"أيام بيروت السينمائية 2006"، انها الدورة الرابعة لهذا المهرجان السينمائي الذي يجمع مخرجين لبنانيين وعرباً وأجانب في بيروت ما بين 16 و23 أيلول.
دورة جديدة بالهدف ذاته، أي رسم فسحة واسعة للسينما المستقلة. أربعون فيلماً في اطلالة جَماعية على جمهور المدينة ما يؤلف مشهداً عريضاً للثقافة البصرية وصنّاعها.
يأتي ذلك بعد انصرام الحرب مباشرة، بعد فصل صيفي من الموات وحلول الكارثة واستقرار الخواء في شوارع العاصمة كما في روحها المحبطة.
لكن الذَهاب الى سنتر صوفيل، في الاشرفية، لمتابعة هذا الحدث السينمائي، ليس خروجاً من حال القنوط إلى عالم افتراضي مبهج، قد نظنه في الافلام المعروضة. ذلك ان فيلم "فلافل" يروي عن بيروت أيضا في ليلة صيفية، ليلة في حياة شاب لبناني يتجول بين العائلة والأصدقاء والحب. وهو، اذ يسعى إلى الانتشاء بالحياة، سُرعان ما يكتشف ان العيش بطريقة طبيعية في هذا البلد أمر مستحيل.
فبعد مرور 15 عاماً على انتهاء الحرب لا يزال البركان كالقنبلة الموقوتة قابعاً في جوف المدينة وقد ينفجر في أي لحظة.
غسان سلهب في فيلمه "أطلال" (وعنوانه بالفرنسية "الانسان الاخير") يروي قصة طبيب يعمل في بيروت (نموذج المواطن المثالي، حسب مخيلة اهل رأس بيروت) وهو محاصر يومياً بأخبار فلسطين والعراق وجنوب لبنان، وبالتلوث وبالفوضى العمومية وبالانحلال الاخلاقي فتبدأ عوارض وحالات غريبة تظهر عليه بالتزامن مع مسلسل جرائم وضحايا يبدو ان قاتلها يمص دماءها، دراكولا بيروتي سنكتشف ببطء انه هو المواطن المثالي، الطبيب الهادئ والدمث.
وبهذا المعنى يصح عنوان الفيلم بصيغته الفرنسية كتوصيف عن تلاشي الامل بحياة طبيعية، بمدينة طبيعية. فيلم كابوسي بسوداويته، حيث تتحول بيروت الى مدينة لا تطاق والى مكان تتحرك فيه كائنات عالقة بين الفوضى والعبث والخواء والموت والتفاهة.
يشتغل سلهب بحِرفية رفيعة إخراجاً وتصويراً، مع اهتمام بالغ بأثر الصوت والصمت. قوة الصوت استثنائية، وبلاغة تشكيلية في الظلال والعتمة وفي الضوء الباهر والساطع للبحر واللقطات الواسعة. لكن ايقاع الفيلم كابوسي ايضاً، بسبب البطء المستمر والملل الثقيل الذي يحل على مشاهده.
بعد "فلافل" و"اطلال" سنجد أيضاً في الافلام القصيرة الكوابيس الاخرى. لينا غيبة مع "يا ولدي" تروي "المدينة ممتلئة بأشباح المفقودين وأم وحيدة تنتظر". كذلك فيلم وائل نور الدين "من بيروت مع أطيب التمنيات": بيروت في حرب مع نفسها. هنا، لا تجد المشاكل حلولاً أبداً، ولا يمكن اصلاح أي جدار".
قاعة سنتر صوفيل ممتلئة بجمهور شاب. بضيوف عرب وأجانب، بسحن نضرة، حيوية تصنع زاوية في بيروت ما بعد الحرب فيها الألق والبهجة والصخب الثقافي المديني. لكن ذلك ليس صورة مغرية للتصوير. ليس إلا إضاءة جانبية وضعيفة على عتمة المدينة.
الأفلام لم تخرجنا من حال بيروت الآن. ومهرجانها ليس فعلاً مضاداً لليأس، بقدر ما هو "استعراض" سينمائي لهذا اليأس والخراب المادي والروحي. المفارق أيضاً، أننا في الصالة كنا نترقب أخبار توقيف المخرج السينمائي السوري عمر أميرالاي في دمشق.
بعد 12 تموز و"الوأد" المؤقت الذي عاشته العاصمة كان لا بد من البحث عن انطلاقة جديدة، وعن إشعال النبْض في الشارع وفي الكواليس. بالتأكيد عادت العجقة الى كورنيش المنارة ـ عين المريسة، لكننا ونحن هناك كنا نتمشى متخيلين أن هذا الحشد غير المبتسم البليد، السوداوي الوجوه، كأنه بات حشداً من "الزومبي" (الأموات الأحياء).
بالتأكيد عاد السهر الى مونو والجميزة، لكن الليل هناك يبدو مليئاً بالكدمات النفسية، وبالخمود. مشهد المدينة وصالاتها وساحاتها كأنه فائض بالكآبة.
ونحن شلة الشبان الذين داومنا على حانة الشعر وأمسياته، إذ قررنا أن "نستأنف الحياة"، ونستأنف الشعر في حانة "جدل بيزنطي". رفعنا هذا الاستئناف الى مصاف الشعار. كأننا مضطرون للعمل والسعي لتحقيق "عيش عادي". كأننا "نناضل" للوصول الى سوية انسانية، كأننا نخترع من جديد مدينة ورصيفاً ومسكناً ويوميات عادية.
بهذا المعنى، الحفل الموسيقي هنا، المسرحية هناك، الأمسية الشعرية، المهرجان السينمائي، تبدو كلها واقعة في رواية الكابوس. أي في اللحظة التي تحاول فيها تأليف الحياة والضوء، تكتب الموات والعتمة.
شباب السينما في مهرجانهم، في الصالة الأنيقة، في الشارع الأنيق، فعل استثنائي يشبه مراسيم "إعادة افتتاح بيروت" بعد إغلاقها القسري. لكن ما يصوّره هؤلاء الشباب في أفلامهم، هو الموت والانطفاء واستحالة الأمل. إنهم يبشرون بالمستقبل على هذا النحو: بيروت تذهب الى فنائها.
هذا ما يقوله الفن في اللحظة الاحتفالية، الافتراضية، "بعودة بيروت الى طبيعتها".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.