحزبي. فهذا التكتل المفترض لم يكن قد اكتمل بعد. كانوا مواطنين فحسب وأتوا كاجتماع أفراد وكذوات حرة مستقلة، وبإرادة فردية وبقرار فردي. وبهذا المعنى شهد التشييع ولادة جمهور من نمط جديد، ليس هو بـ"الجماهير" وليس هو بـ"المحازبين". إنه اجتماع "مواطنين". لم يكن العدد هو الذي دفع بالمراقبين والمحليين والاعلاميين والسياسيين للقول ان هؤلاء يمثلون "أغلبية" اللبنانيين بمختلف تلاوينهم، بل صفتهم وصورتهم، وتباين اعمارهم ومنابتهم وانتماءاتهم الطائفية والاجتماعية وقوة تمثيلهم لأنفسهم ولمن هم ليسوا حاضرين في الجنازة أيضاً.
تلا ذلك قيام اعتصامات دائمة وأشكال تعبير شارعية (مسيرات شموع، سلسلة بشرية بين موقعين رمزيين، زيارات الضريح.. الخ) تفاوتت أعداد المشاركين فيها بين عدة مئات فقط وعشرات الآلاف. ونلحظ أيضاً أن الخيم الشبابية، الطلابية، لم تكن تضم الا العشرات في الأيام العادية. أي لم يكن أبداً جمهوراً عددياً على الإطلاق. بل وفق مقاييس التمثيل العددي، لم يشكل المعتصمون الا أقلية الأقلية. لكن في القراءة الفعلية لما يمثله هؤلاء نتجرأ على القول أن هؤلاء العشرات كانوا نواة تعبيرية لرأي عام واسع وغالب، أو هم مجرد "مندوبين" لجسم شبابي وطلابي كثير التنوع ويطغى على تجمعات الطلاب في الجامعات وينوب عن قوى حزبية وتيارات كثيرة.
يوم الإثنين 28 شباط 2005، استطاعت المعارضة أن تنظم اعتصاماً حاشداً في وسط بيروت بالتزامن مع انعقاد مجلس النواب لمساءلة الحكومة، بهدف اسقاطها. ويومها أيضاً لم يكن العدد يتجاوز عشرات الألوف، وبأفضل تقدير، كان يقارب المئة ألف مواطن ومواطنة. وإذ سقطت الحكومة بفضل هذا الاعتصام الشعبي وصورته الإعلامية، كان المناوئون (سوريا وحلفاؤها) يصرون على القول بالعدد، وبأن هؤلاء المتظاهرين لا يمثلون ـ عددياً ـ الشعب اللبناني واشتكوا مما سموه "خدعة الكاميرا" ملحّين على التلفزيونات بأن توسع كادر الصورة حتى يتبين حجم الحشد، لا أن يضيقوا الكادر على نواة الجمهور الكثيفة، سعياً منهم لإثبات الضعف العددي الذي يعتري جمهور المعارضة. في حين كان العالم كله يرى في تظاهرات المعارضة بأنها "ولادة" لرأي عام مدني، سلمي، ديموقراطي يعبر عن تطلعات أغلبية لبنانية، وأن صورة هذه التظاهرات، بغض النظر عن اعداد المشاركين بها، تشي بتمثيلها لـ"المجتمع" اللبناني، فمن هم مشاركون إنما هم فئات عمرية متباينة وفئات طبقية مختلفة ومستويات تعليمية متفاوتة، ومن الجنسين، ومن مختلف المناطق والطوائف. وان "نوعية" هذا الجمهور تدل على النخبة كما تدل على العامة، وفي سلوكها ما يشير الى ما هو غير حزبي وغير فئوي وغير أقلوي... فهم مواطنون يبدون آتين بمحض اراداتهم الفردية.
المنطق العددي حدا بحزب الله ان ينظم تظاهرة معاكسة يوم 8 آذار 2005، مراهناً على حشد وتعبئة أكبر عدد ممكن من الأنصار والحلفاء، واستطاع ان يجمع بحدود مليون شخص، أو أقل بقليل، مطالباً مرة أخرى بتوسيع كادر الكاميرات (Zoom out) ليشهد العالم على كمية المحتشدين وعلى جماهيرية أنصاره ومؤيديه (وموالين لسوريا بطبيعة الحال).
لا شك أن حزب الله، نجح يومذاك بإحداث صدمة "عددية" مستحصلاً شرعية القول بأن لديه "ساحة" مقابل الساحة الأخرى، ولديه جمهور كما للآخرين جمهور. وبنى على ذلك معادلة التكافؤ والتعادل. وربما استطاع فرض المنطق العددي والمنافسة العددية.
وربما استجابة لهذا المنطق، اضطرت المعارضة الى الرد وفق المعادلة اياها: القدرة على الحشد، فاستجابت لهذه المبارزة بعد اسبوع واحد، يوم 14 آذار 2005، الذي شهد أكبر تظاهرة في تاريخ لبنان حتى ذلك الحين. قارب العدد المليونين. واستطاعت المعارضة بالتالي حسم المعركة العددية واكتساب الشرعية التمثيلية مرة أخرى.
يمكن القول ان ذلك حدث ليس تلبية لدعوة قوى المعارضة آنذاك، بل إن الناس الذين أرعبهم وأجفلهم مشهد 8 آذار قرروا الاستجابة لهذه المبارزة بكل ما لديهم من قوة وتصميم. فجمهور 14 آذار، كما صار يسمى، كان يكتفي بابداء التأييد للمعتصمين وكان يشارك مثلاً لوقت محدد، بعد دوام الوظيفة، أو في العطلة الأسبوعية، أو يمر عابراً لبعض الوقت.
