8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

قرر 15 شخصاً، يرأسهم الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، القيام ليل 11 ـ 12 تموز 2006 بعمل عسكري ضد اسرائيل، أسفر عن رد فعل اسرائيلي بحجم حرب شاملة، موجهة لا ضد هؤلاء الأشخاص الخمس عشر ولا ضد السيد حسن نصر الله وحزبه حصراً، بل ضد دولة لبنان وأرضه ومواطنيه جميعهم.
وأدى ذلك خلال شهر وخمسة أيام الى خسائر بشرية كبيرة، وخسائر مادية هائلة وخسائر معنوية لا تحصر، واضطر مليون لبناني الى النزوح، وتعطلت الحياة العامة والدورة الاقتصادية، ما أحال لبنان الى دولة "منكوبة"، مقصومة الظهر. وحسب تقديرات الأمم المتحدة، ووفق وعيد اسرائيلي، أودت الحرب بلبنان الى ما كان عليه عام 1989 عشية انتهاء 15 عاماً من التدمير المتوالي، أي أرجعته الى صفر إنمائي واقتصادي والى سوية الفاجعة الاجتماعية.
وعلى ما يبدو، بددت الحرب الأخيرة معظم ما بذله اللبنانيون من جهد وإرادة وانجاز طوال عقد ونصف العقد، ما عنى ضياع تعب جيلين على الأقل، وإحباط الروح العامة عن كل أمل ومسعى وطموح. ففقد لبنان، جراء ذلك، الحوافز الاساسية التي تقيم الفارق الحاسم بين مجتمع حيوي، ناشط ومتفائل، وبين مجتمع خامل وبائس.
وإذا كانت حملة اسرائيل العدوانية قد شهدت "إخفاقات" واضحة، وكشفت عن خلل في انسجام أركان السلطة السياسية والعسكرية في الدولة اليهودية، فهذا ما حفّز مواطني تلك الدولة وبعض سياسييها وحقوقييها على المطالبة بالتحقيق والمحاسبة.
وبغض النظر عما يجري داخل اسرائيل نفسها، فان اللبنانيين شهدوا "مبادرة" خاصة وحزبية، قامت بها مجموعة من 15 شخصاً، ليسوا منتخبين ديموقراطياً ولا يؤلفون قيادة أركان الدفاع عن لبنان، ولا هم هيئة دستورية، ولا مؤسسة رسمية مخولة الصلاحية... هذه "المبادرة" أدت نتائجها الى كارثة عامة وكادت تطيح بالكيان، بل وجعلته أسير رزمة من الاشتراطات الدولية الثقيلة الوطأة، وأخذت بمصير جميع المواطنين الى حيث الموت والتشرد، والى فقدان الأمان واليأس، والشك بجدوى البقاء، والتحسر على ضياع ربيع أعمار في سنوات العمل والإنتاج التي ذهبت هباء.
هؤلاء اللبنانيون لهم الحق الآن بالتحقيق والمحاسبة.
ان مواطني دولة لبنان أدركوا يوم 14 شباط 2005، إن قتل الرئيس رفيق الحريري هو تصريح دموي مفاده "اننا لن نسمح لكم بالسلام وبالاستقرار وبالازدهار، ولن نسمح لكم بقيام الدولة المستقلة، الديموقراطية".
ورفضاً لذلك، وشعوراً بالتمسك المستميت بـ"فكرة لبنان" ما بعد الحرب، انتفض اللبنانيون مطالبين بالمحاسبة وبالتحقيق. وعبر هذه الانتفاضة ومطلبها تحقق الاستقلال وصاغ اللبنانيون هوية جديدة لهم أو هم أعادوا تمثيلها وتظهيرها، فأرسوا مبدأ التحقيق والمحاسبة ركناً لحياتهم السياسية الجديدة.
