هليكوبتر ترفع بقرة وتطير. جنود نصف عراة يمارسون التزلج على الأمواج. القذائف تنهال على الشاطئ. القوارب المحملة بجنود الانزال تتقدم، عشرات الحوّامات المقاتلة تحتل السماء. السيمفونية الخامسة لبيتهوفن تسيطر على المشهد. الكولونيل، وسط الأكواخ المحترقة والأجساد التي أحالتها القنابل الى رماد، يقول: "أعشق رائحة النابالم عند الصباح".
هذا هو مفتتح فيلم "القيامة الآن" لفرانسيس فورد كوبولا. يمكن اعتباره قصيدة مروّعة، وصادمة. لكنها بلا أدنى شك قصيدة بصرية ملحمية الطابع. إذ لا يتسنى لنا تقريباً تصوير الحرب بوصفها مجرد إطلاق نار، من دون الوقوع في الابتذال. علينا، ونحن نحاول التعبير، أن نجد ما يوازي تلك البقرة الطائرة، وعلينا أيضاً أن نضع موسيقى ملائمة للصور، كالسيمفونية الخامسة. ومن المستحسن كذلك أن نجد الرائحة المناسبة لما نصفه. بل ومن الأفضل في حالات كثيرة أن نملك نبرة كولونيل، ونحن نؤلف الكلمات أو نلفظها.
أثناء تأليف فيلم سينمائي، علينا اختيار الصور. وهو يماثل انتقاءنا لمعجم المفردات أثناء تأليف قصيدة. أما تصميم حركات الكاميرا ولقطاتها فهذا يماثل تنضيد الجمل أو العبارات.
هذا التشابه ما بين القصيدة والفيلم لا يقلل منه اختلاف الأدوات. لكن، ومنعاً للتبسيط، علينا التمعن في رؤية ما إذا كانت العلاقة بين الكلمة كرمز وبين ما هو مشار إليه... هي شبيهة بالعلاقة بين الصورة كإشارة وبين ما تشير إليه؟
أول ما نلاحظه هو أن الاشارات والعلامات البصرية، أي الصور السينمائية، لا حدود لها. فهي، خلافاً للكلمات، لا يمكن تصنيفها في معجم. مع ذلك، يمكننا إرجاع العلامات البصرية الى نظام دلالي واضح. ويمكننا أيضاً القول ان جذور الاشارات السينمائية لا تكمن في المنطق العقلاني الواعي... بل في الذاكرة والحلم. فنحن كلما حاولنا تذكر شيء، تمر في تفكيرنا سلسلة من الصور المميزة. إن هذه السلسلة المرتبطة بلا وعينا، تماثل أيضاً الأحلام التي تتشكل على نحو مشابه للسيولة الحرة من الصور المبتورة والمتقطعة بتحولات مفاجئة، وبتكثيف، وبإحلال شيء محل شيء آخر، وبالاستعارة. وسواء أحدث هذا أثناء يقظتنا أو نومنا فإن سلسلة الصور هذه تشترك ولغة الفيلم بكثير من الصفات المميزة، وذلك لأنها ملائمة تماماً للتصوير السينمائي وللقطات الطويلة وللتفاصيل والمونتاج... إلخ.
ما ألمّح إليه، في حديثي عن الحلم والتذكر والتقنيات السينمائية، هو أن الشعر، وفي القصيدة النثرية خصوصاً، يلجأ الى هذه التقنيات ذاتها والى جذور الذاكرة والحلم والى السيولة الحرة من الصور المبتورة.
أمر آخر، أشد أهمية نود الاشارة إليه: الفيلم السينمائي يضع الحواس في مواجهة الشيء المادي الذي تم تصويره بطريقة مباشرة. إننا نتحدث عن فورية السينما. وهذا يمت بصلة خاصة بالتعبير الشعري أي القبض على اللحظة الهاربة. والوسائل الشعرية: التكرار البلاغي، والاعادة... هي أيضاً من وسائل السينما. كذلك الشبه الشديد بين أسلوب "المجاورة" (الوصفة السحرية للسوريالية: ماكينة خياطة ومظلة على طاولة تشريح) وأسلوب "المونتاج" (لنتذكر المثال التاريخي لفيلم "المدرعة بوتمكين" لأيزنشتاين ولقطات درج الأوديسا). بل وأذهب الى القول ان للسينما خاصية معينة لا عقلانية، أي حلمية، عتيقة الطراز وخيالية. وإذا ما قورنت بالأدب، فهذا يحيلها الى الملحمة، أي الى الشعر، في نهاية المطاف.
