8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"لا أبالي لكلامي الذي لا أدري ماذا يقول"

إننا نقول كل مرة هذه هي ذروته الشعرية، وكل جديده الشعري المقبل سيكون على سويتها الى حين صدور مجموعته الشعرية التالية، فنعاود القول مرة جديدة: هذه هي حتماً ذروته الشعرية. ومنذ ما بعد "مشاغل رجل هادئ جداً" (1980) بات حالنا مع تجربة بسام حجار هو ملاحقة هذه الذروة وتعيينها.
مع قراءة "تفسير الرخام" (المركز الثقافي العربي، بيروت 2006) نتأكد مجدداً أن حجار يعاود الاشتغال في قصائده انطلاقاً من ثيمته الخاصة به، الأصلية في كل أعماله، والتي يختصرها قوله "لم أدرِ ماذا أقول" (ص88). وبناء على هذه العبارة، التي غالباً ما نجد ترجمتها في كل كتبه الشعرية، تنكتب قصائده وتتحقق.
ولكي لا تتحوّل عبارة "لم أدرِ يوماً ماذا أقول" الي صمت فعلي، فإن بسام حجار "الشخص" يحيل ما يقترفه من قصائد (أي دراية القول وإدراكه) الى بسام حجار "الشاعر"، إنه يختلق تمايزاً بينه ككائن (لا يدري القول) وبين ذاته الشاعرة (التي تتورط في القول). وغالباً ما تبرز قصائده هذا التمايز، بل وتتفكر في هذه المعضلة وتقولها.
بمعنى آخر، يتعمد حجار طرح السؤال الوجودي حول واحدية الأنا أو تعددها، ويرصد الالتباس الأزلي بين الأنا وظلالها، بين الوجود والكينونة. إنه مأخوذ كلية بهذه الاشكالية، وهو يصر في معظم قصائده الى الاشارة لهذا الفاصل والتمايز بين شخصه والشاعر الذي يحمل إسمه، ويتعمد تكرار هذه الاشارة في جل كتبه الشعرية، وها هو يقول في "تفسير الرخام": "الظل الذي كنته، أو ذاك الذي كان بصحبتي لأعوام (ص73) (ولنتذكر هنا كتاب "صحبة الظلال" الصادر عام 1992). كذلك يقول: "كأنها ذكريات الشخص الذي وددت أن أكونه" (ص74).
ربما لهذا السبب يمكننا القول ان مجموعته الأخيرة، المؤلفة من ثلاث قصائد، كتبها شخوص ثلاثة. القصيدة الأولى "لم يقل لي أحد ما معنى الأسى" تطلع بصوت الأم المتوفاة، لتقول إقامتها في القبر، تحت الشاهد الحجري الرخام. أي أن شخص الشاعر وصوته متواريان وراء ضمير المتكلم (المرأة المتوفاة). أما القصيدة الثانية "مزار بجنب الطريق" فمكتوبة بصوت الشاعر من دون مواربة، وهي أيضاً عن حال الحجر وصفاته. والقصيدة الثالثة "تفسير الرخام" مدوّنة بصوت بسام حجار، فهو، لا الشاعر، الذي بمقدوره القول "ولا أبالي ـ حين أنظر ساهياً ـ بي أنا الذي لا يبالي" (ص76)، وهو الذي يستطيع نكران صلته بالشاعر، والتنصل من مسؤولية ما يقترفه هذا الشاعر معلناً "لا أبالي... لكلامي الذي لا أدري ماذا يقول منذ أعوام طويلة" (ص80).
ثلاث قصائد طويلة، هي رغم تباين أصواتها، تنضم معاً لتبسط نصاً كثير الطيات والطبقات، ويؤلف معجماً شعرياً في "معنى" الحجر. وهذا ما يقوله عنوان الكتاب صراحة. الحجر بوصفه انطولوجيا الكائن البشري، وفي نهاية المطاف هي انطولوجيا الموت والفناء مكتوبة على لوح أبدي: "ان تكون ملاذاً لذكرياتنا وحسراتنا وخشيتنا من كونك الملاذ الأخير" (ص50).