لقد بادر حزب الله، متحسساً المسؤولية التي تقع عليه، الى صرف أموال طائلة للذين خسروا منزلاً أو شقة سكنية، واستنفر مؤسساته الاجتماعية والصحية لمساعدة الذين حلت عليهم الكارثة والنكبة، فدفع تعويضاً جزئياً، بالنقد الأميركي، محاولاً الحفاظ على ثقة جمهوره وعلى صورته وصيته، ممتصاً بعض الغضب والتململ. وهو إذ فعل ذلك بتنظيم جيد، بدا وكأنه ينوب عن الدولة وادوارها، بل ويصر على هذه الإنابة، مكملاً شروط الدولة الخاصة داخل الدولة، فله أمن مناطقه غير الأمن العام، وله جيشه غير الجيش النظامي، وله هيئاته الصحية والخدماتية والاجتماعية مستقلة عن تلك الرسمية والعامة، وله صِلات ايديولوجية وسياسية (وديبلوماسية) وعسكرية بدول خارجية مستقلة تماماً عن صِلات الدولة. وهذا ليس من بديهيات الأحزاب والجمعيات، بل هو اعتداء على الدستور والقانون يوازي الفعل "الانفصالي" اعتاده اللبنانيون في أزمان 1975 ـ 1989 حين تقوضت الدولة وأركانها.
ان مبادرة حزب الله "الخيرية" انما هي ضربة استباقية لمنع التجاء المواطنين الى حكومتهم وحجزهم عنها، وابقائهم تحت "إدارة" الحزب، أو على الأقل هي فرض أمر واقع يبقي حزب الله وسيطاً إجبارياً يفصل بين الدولة ورعاياها، الشيعة منهم خصوصاً، فيسع الحزب ان يتولى هو شؤون هؤلاء باثاً فيهم قناعة ان لا حاجة بهم الى الدولة، وفي الوقت نفسه يطالب مؤسسات الدولة وأجهزتها ان "تدعم" و"تنفذ" و"تخدم"، من غير السماح لها بتحقيق سلطتها ونفوذها. ثم بعد ذلك، يجاوب أهله ورعاياه "إنظروا، لا توجد دولة ولا من يحزنون". وهو بهذا المعنى إذ يشترط للتخلي عن أدواره "الانفصالية" ان تستتب "الدولة العادلة"، و"الحقيقية" في مكان ما، خيالي ووهمي.. يمنع انجاز الدولة فعلاً ويعيق حضورها. وهذا المسلك يحيلنا الى مثال "الخوارج" والمرجئة يوم تخليهم عن الامام علي.
صرف حزب الله أموالاً كثيرة، نستطيع تخمين مصادرها. وقد تكون حلالاً بالمعنى الفقهي والديني، أو حراماً بالمعنى الدستوري والقانوني والسياسي. هذا سجال آخر. وعلى كل حال بذل الحزب بسخاء محاولاً "التعويض" الجزئي على المتضررين في الجنوب والضاحية والبقاع.
وعلى هذا النحو، ووفق إقرار الحزب ضمناً بالمسؤولية عما حدث، أريد أنا شخصياً تعويضاً مناسباً. لم أخسر منزلاً، لم أخسر دكاناً، لم أصب بجروح، لم أتهجر ولا أقيم في الجنوب أو الضاحية أو البقاع.
أريد تعويضاً، لأن خسارتي كبيرة ومتراكمة منذ سنوات مديدة، وقد حان الوقت لأن "أقبض" أنا أيضاً.
بوصفي مواطناً، دافع ضرائب ورسوم مباشرة وغير مباشرة، من دون تلكؤ أو تهرب. بوصفي موظفاً، ومنتجاً، وملتزماً بما تفرضه عليّ القوانين من أعباء ومسؤوليات، وأسعى يومياً لبذل قواي العملية التي أحوزها، في سبيل رخائي الفردي، والمساهمة في ازدهار مجتمعي وتنمية الدخل الوطني العام، وتحسين شروط العيش لي ولغيري كمنتج وكمستهلك...
أريد تعويضاً سخياً، عن كل ما بذلته بوعي، وارادة حرة، في سبيل الخير العام والمصلحة العامة طوال 16 عاماً متواصلة.