إننا، كذلك، نعرّف الشعر بطبيعته البدائية، وما قبل العقلانية والحلمية، وأيضاً نعرّف طبيعة القول الشعري في ذلك الغموض والالتباس، والامتلاء بمعان متعددة القوى. وهذا ما يحدث تماماً عند مشاهدة صورة أو فيلم سينمائي: ان فهمنا وإدراكنا الحسي لشريط الصور يرتبطان على نحو لا بد منه بتطور حوار داخلي لدى المشاهد، فعبر هكذا حوار، يستطيع المرء الربط بين اللقطات المنفصلة. المتفرج، بهذا المعنى، يبذل جهداً عقلياً معقداً يتطلبه ربط صور الفيلم. انه شكل من أشكال الجهد غير موجود في الحياة اليومية. ونستنتج بأن قراءة العلامات في الصور أو في النص الشعري، يتم وفق آلية واحدة تقريباً. وهذا ما يجعل السينما والقصيدة معاً، وراء السرد والأدب.
ثمة إشكالية أكثر تعقيداً في علاقة القصيدة بالفنون البصرية، فإذا كان صحيحاً أن الصورة ما زالت قريبة من القول وقادرة على نقل ما هو جوهري في اللغة، علينا، مع ذلك، الاعتراف بأنها لم تعد تقول الشيء نفسه. ولقد بدأت من خلال قيمها التشكيلية تغوص في تجربة آخذة في الانزياح عن اللغة.
من جهة ثانية، نجد أن دلالات كاملة في القول والكتابة لم يعد من الممكن فهمها وإدراكها إلا من خلال ذاكرتنا السينمائية والتلفزيونية. ويبدو أن النظام الدلالي غير المحدود للصور تفوق على "معجم المفردات". وهنا أتذكر قول الشاعر الاسكتلندي جون بورنسايد: لدي انطباع غامض انه إذا كانت الكتب تحسّن الذكريات التي نحفظها فإن الأفلام تحل محلها.
في أواخر الثمانينات، أعلنت أنني أثناء تأليف القصائد أبحث عن إيقاع تصويري، وأنني أستعين خصوصاً بتقنية "الفيديو كليب"، الجديدة آنذاك. إنه أسلوب يرتكز على المونتاج السريع المتواتر، ويخلق مجاورات وعلائق بين الدلالات والصور، فيتولد عن هذه المجاورات صدمات تعبيرية لا يوفرها نظام الرمزية الذي كان مسيطراً حينها على التجارب الشعرية.
كان إعلاني هذا، ينسجم تماماً مع انتمائي لشلة من الشعراء ينحازون تقنياً الى الكتابة المتأثرة بالفنون البصرية، وكانت أساليبهم الى حد بعيد تصويرية بالمقام الأول. وبسبب سوء فهم رائع كان النقاد يسمون قصائدنا باللا ترابط والتفكك. إذ اعتبروا، ببلاهة نادرة، ان هذا التكثيف المونتاجي هو غياب للبناء والسياق. فيما الرد أتى من فادي أبو خليل في مقدمة كتابه (ولنتأمل عنوانه: "فيديو"): "تلهمني المباشرة، أن أرى نفسي أتكلم مباشرة، بواسطة الشعر أو شاشة فيديو". هذا القول يحيلنا الى ما أشرت إليه سالفاً عن فورية السينما وعلاقة الصورة بالحواس. أيضاً يعلن فادي أبو خليل في المقدمة ذاتها: "النثر والمعدن والفيديو من علامات حياتنا الواضحة. ما عاد بالامكان الاستمرار بدونها".
هذا الشاعر أجرى أول تجربة فيديو كليب شعري ونفذه على قصيدة "الانتحار" لعباس بيضون. وأبو خليل ممثل في المسرح والسينما والتلفزيون. وقصائده يتم التركيز فيها على الذاكرة السينمائية وعلى إيحاءاتها، معتمداً على قارئ بمقدوره فهم الاحالات الى السينما وصورها. كتب قصيدة بعنوان "فيلم" (من "لا شيء تقريباً" ص72):
"عندما أشعلت لولا سيجارتها
وتمددت على السرير
وقف "سيلر" على باب الحمام
يسترجع ماضيها بدون "سيلر"
ماضيها الذي تألم كثيراً
تلك اللحظة".
بل إنه كتب قصيدة أخرى، أيضاً بعنوان "فيلم" (من "فيديو" ص13):
"لست البطل
ولا ظل
في هذا
الفيلم".
