8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لديّ فكرة واحدة، بعد زيارة مدينة روما: كل ما في هذا الشرق، عمراناً وخراباً، تاريخاً وحاضراً، يدل على انتصار الآلهة، سطوة السماء، سيطرة الغيب.. وانسحاق الإنسان.
كل ما في ذاك الغرب، عمراناً وفنوناً، آثاراً وحياة، يدل على انتصار الإنسان، سطوة العقل، سيادة السيستام.. وتمجيد الفرد.
يبدو هذا انطباعاً قديماً، ساذجاً، عمومياً أو حتى مبتذلاً واعتباطياً. لكن، لا مفر منه لشخص آت من الشرق الأوسط الى العاصمة الإيطالية. هناك حيث تتراكم كل الشواهد العظيمة، صروحاً وانصاباً، ومؤسسات ومتاحف وحدائق وشوارع وساحات وبنى وعمارات وأعمال يومية، لتدل على عظمة البشر، ومجد الوجود الإنساني جسداً وفكراً، و"استبداد" الجمال، وتحكم العقل ونجاعته في إدارة الطبيعة وتسخير المادة وتنظيم الاجتماع، وترتيب الزمان والمكان. هناك حيث "المدينة" تستحق اسمها.
نقول هذا، على خلفية شرق أوسطي غارق في فوضى الدم والموت والجهل والأمية والخراب العميم وازدراء الأحياء والناس. ونقول هذا على خلفية مشهد عربي حيث مدنه إما متجهة الى الحروب المتناسلة وإما الى القبح والاختناق والعشوائية والتصحّر.
من شرق أوسط حيث البيوت المسورة بالخوف، والأرصفة الخاوية الكئيبة والقاسية، الى مدينة حيّة ببهجة مستمرة منذ ألف عام، مفعمة بملايين السياح والساحات الكرنفالية.
من أرض حروب الآلهة، الى أرض حيث المعابد والكاتدرائيات لا تشهد للآلهة، بقدر ما تشهد على مجد الإنسان ـ الفنان.
فقط، خارج الشرق الأوسط، تجري الحياة من دون أن يلاحقها سيف الكراهية. فهناك، في ميادين روما وأزقتها، يجري الاحتفاء بالشمس والأشجار والهواء الربيعي والشراب الجيد. بل وفيها يجري العمل والتعب سوية مع اللهو والمتعة، وتذوق الفن، والتوق الى الكمال، وتدريب الحواس على التواصل والتجدد، والتنفس بحرية.
نسير في روما ونتعب من الأبهة والجمال، نتعب من النظر والتأمل: أين نحدق؟ الى أين نتجه؟ الى معرض "عبقرية ليوناردو دافنشي" أم الى متحفيّ المدينة؟ نذهب الى معرض مودلياني الرائع أم الى 14 مسرحية تعرض الآن في قاعات روما أو نتمشى الى "ساحة الشعب" المبهرجة بالزينة والأعمال الفنية والكرنفالية بمناسبة 154 عاماً على تأسيس الشرطة، حيث الأطفال وقد استولوا على سيارات البوليس المتوقفة، لعباً واحتفالاً؟ أنذهب الى 15 حفل موسيقي (حسب الأجندة السياحية التي وهبنا إياها الفندق) أم الى ذاك المعرض الاستعادي الكبير لفنان عصر النهضة رافاييل، أو نكتفي فحسب بالتجوّل في الشوارع حيث مئات الأنصبة والمنحوتات الرخامية والتماثيل الهائلة والنوافير المائية العجائبية، الموزعة على أنحاء روما، كما لو أن هذه المدينة قد كدست فنون العالم في أرضها.
مدينة تبدو وكأنها "ضحية" تنافس آلاف الفنانين على زخرفتها، وعلى تجميلها وعلى رسمها. بل وكأنها ليست إلا بقعة لجنون النحت وهو يحاول الكمال ويسعى الى العظمة.
هنا، حيث العمران الروماني، وقد داخله عمران القرون الوسطى، وحيث طغيان الذروة الكلاسيكية، وعصور النهضة، والشعوذة الهندسية القوطية، وأناقة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وسحر "الآرت ـ ديكو" لمطلع القرن العشرين، بل وحتى الفخامة الفاشية القاسية، تبدو إضافة باهرة على روعة المدينة الفائرة بأناس يمضون يومياتهم في الهواء الطلق، والمتاجر المفتوحة حتى آخر الليل، حيث لا يخلو رصيف، حتى في أنأى الاحياء من المقاهي والمطاعم الصغيرة والمشارب والاستراحات وزوايا التسكع والدعة.
كان علينا ان ننخرط في ايقاع المدينة: فتاة جزائرية، فتاة فرنسية، شابة ايطالية فرنسية، ورجلان لبنانيان، مجتمعون في المقهى، لنتوجه الى "الغيتو اليهودي" التاريخي. الغيتو الذي ما عاد منعزلاً، بل ارض سياحة وسهر. وهناك سنجلس على طاولة رصيف لمطعم يهودي ايطالي، متكئين على منزل من القرون الوسطى تقول دكنته وانطوائيته تلك العتمة التي عاشتها اوروبا مع الخوف والجوائح والحروب. لكنها الان تبدو كديكور سينمائي رومانسي. وأمامنا على بعد مترين ينتصب معبد روماني بجبروت عتيق وحجري، ومن ورائه يطل مشهد الفاتيكان الكاثوليكي.
نحن الزبائن، "مسلمون" و"مسيحيون" على طاولة مطعم لعائلة يهودية، يديره مصري، مسلم، يتحدث الايطالية والعربية. الفتاة الجزائرية لا تجيد سوى الفرنسية (ولا كلمة بالعربية) الشابة الايطالية الفرنسية تتحدث العربية بطلاقة وباللهجة المصرية، اللبنانيان يفضلان التحدث بالانكليزية. الفتاة الفرنسية تختار التحدث بالايطالية. والطاولات حوارات وترجمات متبادلة.
اليابانيون، بالقرب منا، الاسبان ايضا، الاميركيون كثر، جنسيات العالم تقريباً في عشرين مترا مربعاً حيث مهرجان اللغات ـ الثقافات، من وراء الاطلسي الى قلب آسيا، هنا في هذه المدينة المتوسطية. في الزقاق الضيق ذات الانارة الشاحبة كما لو انه مضاء بالشموع.
على هذا المنوال، بدت المدينة في تلك الليلة خرافية، حيث اطياف القرون الوسطى والمخيلة اليهودية، وحيث ظلال المعبد الروماني توحي وكأن طقساً وثنياً ما زال يجري في داخله، والكنائس الكاثوليكية من بعيد تطل بكامل عظمتها الامبراطورية. ونحن لا نفعل شيئاً سوى هذه "العجينة" من اللغات الخائنة لهوياتها.
كانت تلك تقريباً، صورة العالم الذي نوده، ونتخيله بعيداً عن الشرق الأوسط.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00