منذ أواخر العام 1990، ومع بدء مسيرة البلد لرفع انقاض الحرب والمباشرة في الإعمار والترميم وتنفيذ المشاريع واصلاح البنية التحتية وتطويرها وتنظيم الجباية وفرض الضرائب القديمة والجديدة... ومع بدء اللبنانيين في "تأليف" بلد جديد وتجارات جديدة وصناعات جديدة وأعمال من كل نوع وصنف، ومدارس وجامعات ومستشفيات ومطارات ومرافق وفنادق ومؤسسات خدماتية... وانصرافهم الى ان يكونوا طلاباً واطفائيين وممرضين وخبازين ورجال شرطة ومبتكري إعلانات وسكرتيرات ومعماريين واطباء وبائعين ومصممي أزياء ومؤلفي كتب.. الخ، كنت أنا المواطن، من عدادهم، الذي إرتضى بكل حماسة خاتمة الحروب، واعتصم بلبنان "وطناً نهائياً"، وقبل بالدستور الجديد، وبتجديد "الميثاق"، ووافق على عقيدة لبنان في نظامه السياسي وفي طموحاته المستقبلية، وكنت أيضاً من الذين لبوا الدعوة لبناء لبنان الدولة والمجتمع والاقتصاد، وآمنت بهذا المشروع وبطموحات اللبنانيين وآمالهم، فكنت ذاك "المواطن المتفائل" (والدول تبذل جهوداً هائلة لتحويل رعاياها الى "مواطنين متفائلين" كي تبقى وتزدهر)، فأسرعت الى العمل حالما بدأت فرص العمل بالتوفر مطلع العام 1991، وشعرت بالاستقرار والطمأنينة (الدول أيضاً تبذل جهوداً خارقة لتوفير هكذا شعور لرعاياها) وبأن المستقبل الآتي أفضل من الماضي والحاضر.
هكذا، كونت أسرة، وأنجبت ولداً، وأثثت منزلي، وحذفت من تفكيري إغراءات الهجرة التي كانت تراودني، ثم إشتريت سيارة لائقة بالتقسيط، وبدأت بدفع فواتير الكهرباء والماء والهاتف وأقساط المدرسة ومستحقات بوليصة التأمين، والرسوم البلدية، ورسوم ميكانيك السيارة، وضريبة الدخل، وبدأت بالخروج مع أسرتي تبضعاً واستهلاكاً وترفيهاً، ودوماً ملتزماً بالقوانين وبالإنحياز الى فكرة لبنان سياسة وثقافة وطريقة حياة، محاولاً ان أكون ذاك الذي يلبي نداء دولته نحو مجتمع المواطنية والرفاه.
عام 1993 جاءت أول ضربة. عدوان اسرائيلي على لبنان لأسباب إقليمية أولاً ومحلية ثانياً. كانت إنتكاسة وخسائر وكبحاً للانطلاقة. رضخنا للأمر الواقع، وقلنا سنحاول التعويض واستكمال المسير، طالما أن وعد السلام ـ وقتها ـ كان منظوراً في الأفق، ولا بأس بدفع ضريبة ما لسوريا، وضريبة ما للمقاومة، أو ندفع ثمناً باهظاً لمجاورتنا دولة لئيمة، سعياً لتحرير جنوبنا استأنفنا ما نوينا عليه عمراناً وإنتاجاً، ولو بالإستدانة، وبضرائب إضافية وضيق اقتصادي بل وقبلنا من أجل تحقيق الحلم، وعلى مضض، بفساد مالي وإداري هنا وهناك، ورضخنا عن قناعة بأن يتم "التبذير" في موضوع إعادة المهجرين المزمنين وإسكانهم، أكان ذلك في وادي أبو جميل وانحاء بيروت، أو في الجبل والجنوب، سكتنا عن ظواهر النهب في هذه المسألة، طالما أن ذلك قد يفضي الى انهاء ملف من ملفات الحرب. وبالمقابل إرتضينا ان ندفع من جيوبنا ومن تعبنا وجهدنا ما يعوض على الدولة بعض ذاك التبذير والتناهب، وكل هذا "من أجل لبنان".
وإستمر الابتزاز، والفساد والنهب، من الأوصياء الاقليميين ومن أوصياء الطوائف وأحزابهم، وصمتنا عن معرفة وإدراك، معللين ذلك بأن هذا جزء من كلفة استعادة لبنان المعافى ولا بد ان نصل الى الهدف، مصدقين الوعود، متمسكين بالتفاؤل الثمين.
