8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رنا قليلات... أو رواية "العلاقات المميزة"

في فيلم "اغتيال ريتشارد نيكسون" يصرخ سام بيكي منهاراً (الممثل شون بن)، مواجهاً صورة الرئيس نيكسون التلفزيونية: "إنه المال، إنه المال... إنه المال".
منذ العام 2003، حين أعلن المصرف المركزي في لبنان، لأول مرة عن رصد حوالة مالية مشبوهة تقدر بثلاثمئة مليون دولار صادرة عن "بنك المدينة"، إيذاناً ببدء مسلسل فضيحة هذا البنك، صرنا نقول في دواخلنا كلما رأينا صورة السيدة رنا قليلات أو صورة المدعي العام عدنان عضوم أو صورة الرئيس إميل لحود وإبنه، أو صورة الضابط رستم غزالي وسلفه (المنتحر) غازي كنعان: "إنه المال، إنه المال".
والسيدة رنا قليلات، المتدرجة في سلكها الوظيفي، خلال 12 عاماَ، من حاجبة إلى مديرة إلى أمينة السر التنفيذية لرئيس مجلس ادارة "بنك المدينة"، باتت هي الكناية عن نظام سياسي ـ مالي يخترق ويسيطر ويسيّر الجسم القضائي والجسم الأمني والجسم الحكومي، وهو نظام يتوسل الاختلاس والرشوة والتزوير والابتزاز، وقد يتوسل الخطف أو القتل أو القمع وكل الوسائل الممكنة من أجل الاستحواذ على السلطة والمال في قبضة واحدة.
ولدت السيدة رنا قليلات في رأس النبع في العام 1967، والدها عمل في قوى الأمن الداخلي ووالدتها استاذة الأدب العربي في مدرسة رسمية. في عمر 17 عاماً سافرت إلى سويسرا لدراسة العمل المصرفي، وبعد ثلاث سنوات ذهبت إلى السعودية قبل أن تنتقل إلى بيروت للعمل في بنك المدينة.
هذه الشابة (39 عاماً،الآن) التي ارتفع راتبها من 60 ألف ليرة ووصل إلى ستة ملايين ليرة ثم، وبسرعة كبيرة، باتت تملك مئات الملايين من الدولارات، وهي التي ربما تدرك أو تدير أو تتحمل مسؤولية المبلغ المفقود المقدر بحوالي 1.2 مليار دولار أميركي، انتهت سيرتها المصرفية من زنزانات بيروت، توقيفات واخلاءات، إلى مغامرة هروب ما بين القاهرة ومدن أخرى مجهولة وصولاً إلى ساو باولو في البرازيل، حيث تنزل الآن في زنزانة فردية في مركز الشرطة.
وما بين ملفات المصرف، والأرصدة، والتحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، واسماء مسؤولين حكوميين على علاقة بتبييض الأموال والاختلاسات وتهريب أموال النظام العراقي، وأسماء قضائية وعسكرية لبنانية، وضباط عنجر ودمشق واليرزة، وشخصيات حزبية وسياسية، تتوسط السيدة قليلات صورة هذه الشبكة التي تضم أيضاً مجموعات مسلحة سرية وأجهزة استخبارات، فتبرز هذه المرأة، التي تصف نفسها بأنها ليست جميلة جداً ولكنها "نعّومة" كوجه يمثل الفساد، لا يخلو من ملمح البراءة والإغواء معاً. وعلى الأرجح لم يكن "الفساد" مرة خالياً من الغواية والاغراء.
وإذ بلغ هذا الفساد ذروته السياسية والأمنية والاقتصادية والبيروقراطية، ضارباً المؤسسات والافراد ومخترقاً هياكل المجتمع اللبناني وقطاعاته كلها، بدت قضية "بنك المدينة" مثالية في التدليل على آلية السلطة وطابعها المافيوي الذي رست عليه بعد مراس استمر 15 عاماً متصلة.
فعلى النمط المافيوي كانت ادارة الأموال والأرباح وجني الثروات قائمة على الرشوة والسرقة والتبييض والجريمة وكان لا بد من اتصال وتورط وافساد رجالات الدولة ورجالات القانون وقوى عسكرية واستخباراتية تحمي وتستفيد وتوسع مجال الفساد وتبسطه على مجمل الحياة العامة ومظاهرها.
بهذا المعنى، كان لا بد لهذا المال أن يذهب الى الجريمة، وكان لا بد للسياسة أن تنتهي في القتل، وكان لا بد للأمن أن يصير عصابة.
رنا قليلات، بقدر ما قد تكون الحلقة المفقودة بين مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومخططي هذه الجريمة ومموليها، فهي أيضاً الحلقة الأخيرة من سيرة "العلاقات المميزة" التي جمعت ما بين سوريا ولبنان وفق صيغة الوصاية ورجالاتها.
من زنزانات عنجر ومقابرها الجماعية، مروراً بمقرات المخابرات في بيروت، وصولاً إلى مكاتب "بنك المدينة" وانتهاء بحفرة السان جورج، ارتسمت الصورة الرهيبة والمذلة للبنان واللبنانيين.
هكذا انتهت شعارات المسار والمصير والأخوة والأمن القومي والهوية الحضارية والتحديات والصراع المشترك مع العدو ودولة المؤسسات والاصلاح... الخ، في رواية "بنك المدينة" تحت عنوان رنا قليلات.
تلك هي الخلاصة البائسة لخمسة عشر عاماً من تجربة "العلاقات المميزة" و"الثوابت الوطنية".
خلاصة مهينة، بل قاتلة، لشعبين لا يستحقان إلا علاقات مميزة حقاً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00