وله قصيدة بعنوان Fiction: أسماك قرش/ تسبح في التلفزيون/ ضفادع وعارضات أزياء/ مسوخ وأرقام/ مذيعون وأفلام كرتون/ لما أفقت/ كان كل شيء/ قد عاد الى أصله.
أيضاً قصيدة "واقع خيال" (من "لا شيء تقريباً" ص73): وحوش تهدم ناطحات سحاب/ صورة خيال في الأفلام/ مدينة تموت في شوارعها/ صورة في الأرشيف/ شاب يقضم يده/ لا من واقع أو خيال". ومرة سأل "هل رحل (E.T) حقاً؟".
هذه القصائد مؤلفة من تجميع لقطات، وفق مونتاج مكثف ولقطة نهائية واحدة. والأهم من ذلك أنها مأخوذة إما عن السينما أو مأخوذة أو مستوحاة من الأفلام السينمائية.
من هؤلاء الشعراء، اسكندر حبش، الذي رد على المستهجنين من عنوان مجموعته الأولى "بورتريه لرجل من معدن" قائلين بأنه ليس شعرياً، رد بالقول "أنا أحب غراندايزر". هذا الشاعر برز من مختبر شلة أواخر الثمانينات، بوصفه الأكثر تأثراً بتقنيات الرسم، خصوصاً لوحات ماغريت ودالي وادوارد هوبر والنحات جياكومتي، تلويناً وتصويراً جامداً. فهو يكتب (من "نصف تفاحة" ص31): "في حانة/ حيث المسافرون/ يختارون عواصمهم/ يدخل حصان".
وفي مكان آخر يقول (من "بورتريه لرجل من معدن" ص47): "هل كان علينا/ أن نصدق لغة ليست لنا/ أم أن كلس الحائط/ كان يتسخ دوماً بفضلات الطيور" أيضاً يقول "حيوانات تخدش سطح المدن" و"في البعيد يتجمع دخان وسط زجاجات فارغة" (ص54).
اسكندر حبش يصور أيضاً بالمعنى السينمائي ـ الروائي، فهو يكتب ("بورتريه لرجل من معدن" ص61) "كان ليل/ وكانت محلات على الجانبين/ وأضواء النيون مطفئة/ كان ليل/ وكان نور مفاجئ/ سمعنا بعده حطام زجاج يتناثر/ وتركنا خلفنا/ أصدقاء لا يذكرون/ كيف أن بإمكان الشمس/ أن تبزغ فوق قراهم".
أستطيع أن أقول ان القيمة الشعرية لهذه القصائد تقوم أولاً على الايحاء التصويري، وعلى قوة الدلالة البصرية المتولدة عن وصف الأشياء ورصفها بجوار بعضها البعض رسماً وحركة. فاللغة هنا تتخلى بالكامل عن مجازاتها واستعاراتها وكناياتها ورطانتها البلاغية، وتصير فقط أداة وصف، وأدوات إشارة الى الأشياء والمشاهد.
بهذا المعنى، يبدو من الشلة نفسها، شبيب الأمين هو الأكثر ميلاً للنقاء البصري وللسينمائية البحتة، حاملة قصائده روح الرسوم المتحركة (الكارتون) أيضاً. يكتب (من "أعتقد أنني سكران"): "كميون يغسل وجهه في نهر/ لا يهمه شيء/ يتقدم بين بساتين/ خلفه هضاب/ وطيور تشبه بواشق/ كميون ودخنة سنوات حطت/ مع الفجر تتحرك خراف وتلحس زجاجه".
وأقتطف أيضاً: "يشاهد طائرة تهدم مستودعات حياته" أو "روحه مخربة كعربة تحترق عند منعطف"، أيضاً "عليك أن تفهم، أن تقتنع، يجب أن نغادر الى فنزويلا، هناك قد تعمل في دكان لبيع الدجاج، منظرنا سوف يبدو رائعاً، رائعاً يا أبي/ ريش ودم ونساء غريبات مثلنا".
أهم ما يميّز شعر شبيب الأمين ومعه يحيى جابر هو محاولة التقاط "اللحظة الحاسمة". هذا السعي الفوتوغرافي للامساك باللحظة الدقيقة التي يكون فيها شيء ما في ذروة تألقه. يمكن القول ان هذا هو أقوى هواجس شعراء قصيدة النثر.