جاء العام 1996وتلقينا ضربة أقوى وأصابنا إنهاك، ودب فينا اليأس، ونظرنا الى خسائرنا فوجدناها هائلة، كانت كبوة كبيرة، وشعرنا بالقرف وبالخذلان فقامت الدولة وإرتجت فينا خيراً وتوسلت الينا ان نكمل ما بدأناه معها، وتعاضدت معنا دول صديقة، فالتقطنا أنفاسنا وشحذنا هممنا مجدداً، ولو إننا هذه المرة سنكتشف ان مليارات الدولارات من الديون صارت ملقاة على عاتقنا، وبأن قسماً كبيراً من شقائنا وتعبنا قد ذهب سدى. فقلنا تقريباً ما فحواه: فداء للجنوب، وفي سبيل التحرير سنبذل كل نفيس. ومع اننا كنا متشككين في الأساليب وفي كيفية إدارة الصراع والمعركة، الا اننا لم نتردد في الدعم والمؤازرة، وقبلنا جنوبنا بلا جيش وطني ولا سيادة، طالما ان لبنان كله وقتها ناقص السيادة احتلالاً من جهة ووصاية جائرة من جهة أخرى.
تراجع حالنا في ذلك الوقت، وقررنا السفر الى الخليج للعمل موقتاً هناك، لتحصيل المال وتحسين المعاش والإفادة من فرصة عمل لم تعد موجودة في بيروت.
كان العمر بهذا المعنى، ينقضي كفاحاً وشغلاً من أجل تجاوز المرحلة صفر، على الأقل. وصار طموحنا إبعاد العوز والفاقة، آملين أن نحقق ما نصبو اليه مع الدولة.
جاءت تباشير العام 2000 تحريراً في الجنوب، وعجلة اقتصادية تتحسن، وإنتخابات نيابية لاحت فيها بارقة "الإنتفاض" على جور "الشقيق". فتم الاقتصاص منا بحجز السيادة على الدولة في اداراتها وفي أرض الجنوب، وازداد النهب المنظم والفساد السياسي المرعي الإجراء والتدبير الاستخباراتي، الذي كان يذلنا ويهين نظامنا الديموقراطي وينهش في حياتنا اليومية ومعنوياتنا وأموالنا وكراماتنا.
وكان هناك باستمرار ذاك الابتزاز الكبير تحت شعار "التعويض". لن نقول شيئاً عن "مجلس الجنوب"، لن نقول شيئاً عن "صندوق المهجرين" لن نقول شيئاً عن الرشاوى السياسية الهائلة مقابل كل أوتوستراد وكل جسر وكل إخلاء لمهجر أو واضع يد. لن نقول شيئاً عن المحاصصة وعن الوزارات الموقوفة لهذا الحزب ولذاك الزعيم، بالوعة لأموالنا ولأموال الخزينة العامة.
دفعنا ثمن الكهرباء والهاتف وثمن كل نسمة هواء، وثمن كل رصيف وجدار وأسلاك واسفلت. وفي أغلب الأحيان كان كله يذهب هباء، من أجل طيش سياسي، أو نكاية بطوائف أو حكومة، أو خدمة لدول أخرى، أو من أجل عدم زعل جماعة خارجة على الدولة.
نحن الآن في العام 2006، عدنا الى الصفر، والى جانب الصفر مليارات الديون، ولا بد من مليارات ديون جديدة أيضاً. وها نحن نخسر كل ما بنيناه وكل ما راكمناه. نخسر تعب جيلين على الأقل، وسنخسر حتماً جيلين آخرين سيهاجران الى الخارج بلا عودة، أغلب الظن.
بلمح البصر صرنا بلداً حطاماً نتيجة "سوء تقدير" 15 شخصاً، قرروا سراً، من دون أي تفويض قانوني أو انتخابي أو دستوري، "مغامرة غير محسوبة" (وسنظل نكررها)، أودت بلبنان الى اليباب.
لقد خسرت عمري، وكل ما شقيت من أجله، وخسرت فرصاً كانت مقبلة، وخسرت روح التفاؤل، وخسرت أموالاً لا تحصى، وسأخسر أموالاً لا تحصى الآن وفي المستقبل ثمناً للشرّ الذي حلّ علينا. خسرت بلدتي المدمرة، خسرت ابني منذ الآن لأنه حتماً لن يبقى في لبنان في المستقبل القريب. خسرت عمراً بأكمله وصحة شبابي وعافيتي وراحة بالي... خسرت لبنان ورهاني عليه. لقد سلبوني حتى عظامي.
لهذه الأسباب أريد تعويضاً، أريد ثمناً باهظاً لهذا الشقاء. أريد حياة كاملة إضافية تدفع لي الآن.
أريد تعويضاً سخياً أضعاف ما بذلته، أريد لبنان كله ملكاً لي، أنا المواطن، دافع الضرائب، ولن أرضى بأقل من ذلك.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00