يكتب بسام حجار قصائده بنبرة شبيهة بالترنيم، وبإيقاع قريب من التضرع، فيبدو هذا الشعر الحديث، كأنه لوح قديم، بل موغل في القدم كتعويذة بدائية. وهذا الانطباع ربما يتقصده الشاعر. طالما أنه في نصوصه يسعى على ما يبدو الى استعادة البعد الفلسفي للشعر، وإظهار هذا البعد جلياً، بعدما ساد ميل الى الابتعاد عن الشبهة الفلسفية في الشعر، والتخفف من البعد الميتافيزيقي في التجارب المعاصرة التي تنحو أكثر الى الحسية والمعيوش. وعلى الرغم من إنحياز حجار المزمن نحو اليومي والذاتي و"المشاغل المنزلية" والأليف، فهو في "تفسير الرخام" يولي أهمية للمضمون الفلسفي، أو يفسح للبعد الفلسفي المجال للظهور، من دون التخلي بتاتاً عما هو بسيط، ويومي، وشيئي ومباشر ومادي.
والأمر الأهم، برأينا، في هذه التجربة، هو سعي الشاعر لإعادة الاعتبار الى فكرة أن كتابة الشعر هي تظهير وتكثيف لتاريخ الأفكار، وإن بأسلوب "ديني"، إذا صح التعبير. وبمعنى آخر، يبدو الشعر عند حجار هو ممارسة لـ"فهم" العالم، أو هو دليل مؤلم على استحالة هذا "الفهم". وطالما أن كل شرح يصير، بالضرورة، ضد الشعر، فإن "تفسير الرخام" (العنوان) ينتهي كما يلي في الجملة الأخيرة من الكتاب: "... ويفسره كما يُفسّرَ المنام" (ص107). وبطبيعة الحال تنطبق هذه الجملة أيضاً على أي محاولة لـ"تفسير" الشعر برمته.
ألهذا تبدو لنا كل محاولات بسام حجار في كتابة الشعر هي في المحصلة عمل مضنٍ ليبرأ من الشعر ويشفى من ممارسته؟
يؤثر بسام حجار أن يروي، وأن تقوم القصيدة على شبهة الحكاية. وإن خلت من الخبر أو الحادثة أحياناً، فصنيعه الشعري المغلف دوماً بضباب التذكر وأشباح الماضي، يبدو كالأصوات الطالعة من عتمة قبو، ومن عزلة عتيقة، وربما لهذا السبب هي بحق قصائد خوف، وقراءة قشعريرة (لنتذكر كتابه "لأروي كما يخاف أن يرى" 1985). وبين أن يروي حقاً أو أن يدوّن استحالة كل رواية تطلع قصيدته من هذه الحيرة، ولا تقول إلا ذاك الخوف المتأصل في لغة حجار:
"لا أنا ولا أنت ولا المبصر في منامه
ندري ما الخيالات المترائية عند مفترق قريب
بعيد
عائم على صفحة السراب الذي ترفعه العيون المترقبة
المتعبة
المتوهمة:
شخوص نابتة في الوعر كمخلوقات التوهم،
ـ ليست من الأنس
وليست من الجن ـ
كأشجار سرو مستنفد هواؤها
كأعمدة تلغراف صامتة" (ص56).
في كتابه المؤثر "ألبوم العائلة" (2002)، وعلى الرغم من انشغاله في أن يقص شعرياً حياة الألفة المنزلية والأسرية، وأن يكتب ما لا يُفسر في العواطف الضئيلة والحنو والشغف، وما هو شأن اليوميات الزائلة، فإن الذي يؤثر فينا هو ذاك الحافز الخفي للقص الشعري والذي يتبين من نبرة الشاعر: الخوف والموت. وهنا في كتابه الجديد "تفسير الرخام" يتحوّل ذاك الحافز الخفي الى هاجس معلن والى "موضوع" القول ومضمونه. وما تفسير الحجر غير الزائل، والخالد، سوى ترجمة معنى الفناء والزوال، وتدوين للموت وصوره.
