8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

كناية العالم

إنها كرة الأرض، أعني إنها الطابة التي باتت كناية عن الكوكب، لعبة البشرية على المستطيل الاخضر. مسيرتنا المظفرة نحو البهجة وإلى اللهو.
مبدأ اللعب، الملهاة (التراجيديا ـ الكوميديا)، حيث ابتكرنا عالماً موازياً، بديلاً من الواقع.. كل الواقع، لننتصر على القدر وفوضى الطبيعة ومجهولها، مكرمين أنفسنا، ساخرين من الغيب، انه اللعب والمسرح، الطقس والرياضة، المتعة والألم.
كرة القدم، بوصفها صراعاً وعراكاً وتنافساً، بوصفها انتصاراً وهزيمة، هي الاقتراح الأرقى لتبديد العنف (الحروب والنزاعات). ولأنها ايضا وريثة العدّاء الاغريقي ولعنة سيزيف، كما هي وريثة المجالد الروماني ولعنة الكولوسيوم، فهي خلاصة مخيلتنا الدرامية. هي خلاصة توقنا الدائم لتنظيم الصدفة، وترتيب المجانية.
على أرض الملعب، ارض الوجود، سنجد هذا النموذج شبه المستحيل، للتوازن البديع ما بين "الفردية" و"الجماعية"، ما بين الغرائزية والعقلانية، ما بين المعنى والعبث.
يصح القول ان كرة القدم هي الاختراع الأبرز للقرن العشرين، في مجال الرياضة، وفي مجال النشاط البشري. فهذا الاختراع يختزن في مضمونه كل طموحات الحداثة، وصورتها الاجتماعية. انه صورة اجتماع اهل المدينة وضواحيها، لقاء الطبقات، عودة السياسة الى الملموس والعياني، كناية الدولة والحاضرة، كما المسرح، كما البرلمان.
إنها اليوم كناية العالم.. وعولمته، صانعة العولمة وصنيعتها ايضا. حفظ النزاعات واحترام مبدأ الصراع، إنما صون السلم وحب الحياة. هذا ما تفعله كرة القدم لعباً وفرجة. بل ان مبدأ الاقتتال محفوظ. لكن صون الانسان من الحرب والدم هو "هدف" هذه اللعبة.
من أعظم تجليات كرة القدم هذا الرباط الوثيق الذي تنجزه ما بين عواطفنا الطفولية ومداركنا الناضجة. إنها أرض الطفولة والشباب والشيخوخة، لكنها أولاً كرنفال الجسد الشاب، الجسد المتألق التواق للخلود.
ثم الفرجة، ميداناً وشاشة، سينما الواقع، ومسرح الحقيقة، الحرب والتمثيل والرياضة والكرنفال، معاً في لعب واحد، مأسوي ومجاني، حيث يتعادل الحساب مع الحظ، الخطأ والصواب، البكاء والضحك، الدمعة الابتسامة.
القانون الصارم للخط الوهمي ما بين داخل الملعب وخارجه، راية التسلل، ضربة الجزاء.. إلخ، ودور الحكم وصفارته وبطاقاته الصفر والحمر، هي التي ترمز لإنجازاتنا الكبرى، في تجاوز البربرية والانخراط في التمدن: القانون الواضح الذي يرضي الجميع، على الرغم من كل احتمالات سوء استخدامه.
هذه التوليفة ما بين النظام واللعب، في فرجة تكاد تكون مطلقة، تنجز صورة السياسة، بوصفها تدبيراً للنشاط البشري.
باتت كرة القدم اليوم مثالاً اقتصادياً، سوقاً هائلة، شغفاً شاملاً لعصرنا، بقدر ما باتت حقلاً سياسياً، وبقدر ما هي عنوان الترفيه الكوني.
بهذا المعنى، هي المؤشر لسوية الدول أو تعثرها، نجاحها وفشلها. وأحياناً لا ينفع دولة صناعة السيارات من دون بطولة كروية، ولا ينفع دولة ازدهار اقتصادي، من دون تألق في الملاعب. ستشعر أي دولة بالنقص، وبالحرج، ذلك أن كرة القدم هي تلك الكناية عن نجاح الاجتماع والارتقاء التربوي وصوابية النظام السياسي.
ما بين أناقة فرنسية، وكرنفالية برازيلية، ونظامية ألمانية، ورجولية إنكليزية، وأريحية أرجنتينية، وزعرنة إيطالية.. تبدو كرة القدم كوكباً يحلو العيش فيه.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00