بعد تظاهرتي 8 و14 آذار ساد النقاش حول "الكمية" و"النوعية" وهو ان كان يحمل شبهة عنصرية، طائفية، إلا أنه دل على حقيقة إجتماعية ـ سياسية. فمقابل التنوع الشديد لجمهور 14 آذار وطغيان الطابع المدني عليه كان جمهور 8 آذار شيعياً وحزبياً وله لون واحد، ويغلب عليه الطابع الذكوري والأهلي والعصبوي.
وهذا ما يتيح لحزب الله الاطمئنان الى قدرته على التحكم بجمهوره بصفه كتلة واحدة لا تنقص أبداً عددياً وقابلة، بفضل التحالفات، للزيادة. وهذه الكتلة حاضرة دوماً، لها مزاج واحد: "المبايعة" المطلقة والولاء المطلق لحزب الله. فهي "جماعة" لها هوية مذهبية قائمة منذ الأزل وإلى الأبد، ولا تخضع لتحولات الزمن ولا لتقلبات التاريخ. هوية منجزة قبل أن يولد المرء، ولا تتأثر لا بشروط "المواطنية" ولا بمصالح الأفراد ولا يحيد عنها حاملها ان هو عرف اسباب التعلم أو تغير اسلوب عيشه، أو انتقل من ريف الى مدينة، فهو أبداً ابن هذا الحضن الأهلي وابن تلك العصبية، يواليها.. حتى الاستشهاد، ويناصرها إن أخطأت أو أصابت، وإن تعثرت أو انحرفت، وإن قالت بالحرب أو شطحت نحو السلم أو أبقت الحال لا سلماً ولا حرباً. فلا يسائلها ولا يحاسبها ولا يخضع سياستها للفحص أو النقد أو يقاربها وفق مصالحه الشخصية، حتى ولو أدت تلك السياسات الى مقتل عائلته أو خراب بيته أو تهجيره أو بؤسه. فنصير 8 آذار "مخلص" لحزب الله ونهجه، وإن أرغم هواه وعقله على الكبت والصمت وقمع في ذاته كل نقد أو انتباه.
لم يسر في جنازة سمير قصير إلا بضعة آلاف. وكذلك في تشييع جورج حاوي، فيما كانت جنازة جبران تويني تشهد أعداداً أكبر من المشيّعين، لكنها في أحسن الأحوال لم تتعد عشرات الآلاف. لم يدل ذلك على ضعف في شعبية قوى 14 آذار، ولم يستدل أحد من قلة الأعداد أثناء تلك الجنازات على وهن في شعبية تحالف 14 آذار. فالكل يدرك أن جمهور 14 آذار لا يخضع للأوامر، ولا ينصاع لكل إشارة، فهو أفراد ومواطنون متروك لهم أمر التقدير في المشاركة أو عدمها في أي نشاط، ومتروك له حرية الخيار في مغزى المشاركة وفي هدف النزول الى الشارع أو في عدم المشاركة والنزول. وهذا المواطن يزن أفعاله بميزان مزاجه وتدبيره لوقته وتسييره لمصالحه ولشؤونه اليومية، الخاصة والأسرية، فلا تستطيع القيادة السياسية لتحالف 14 آذار أن "تضمن" عدداً، ولا تستطيع أن تقول بـ"تكليف شرعي"، ولا أن تفرض "واجباً" على أحد، إذ هي لا يسعها سوى مخاطبة عقول وعواطف المواطنين و"تتمنى" عليهم أن يشاركوا أو يساهموا اعتصاماً أو مسيرة أو تظاهرة.
يستطيع مناصر لـ14 آذار أن يقول إنه لن ينزل الى جنازة جبران تويني، طالما أنه يظن أنها من شأن زملائه الإعلاميين وأصحابه ورفاقه السياسيين، وأن يفضل البقاء في منزله على مشقة المشوار من طرابلس أو من زحلة أو من جزين مثلاً.
حدث أن حزب الله ووسائل إعلامه مع حلفائه أن قالوا إن شعبية 14 آذار متدنية وهابطة حالياً، مستدلين بذلك على تظاهرة 23 تشرين الثاني 2006، التي واكبت تشييع الشهيد بيار أمين الجميل، فهي برأيهم ليست مليونية أي أقل من تظاهرة 14 آذار المشهودة، وعليه فشعبية هذا التيار تشهد انكماشاً.
هذا المنطق الذي يلخص السياسة والناس والحقائق الى أعداد وإحصاءات، لا يعير أدنى اهتمام لشروط أخرى يفرضها تشكيل "الرأي العام" ولشروط الغلبة في التمثيل السياسي. لم يحسب هؤلاء مثلاً أن المواطنين كانوا متوجسين من صدام قد يحصل بين جموع وأخرى في الأشرفية، مثالاً لا حصراً، أو مرعوبين من أن يعمد إرهابيون الى عمل مروع. لم يحسبوا حذر الناس أو تعبهم أو انصرافهم الى تدبير عيشهم في ظروف تزداد صعوبة وقتامة. ولم يحسبوا أمزجة شطر كبير من الناس، التي تميل الى السكينة بعد عام صاخب في الشارع وفي الساحات.
بهذا المعنى، ما يحسب ضعفاً لـ14 آذار، هو ميزة لها، فهي لا تطمئن الى "جهوزية" جمهورها ولا "تتحكم" به، بل على العكس من ذلك، فالمواطنون وأهواؤهم يتحكمان بقرارات هذا التحالف، فهؤلاء يحاسبون ويترددون ويتحمسون ويلبون ويعتكفون بملء إراداتهم الحرة، بملء وعيهم الديموقراطي.. في حين أن أهل 8 آذار لا قول لهم سوى المبايعة التامّة والمطلقة.
أليس هذا كله دلالة على "هشاشة" الديموقراطية و"قوة" الأنظمة الشمولية؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00