موسيقى الجاز لا تعيش راهناً عصرها الذهبي، لا في نيو اورلينز المنكوبة منذ إعصار كاترينا، ولا في فضاء نيويورك الذي تسيطر عليه موسيقات الهيب هوب والراب والبوب..
مع ذلك، ومنذ سنوات قليلة، الجاز يزدهر في بيروت. المهرجانات الثقافية ـ السياحية الكبرى تخصص له الليالي الطويلة. نجومه من العازفين والمغنين ضيوف دائمين في حفلات الصيف، وفي مرابع العاصمة على مدار السنة.
أجواء جاز حصرية من ليل فنادق بيروت إلى الحانات المتخصصة بتقديم الجاز، وأشهرها الـ"بلو نوت" الذي يستضيف أهم موسيقيي العالم، على نحو دائم وثابت.
ربما بيروت ليست عاصمة للجاز، لكنها بالتأكيد باتت من المدن التي تحتفي به. وإذا كان حتى الآن محصوراً في أماكنه، ومتاحاً فقط للذواقة والمتابعين، فهو بات على الرصيف تقريباً، وفي متناول العابرين، منتشراً في هواء شارع الحمرا كنفحة تهب في ساعات بعد الظهر وتستمر حتى الليل.
عند الزاوية المقابلة لمقهى "ستار باكس"، اتخذ منذ ثلاثة أشهر غابرييل نادا موقعاً له، حيث يقف نافخاً في آلة الساكسوفون، عازفاً ومرتجلاً مقطوعات جاز. موسيقي أميركي شاب، جاء إلى بيروت، حيث يعمل مع فرقته ليلاً في نوادي الليل، قرر أن يُنزل موسيقى الجاز إلى شارع المدينة ورصيفها، على سبيل التسلية، وربما أيضاً على سبيل ايجاد مدخول مالي إضافي، طالما أن المارة ورواد المقاهي المجاورة استحسنوا مبادرته وباتوا يهبون بعضاً من مالهم واضعينه في علبة، بسطها العازف أمامه.
هكذا، وقف نادا وحده، مثابراً كل يوم في موعده وفي زاويته المألوفة، حتى أتاه منذ شهر عازف الدرامز اللبناني إميل البستاني، عارضاً عليه الشراكة في هذا "الحفل" اليومي. وإميل البالغ من العمر 35 عاماً، هو بدوره عضو في فرقة جاز تعمل ليلاً في حانات ومطاعم عدة لكنه يقول إن فكرة غابرييل نادا أعجبته "كأنها كسر للتابو"، حسب قوله، ويضيف "من أجل إمتاع الناس كان يجب إنزال الجاز إلى الشارع".
لم تدم "غرابة" المشهد طويلاً. فحسب غابرييل نادا "أهل هذه المدينة تقبّلوا فوراً وجودي وموسيقاي.. وأنا مرتاح جداً لرد فعلهم. باتت تسليتي هذه اتصال يومي مع الناس، وكأنني بهذه الطريقة لم أعد غريباً عن السكان".
شراكة إميل وغابرييل، وتواطؤ رواد الحمرا، وهب بيروت مشهداً فنياً إضافياً، رغم تواضعه يبقى إشارة لافتة إلى أن الثقافة لا يزال لها رصيفها الرحب.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.