ما من أثر أدبي، عربي على حد علمي، يحيلنا الى السينما الأميركية والصور الهوليوودية، وشاعرية الأفلام وذاكرتها وأبطالها ومثالاتها الفنية وحتى الاحالات الأخلاقية والسلوكية، مثلما يفعل شارل شهوان. إن قراءة قصائده في أغلب الأحيان تضطرنا الى استعادة ما نذكره من المشاهد السينمائية وتهويماتها، عدا عن كونه شديد التأثر بالفن الفوتوغرافي الأميركي وبالرسم (ادوار هوبر). في كتابه "أحدهم يستعد للقفز" أعلن عن هذا النزوع أولاً عبر وضعه على الغلاف صورة فوتوغرافية شهيرة لمساجين أميركيين شبان أمام زنزاناتهم. ثم في كتابه "شاب يغتسل بمفرده" وضع صورة فوتوغرافية قديمة لعائلته، وما بين الصور والعناوين نجد كتابه الأخير أيضاً وقد حمل عنواناً شديد الايحاء بالذائقة الأميركية "شرير في سيارة". وهي ذائقة على صلة وطيدة بثقافة "الروك" وخيالاتها. كذلك فلنتمعن في عناوين قصائده: ماكينه فليبرز مضاءة ومتروكة. غبار دراجة نارية. بذلة جوخ ومسدس. الشمس وراء الشاحنة. دكان الحلاقة. هررة وبراميل قمامة. صورة فوتوغرافية لقديس شاب. على الأتوستراد الليلي. سباق الزوارق... إلخ.
مع شهوان نستطيع أن نتذكر سكورسيزي مثلاً في Outsiders وGoodfellows وفيلم Westside Story وأيضاً أفلام جيمس دين وغيرها. يكتب (من "أحدهم يستعد للقفز" ص12): "عشية نهار طيب/ دراجون مسرعون/ الأوتوستراد ينزلق في خطوط باهتة/ كدمى ذات وجوه ملونة/ انعكاساتنا في المرآة/ كصينيين يصمتون لوقت/ لأوقات طويلة نقرفص ببلاهة/ ثم بعدها نزلنا الى تحت/ الاقدام خفيفة/ نعدو/ حيث الأمكنة تقف طويلاً/ من هنا نتكئ لنرى المرفأ البنفسجي/ في هذه العصبة على الرأس/ تبدو كأنك ثائر ماركسي/ رائع/ هكذا كنت تقول لي دائماً/ لا تغادر. المكان جميل/ الوقت مبكر. لما العجلة؟".
ويقول كأنما يستعيد صورة همغري بوغارت مثلاً: (من "شاب يغتسل بمفرده" ص20): "أرتدي بذلة الجوخ وقبعة سوداء/ أحمل ساعة جيب ونظارات قاتمة/ هذا يكفي كي أصبح غير منظور/ أوه نسيت، المسدس ضروري جداً في هذا العمر".
في تجربة غريبة من نوعها، أوغل شارل شهوان في الاستيحاء من السينما والتلفزيون، مستعيناً كذلك بلغة "الشرائط المصورة" (Bandes Dessinees)، و(Sous Titrage) (شريط الترجمة الذي يرافق الأفلام)، حيث اللغة والعبارات تغادر دلالاتها وتنزاح الى حقل تعبيري خاص، فتصبح رغم وضوحها وعاديتها ومباشريتها، كأنها أطياف القول وأطياف المعنى، شبه مجانية (ولنتذكر هنا تجارب كوانتن تارانتينو وحوارات "بالب فيكشن").
يقول شهوان في قصيدة "اللاعب" المنشورة في كتاب "داتا" الجماعي: "تفضلي إليكِ بقبلة/ أنا ضجر أخبرينا طرفة/ أجل طرفة وطرفة بالفرنسية/ أكرهك يا هذا الرجل. أيها العاشق/ سمعت أنني جذاب جداً، هيا هيا لا تتباهَ/ أهذا أنتَ بشعر طويل/ قسماً بالله هيا كلمنا/ يا لها من قبلة، هذه قبلة حقيقية/ نخب مستقبلكِ معاً/ بنطالُك على البلاط يا ابن الساقطة/ لأنك شديد الغرور/ بالكاد تجري سيارتي". وفي مقطع آخر يقول: "أنت تؤلمني، كفى... النجدة/ أمسكُ وجهك بيدي ويغمرك شعري/ أنا أبكي هيه هيه/ عاطفتك جياشة حيال كل ملابسي/ أي نوع من الحثالة أنتَ".
