8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

هددوا بـ"الشارع" فعدنا إلى "الساحة". وما بين التهديد والعودة كانت الجريمة في وضح النهار، بعملية "إعدام" وحشي: 24 طلقة في جسد الوزير الشاب بيار الجميل ومرافقه سمير الشرتوني.
القتلة أرادوها جريمة مشهودة، اغتيالاً صاخباً وعلنياً ومرئياً. لم يتركوا الأمر لانفجار أو لعبوة مزروعة خِلسة ودسّاً. ولم يشأوا أن "يحاولوا" الاغتيال، اذ قد ينجو من الانفجار كما ميّ شدياق والياس المر ومروان حمادة. بل لم يشأوا أن يُقتل الشاب الشجاع، المقدام، هكذا بوميض مفاجئ وهم بعيدون، مختبئون، مجهولون.
كانت رغبتهم في مواجهته وجهاً لوجه، بسفور لئيم، لكي "يشاهدوا" ويتأكدوا من موته، هم الذين بعد اطلاق زخات الرصاصات عليه، اقتربوا مترجلين من سيارته، مفرغين رصاصات إضافية في رأسه وجسده لقتله بعد مماته، ولمضاعفة موته.
كانت رغبتهم بهذه الجريمة أن تكون موصوفة وواضحة، ولو أمكنهم ان يصوروا العملية ويبثوها لما ترددوا لحظة واحدة، اقتداء بما كان يفعله دكتاتور العراق صدام حسين وعصابته، اذ كان يعمد إلى تصوير الاعدامات وعمليات التعذيب والبطش، ويعيد بث مشاهد الرعب على مواطنيه ليتعظوا.
هذا الاغتيال الممسرح، الذي ما ان نجمع وقائعه من شهود العيان حتى نستطيع ان نتصوره كشريط أكشن كابوسي.
وهذا بالضبط ما أراده القتلة. فبعد رهاب "أسفل السيارة" الذي أصاب الصحافيين والكتّاب والناشطين والقانونيين وقادة الحركات الشبابية والأحزاب والسياسيين ، بدأ العمل، على ما يبدو على بث رهاب "نافذة السيارة".
ألغوا المسافة بينهم وبين المغدور. لم يتربصوا به من بعيد حاملين ريموت التفجير. ألغوا شبحيتهم وتموّههم، لقد باتوا مستائين من تجهيلهم، وشديدي الرغبة بالظهور، والحضور العلني وتنفيذ الجريمة بأيديهم مباشرة وتحت أبصارهم.
انهم يمعنون أكثر في ممارسة الجريمة. راغبين في أن يكونوا أكثر شراكة في الحدث، وحاضرين في قلب المشهد، وما عادوا يطيقون أن يبقوا خارج "كادر" الصورة، خارج مسرح الجريمة. وهذه المرة كانوا "أبطال" المشهد بامتياز.
أبعد من تلك الرغبة في احتلال المشهد وتنفيذ الاعدام وجهاً لوجه، أراد القتلة "النزول إلى الشارع"، واشهار التحدي بوجه السكان والمارة، والاستيلاء على الحيز العام وانتهاك حرمة الحياة وتدنيس اليومي وهتك الأمان.
انه الترويع العمومي، حرمان الناس من طمأنينة عجقة السير والرصيف والشارع والسكن وميدان الحياة اليومية، وتخريب روتيننا، والتنكيل بكل دقائق العيش العادي ليغدو فعل التنقل والخروج والاتصال بالناس والعمل والحركة، فعلاً مستعصياً، محفوفاً بخطر الموت.
وإذا كان هذا ما يذكرنا بيوميات الحروب الملبننة في السبعينات والثمانينات، فإن العمل الإرهابي الذي أودى بالوزير الجميل، يتصل برغبة القتلة الإرهابيين في استحضار النموذج البغدادي ـ العراقي الحالي وإقامة التشابه في اذهاننا، نحن الشهود على الجريمة، ما بين الشارع البيروتي والشارع البغدادي.. تذكيراً لنا بالتهديد التاريخي الذي ما فتئ يردده الرئيس السوري ووزير خارجيته للبنانيين أجمعين.
إنتقوا أكثر الوزراء شباباً. ذلك أيضاً من أهداف الجريمة، هم الذين يكنون الحقد المطلق والغيظ الحارق لـ"شباب" لبنان خصوصاً. الشباب الذين باغتوا حتى قادتهم السياسيين وتقدموا الى إنتفاضة الاستقلال بوتيرة تخطت كل تكتيك وكل تحسب وحسمت المعركة مع الوصاية والاحتلال. إن مقتهم الشديد للشباب والصبا، جعلهم يندفعون أولاً لاغتيال سمير قصير وجبران تويني، وها هم يجددون انتقامهم وثأرهم من لبنان وشبابه، مع الشهيد بيار الجميل.
انهم يودون ان يقصفوا عمرنا في مقتبله، ان يبتروا "المستقبل" من زمننا. شر محض يستميت في لعبة الفتك الدموي منعاً لتفتح أي برعم في هذا الشرق المتصحر. وكل هذا الكره المعلن، إذ لم يعد دفيناً، للبنان برمته كوجود وكيان وفكرة، هو هذا العداء العميق لـ"الفرح" ولفنون الحياة كما يوصف لبنان، وكما تحلم وتسعى وتعمل 14 آذار من أجله.
هذا العداء، هو الكره المديد للسلم والدعة ولمشاغل الحياة الدنيوية، طالما انهم مهجوسون بالجحيم والمؤامرات والقيامة والدم.
هذه المرة اختاروا هدفاً، يكثّف فعل قتله نوايا بقتل أمور كثيرة. فاذا قتلوا الوزير، أرادوا نحر حكومة لبنان الديموقراطية، وإذا قتلوا المحامي، ارادوا ذبح روح القانون والعدالة، وإذا قتلوا الكتائبي أرادوا القضاء على شعلة الاستقلال في عيد الاستقلال، وإذا قتلوا المسيحي أرادوا فتنة أهلية مهلكة، وإذا قتلوا المتعلم أرادوا انتصار الأمية، وإذا قتلوا النشيط والناجح، نصروا المتبطل والعاطل الغوغائي، وإذا قتلوا الشاب، أنهوا المستقبل والأمل. وإذا قتلوا المتفائل الشجاع، عمموا اليأس والقنوط.
إختارو النزول الى الشارع بعمل دموي مدوٍّ، فعدنا الى الساحة، عزل، عاري الصدور، مدنيين، مواطنين، حزينين وعنيدين، شاهرين حياتنا ضد الشقاء والموت، محتفلين ببقائنا في صلب الحياة والصورة، شباناً مزيّنين بالأبيض والأحمر، كما ينبغي أن نكون، ضاجين بالحياة و"حب" الحياة.
هددوا بالشارع، فعدنا الى الساحة، مرغمين على استئناف 14 آذار، نحن الذين لا "نعشق" الشهادة ولا نطلبها من أجل السياسة، طالما ان السياسة في معتقدنا، تجنب الموت وتجنب الدم، وذم القتل والاقتتال.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00