8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

سنة تامة من الخيانات الصغيرة والخيبات. سنة من التخلي بالجملة، والخسارات المتوالية. 14 آذار قطعة ثلج تحت الشمس، ونقطة نقطة يتشكل المستنقع. على هذا النحو، الحلم على وشك ان يصير كابوساً. قتلك كأنه يتجدد، والقتلة يطالبون بفواتير اضافية. انهم يعودون "شركاء" القرار.
الشموع التي اضأناها لم تعد تكفي لازاحة العتمة. الساحة خالية، والمنصة جرى تفكيكها. الاعتصامات انتهت الى تعب. الجمع ذهب الى طوائفه والى الريبة والاحباط.
لا، لم نعرف بعد "الحقيقة"، تم تأجيلها مرارا. "نظام الوصاية" يتبعه نصف اللبنانيين. السياسة ما زالت تحت التهديد والاستقلال ما زال مطلبا. انتصار ناقص وضريبة دم كاملة. التهديد فاتورة يومية، والكلمة عادت الى خجلها. وهناك، خلف الحدود، اصدقاؤك الى الزنزانة والمهانة.
"بيان" الحلم تأجل أكثر، بات مدعاة للحرج او حتى تهمة. الخطأ يُرفع صواباً حيث الصفقات عقدت مرارا وسُحب وعد التغيير. فرص كثيرة تم اهدارها او ضاعت. أما قولة "لا" فقد خفتت كثيراً.
أسوأ ما حصل في سنة غيابك، ان ما بشرت به، وما طالبت به، وما حلمت به وسعيت اليه، صار دروسا لمناوئيك، "خطة عمل" مضادة. سرقوا اللغة والشعار وسرقوا حتى الغضب والاعتراض. ولم نعد الى الوضوح. لقد سرقوا الشارع ايضا. عادت الاقنعة بأسرع مما تتصور. وكفة الميزان تتأرجح ما بين الدولة والميليشيات. الطوائف انقضّت سريعاً. وأكبر حشد في تاريخ لبنان، رغم كل انجازاته، عاد طائعاً الى بيوت سياسييه. الصرخة اليوم عبارة عن حشرجة.
خلال سنة غيابك، اخذوا ايضا جبران وجورج حاوي، وكادوا ان يأخذوا مي شدياق. لكن، على اي حال، اخذوا الفرحة، وعادوا ليقاسمونا المشهد برمته، انهم يجبروننا حتى على التعويض عن خساراتهم، والاعتذار احيانا. اهانة الذاكرة وتبديد ما صنعناه، وحتى اننا نتطوع مثلا لحراسة تلك الدولة القائمة داخل الدولة. نتطوع لحراسة تركة الوصاية على رأس الدولة.
الهيمنة ربما انتهت. الابتزاز يحاصرنا، والاثمان مضاعفة، والمسرحية اياها ولم يغب "الشخص". لقد نجحوا في تغييبك، وفي مصادرة المشهد، انهم يقايضون الساحة بالساحة، والكذبة بالحقيقة، والحياة بالموت.. والأرباح يستأثرون بها.
حصاد الربيع اللبناني، سرعان ما تم السطو عليه، وفي دمشق حيث تنبأت بتفتح الورود، تتفتح ابواب السجون، والحفرة في خليج السان جورج لا تزال حفرة، والطريق مقطوع. اننا نخاف على شجرة الزيتون التي زرعت في ارض حتفك. لا مأمن من فأس، ولا مأمن من السطو، طالما انهم، الحرس القديم والحرس الجديد، يستولون مجددا على الشارع وعلى السياسة. الاقنعة لم تسقط، والنوايا الحسنة يمكن ان تباع وتشترى.
بالتأكيد، لم يحلّ اليأس تماما، لم نرتكب الخيانة بعد، فلسنا بوارد تداول الخيارات، لأننا محكومون بك، وبأنفسنا، وبما تعاقدنا عليه جميعنا. محكومون بالحب المبذول وبالدمعة، وبالوضوح، وبقوة الصواب.
هذا الالتزام، لم ننجح بعد في تحويله الى "لحظة تأسيس" كما كنت تحب ان تقول. شركاؤنا في الوطن "يفاوضون" على الدم، وعلى السلاح وعلى الارض، ومقابل تجارة "المخاوف" تباع "الكوابيس" على الحدود وفي الضواحي. وعلينا مراضاة القاتل لتعيين قاضي تحقيق في اغتيالك.
هذا هو ضعفنا، يستأنف تاريخ الخسارات، والتنازلات المجانية. المتهمون يستردون عافيتهم ويندفعون صوبنا كأنهم على وشك القبض على خناقنا. وبتنا مضطرين لتقديم التبريرات عن صوابنا، فهل سنعتذر حتى عن ثورتنا؟
الذين هزمتهم، وبعد سنة واحدة من موتك، عادوا اقوياء، يروجون خطاياهم بوصفها حسنات علينا ولا يرتضون الا بالتوبة عن تفاؤلك وحلمك. لقد بدأوا سلفاً في نهب الذاكرة وتشبيح اللغة.
اسنانهم تقرض 14 آذار. ايديهم تمزق الكلمات. وجوههم تأخذ المشهد. صوتهم يحتل الفضاء.. وانت في موتك ونحن في ارتباكنا.
لم نيأس بعد. لم نقبل بمبدأ أكباش الفداء بعد. لم ندخل المساومة. لكننا ضعفاء ومحاصرون، الى حد الاتهام. اننا على قيد الحياة تقريباً، ولدينا صور لك ولرفيق الحريري ولجبران وجورج وباسل.. صور ملونة بالابتسامات. صور موتى معلقة كتذكارات مؤلمة، فيما الخلاص الذي كان بمتناولنا يبتعد الى مسافات مضنية.
مجدداً، ليس في أيدينا سوى ميراث الألم.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00