بهذا المعنى، نجد ميزة هذه المجموعة الشعرية، باعتقادنا، كيف أن الرقة والرهافة في اللغة وفي الصورة تنقلبان الى ثقل شديد الوطأة لما يحملان من قسوة المعنى، المضمر وراء تلك الهشاشة، ووراء الخفوت في الصوت والنبرة. فنحن إزاء بوح لرفات الأم في قبرها الحجري، وها هي تحمل مع موتها ذاكرة العائلة وذاكرة الأسى الى فم التراب، ونحن إزاء الشاعر إذ يحاول وصف الحجر وكنهه ينتهي بأن يتحدث عن ذاته العابرة قليلاً في ظن الحجر ومنتهية إليه فانية. كما نحن إزاء شخص بسام حجار الذي يجد حياته "كأنها ذكريات قرأتها في كتاب ثم فقدته" (ص75).
على مستوى آخر، وبالنظر الى الأسلوب، يكتب بسام حجار نصوصه لا ليخترع الكلام، كما لو أنه بداية كل كلام، بل لـ"يتذكر" كل كلام سابق، ما قاله الآخرون وما ألفه الآخرون، كأنه ينبش مكتبة ضائعة ومنسيّة، فيطلع نصه موهماً إيانا بأنه قديم وعتيق وتاريخي، وفي الوقت نفسه يسرد ويستشهد بنصوص قديمة، بل ويضمن قصائده هوامش من مراجع وقواميس ومخطوطات، موهماً إيانا بأنها من ابتكاراته و"تخريفاته" الشعرية. هي لعبة بورخيسية إذا صح التعبير، ولأنها كذلك تتحوّل القصائد الى ما يشبه المنامات والتهويمات الحلمية والكابوسية كمثل قوله (ص32 ـ 34):
"..لذلك لم يتعب الولد
بل أتاه النعاس
حين فسّرت له
الموت
والرحلة المستحيلة
الى بلاد الخزر (أولاً لأن الموت له كنية الحلم لكننا نجهل هذه الكنية. ثانياً لأن الحلم هو الختام اليومي للحياة، تمرين بسيط على الموت (...) وثالثاً لأن في إتل، عاصمة الخزر، موضعاً يستطيع فيه العابران إذا التقيا أن يتبادلا الاسم والمصير، وأن يواصل أحدهما العيش في حياة الآخر ـ ميلوراد بافيتش "المعجم الخزري").
بهذا الأسلوب، الشديد الأسلبة، ينقلب البسيط والهامشي واليومي كمثل تعداد الأغراض المرمية على طاولة الصالون، الى "موسوعة" عجائبية والى بيان كابوسي عن مغزى الحياة، وقوة "تفسير الرخام" ليست هنا تماماً، رغم جاذبيتها، بقدر ما هي في تناول اللغة من غير قصد الشعرية، ومن غير قصد تتويج القصيدة بالسحر، فكل ما يؤلفه الشاعر هنا يحيله الى فكرة واحدة: ""أني لا شيء وحديثي عابر، مثلي، بين عابرين، لذلك أتحدث عنك" (ص43).
وإذ ننتهي من قراءة هذا الكتاب نندهش كيف أن بلاداً، كبلادنا، حيث الموتى ركن من يومياتنا ومخيلتنا وسياستنا، وحيث المقابر تنتصب شاسعة كمتحف هائل لحياتنا وتواريخنا ووجداننا، وكيف أن ثقافة الموت وحب الموت وعبادة الموتى تطغى على ضمائر أهل هذه الناحية من العالم... ومع ذلك، فمن النادر أن نعثر على أدب يقول هذا الموات وينظر في هذا الأسى، كما هو عند بسام حجار في "تفسير الرخام".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00