"جانيكا" الخادمة السريلانكية تقوم بأعمال المطبخ حتى اللحظة الأخيرة، قبل عودتها الى بلادها نهائياً. هكذا يبدأ الشريط الوثائقي "خادمات للبيع" الذي أعدته وأخرجته ديما الجندي. بداية بديهية للفيلم، أي أن يكون المطبخ هو المشهد، طالما أنه يتحدث عن عالم الخادمات السريلانكيات. ونعرف أنها على وشك السفر حين يأتي المشهد التالي الذي يصوّر الوداع العاطفي بين أسرة المنزل اللبنانية وخادمتهم، التي على ما يبدو قامت على تدبير نظافتهم وغسيلهم ومطبخهم سنوات مديدة. كان الوداع استثنائياً إذ أقام رب الأسرة لها حفلة مرتجلة عازفاً على العود لكي ترقص، فيما الزوجة تصفق باغتباط.
مشهد الوداع كان بمثابة صدمة أولى يقدمها فيلم "خادمات للبيع"، فليس في حسباننا أن هكذا علاقة "حميمة" تقوم بين أسرة لبنانية وخادمتها السريلانكية.
كاميرا ديما الجندي سترافق "جانيكا" الى مطار بيروت، الى الصالة التي تثبتت فيها لافتة تقول: مكان مخصص لاستقبال الخادمات. لافتة رسمية مثبتة في الحائط من نمط تلك اللافتات في أميركا ما قبل الستينات: ممنوع دخول الكلاب والسود. ولا نعرف إن كانت لافتة المطار هذه ما زالت معلقة، مثل تلك التي تقول "ممنوع التدخين".
ستذهب الكاميرا الى كولومبو، عاصمة سريلانكا، بلاد الخادمات، تاركة "جانيكا"، وباحثة عن الطرق والوسائل التي يتم فيها جلب الخادمات وإعدادهن لهذه المهنة. وهناك سنتعرف على "السمسار" ورفيقه وهما يتجولان بين القرى على دراجة نارية. السمسار هذا، لكي يجد الفتيات المناسبات، لا يجول على المنازل ولا يقف منادياً في ساحات القرى. إنه يذهب الى مؤسسات دفن الموتى سائلاً عن العائلات التي لم تستطع دفع تكاليف مواراة أمواتها. فهذه المعلومات تفيده بمن هم الأفقر والأكثر استعداداً لـ"بيع" أنفسهم مقابل حفنة ضئيلة من المال. إنه يجول بحثاً عن العائلات التي يعرف أهل القرية أنها تتغذى بوجبة واحدة في اليوم.
من بين هؤلاء ستختار ديما الجندي "ساشيكا" أم لولد لم يبلغ السنة، وزوجة صانع أحجار القرميد، التي وقعت عقداً لتكون خادمة في لبنان، تاركة طفلها مثلما تركت من قبلها "جانيكا" ابنتها لخمس سنوات كاملة.
"ساشيكا" التي تقف امام الكاميرا لتبكي وهي تغادر قريتها لأول مرة نحو المجهول، ستمر اولا الى وكالة تصدير الخادمات، هناك حيث تتكدس الخادمات الجديدات في غرفة "التدريب"، ناظرات الى كيفية اشعال فرن الغاز وكيفية التعامل مع الطناجر او تنظيف الدجاجة. وهناك ايضا سيتم "تعليم" الفتيات بضع كلمات عربية من مثل "السلام عليكم".
حشد الخادمات الحافيات هذا يتحول الى ملفات ترسل الى وكالات لبنانية، وفي كل ملف صورة كاملة للخادمة المفترضة واسمها ووزنها ووضعها العائلي وسنها، حيث يأتي الزبائن اللبنانيون لينتقوا منها ما يناسبهم، وها هو السمسار اللبناني الذي يشتكي من انهن لا يعرفن لغات يقول: "الواحد هو وحظه، بطيخة مسكرة" قاصدا ان البطيخة هي الفتاة ـ الخادمة التي لن نعرف ان كانت جيدة أو فاسدة قبل شقّها.
تعود ديما في شريطها الى لبنان بعد ان زارت "جانيكا" العائدة لتستقر في قريتها ومع ابنتها. جانيكا هذه التي تصرح باللهجة اللبنانية "مبسوط اني رجعت. ولا بألف دولار برجع على لبنان".