أما يحيى جابر فقد ذهب في اختباراته الشعرية الى حد التطابق مع الإخراج السينمائي. قصائده تكاد أن تكون سيناريو أفلام جاهزة للتصوير. قصائد هي الى حد بعيد خطة عمل للمخرج ولمدير التصوير، فيها اللقطات، الممثلين، الكومبارس، الحوارات وحتى أماكن التصوير، إضافة الى تنفيذ التوليف والمونتاج والموسيقى التصويرية... إلخ. وهو في كتابه "الزعران" نشر سيناريو سينمائياً شعرياً بعنوان "مقبرة الفيلة"، حيث جعل النص مكوّناً من مونولوغ يتوازى، على نحو مستقل، مع سيناريو تصويري متمم له. ومثالاً يبدأ السيناريو كالتالي:
"خبطة ساطور قرب آلة دكتيلو
مطر على مؤلفات كاملة
يد تضع خرطوشة في بندقية صيد".
على صفحة مقابلة يقول المونولوغ: كنت لمبة في الريح/ حين قصفوا عمري/ فرفر جسدي في الهواء كالخيزران... إلخ".
في أعماله نجد دائماً إدارة تصوير، ولقطات تتوزع بإيقاع إخراجي: لقطة عامة، لقطة مقربة، Zoom In. Zoom Out، لقطة تفصيلية جامدة، لقطة متحركة. ومونتاج يتيح القفزات التي تسمح بما يسمى "اختزال الزمن". مشهد ختامي، سيناريو ضمني، ومثالاً على ذلك أورد:
"الولد على خشبة المسرح/ يحفر قبراً كل ليلة/ وأمه دمعة متجمدة/ تريد حفاراً لعظامها البيضاء/ الحفار في الضيعة ينتظر جثتها/ الجثة في سيارة الاسعاف/ سيارة الاسعاف على الجسر/ جسر القاسمية مقفل بالجنود/ (...) عشرة مخالب تنبش الكفن/ قرأ الضابط شهادة الوفاة/ سرق الجندي وردة من الاكليل/ فتحوا البوابة/ الجثة تمر فوق الجسر والماء/ ارتعش الليطاني/ ابتسمت أمي في تابوتها/ تشققت الشمس كالخشب العتيق/ ضحكنا/ عانقنا بعضنا/ صباح الخير يا أجل قبر/ صباح الخير أيتها القرى" (من "بحيرة المصل" ص80 ـ 81).
واستدلالاً على حرصه في إدارة الكاميرا في لقطات مقربة ولقطات عامة متتالية ومتقاطعة ثم لقطة ختامية، إليكم هذا المثل من إحدى قصائده: "قضمت كعكة كنافة/ نزّ القطر بين الأسنان/ ثمة ثلج على واجهات الجبال/ لمع ضرسي/ لمع الخاتم في اصبعي".
ختاماً، وفي كل تجارب هؤلاء الذين أخذوا قصيدة النثر، في لبنان على الأقل، نحو ذائقة طليعية مغايرة... سنلاحظ أن ما من صورة في قصائدهم غير قابلة للتصديق (لا سوريالية ولا صوفية ولا "حفريات" لغوية)، وما عن تشبيه غير قابل للتصوير. شعر كأنما يصدر عن عين كاميرا. كاميرا تنتقي الصور والمشاهد وتولفها في شريط لغوي بدل النيغاتيف الجيلاتيني. ما من أحد منهم يقول مثلاً ان الندم وردة أو "خاصرة الهباء" أو "أفتض أختام الريح"... إلخ.
مجازاتهم وكناياتهم في أقل قدر ممكن، وأغلب الأحيان بصرية. بل هي، تشكيلياً، تعتمد على تقنية الكولاج. حتى ما يعتمل في الداخل يُعبر عنه بالخارج العياني المباشر أو بالاستلهامات السينمائية الراسخة في الذاكرة. عبر اللقطات والترسيمات وتصوير الأشياء المادية، يتم استبطان المشاعر والانفعالات.
حتى جماليات اللغة، هي بالضبط عندهم هذا التخلي عن "الجماليات" اللغوية والانحياز فقط الى شروط إحالة العبارة الى صورة. وعندما كان يقال عن هذا الشعر بأنه قصائد "الحياة اليومية" كان المقصود بذلك هذا التسجيل العنيد، الفوتوغرافي والسينمائي للوقائع البسيطة، وهذا الميل الى تصنيع فيديو كليب شخصي للقصص المعاشة. فيديو كليب مجازي، أو لوحة كولاج من قصاصات صور الذاكرة والحلم.
ألقيت أمس في مؤتمر "قصيدة النثر العربية" الذي بدأ أعماله يوم الجمعة الماضي وينتهي اليوم في الجامعة الاميركية في بيروت.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.