ما بين المحامي اللبناني الذي يشرح وضع "العبودية الحديثة" التي ترزح تحته الخادمات، ويسرد حوادث الاعتداءات الوحشية التي ترتكبها بعض العائلات بحقهن وصولاً الى القتل حرقا أو طعناً، مثلما يسرد كيف ان ظروفهن المأساوية تودي بالكثيرات منهن الى الانتحار والهرب وعسف القوانين والعقود التي تكبلهن.
من هناك الى منزل مديرة المشرحة، التي تحتفظ بجثامين الخادمات الميتات انتحاراً أو قتلاً ولا من تدبير لدفنهن، ولا من يتابع قضاياهن جنائياً. جثث متروكة في النسيان.
بعيداً عن هذا المصير، تأتي شخصية "آن ريتا"، الخادمة السريلانكية سابقا، التي تزوجت من شيف مطبخ سوري وكونت معه اسرة تعيش في برج حمود، هناك في منزل متواضع ومرتب، تحاول الكاميرا ان تلتقط "قصة حب" دافئة معقودة على زوج رائق المزاج يحب الحفلات المنزلية وزوجة جميلة وابنة صغيرة ترقص على انغام موسيقى البوب العربية. إنها سيرة لنموذج تكسر الحلقة المفرغة ما بين الفقر والعبودية وسوء التفاهم الثقافي العميق بقدر ما تكسر الصورة النمطية للسريلانكية ـ الخادمة، على الرغم من أن "آن ريتا" لا تزال تعمل في البيوت كأجيرة حرة.
"خادمات للبيع" يسرد ما بين سريلانكا ولبنان، عذابات لاإنسانية ونموذجاً معولما للاستغلال والعبودية الجديدة، لينتهي بالقول انه على الرغم من كل شيء لا تزال الفتيات يتدافعن لأن يصرن خادمات، ولأن يغادرن أرض الفقر نحو الوهم القاتل. وهنا في لبنان حيث تقول الاحصاءات في العام 2005 ان هناك 800 الف عامل أجنبي بينهم 150 الف خادمة من سريلانكا وحدها، لا شيء يتغير في النظرة وفي المعاملة وفي القوانين.
الخادمات هنا لا يجدن حلاً لفقرهن، ولا يجدن رجاءً الا في قداس يقوم به كل أحد "أبونا سليم" هناك ما بين الدورة وبرج حمود، واعظاً بالمحبة والرجاء طالباً انتظار الخلاص والصبر.
وميزة عمل ديما الجندي، يأتي من أن هذه المخرجة تتقن اللغتين السريلانكيتين التاميلية والسنهالية، وعاشت نحو عام في تلك البلاد حيث عملت في مشروع تلفزيون تابع للأمم المتحدة عام 1996.
تقول ديما إنها أنجزت الفيلم "لا بقصد تغيير العالم" بل هو مجرد فرصة للفتيات ليقلن ما لديهن وليقدمن نظرتهن الى العلاقة التي تورطن بها مع مستخدميهن. وعلى الأرجح الفيلم ليس أرشيفياً ولا هو "وثائقياً" بمعنى تناول القضية كتقرير شامل. انه يجنح في تقديمه لثلاثة بورتريات، لثلاث سريلانكيات، الى أن يكون فيلماً شخصياً، وانسانياً.
لكن ما هي صورة اللبناني؟ أهو ذاك الذي يود خادمته ويعزف لها على العود أم ذاك السمسار الذي يقول عنهن كمن يحاول بيع البطيخ أم المحامي المثقف الذي يتحدث عن العبودية الجديدة أم أنها تختصر بلافتة مطار بيروت؟
تقول ديما الجندي إن صورة اللبناني في سريلانكا هي "الدولارات" ولبنان هو المكان الذي يرسلون اليه نساءهم. بل هو المكان الذي خلال 15 عاماً المنصرمة، أمن عبر أموال الخادمات تمويل حرب الحكومة السريلانكية على الثوار التاميل. لبنان هو مصدر الدخل الأول للدولة السريلانكية، مثلما هي سريلانكا مصدر البطيخ، إذا صح التعبير.
"خادمات للبيع" جاء عرضه ضمن مهرجان بيروت الدولي للأفلام الوثائقية الذي يستمر حتى يوم 12 تشرين الثاني.
* يعاد عرض الفيلم اليوم، الساعة الواحدة ظهراً في مسرح المدينة (الدخول مجاني).








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.